المعابر بين تونس وليبيا.. طوابير التجار والعمال تعمّق خنق الجنوب التونسي
تعطل حركة الأشخاص والسلع يفاقم أزمة بنقردان رغم تعهدات البلدين بتسهيل العبور وتنظيم العمل

يشهد الشريط الحدودي بين تونس وليبيا أزمة متصاعدة تتجاوز التأخير في إجراءات العبور، لتتحول إلى ضغط اقتصادي واجتماعي مباشر على المناطق الحدودية، في ظل شكاوى متكررة من احتجاز تجار وعمال تونسيين لساعات وأيام، وتعطل حركة السلع والأشخاص عبر المعابر، وعلى رأسها رأس جدير.
وتكشف هذه التطورات عن فجوة واضحة بين الاتفاقات والتفاهمات التي وقعتها تونس وليبيا خلال السنوات الأخيرة، وبين واقع الحركة اليومية على المعابر، حيث لا تزال الإجراءات الجمركية والأمنية وتباين القرارات من أحد الجانبين إلى الآخر عوامل تؤثر في انسياب التجارة وحركة المواطنين.
أزمة تتجاوز طوابير العبور
قال رئيس المرصد التونسي لحقوق الإنسان والخبير في الشأن الليبي، مصطفى عبد الكبير، إن الإشكالات لم تعد مرتبطة فقط بالإغلاق المؤقت للمعابر أو الاضطرابات الأمنية، وإنما أصبحت تشمل طول إجراءات العبور، والخلافات بشأن البضائع والوثائق الجمركية، فضلاً عن تغير الإجراءات والاكتظاظ الناتج عن كثافة حركة المسافرين والتجار.
وأوضح عبد الكبير أن المنظمة تتدخل بصورة يومية لمعالجة إشكالات تتعلق بتجار وعمال تونسيين عالقين على المعابر الحدودية، مشيراً إلى أن بعض الحالات تستمر لمدة تصل إلى أربعة أيام.
ويضع هذا الواقع السلطات في البلدين أمام اختبار فعلي لقدرتها على تحويل التفاهمات السياسية والجمركية إلى إجراءات عملية تضمن انسياب الحركة، خصوصاً أن استمرار التعطيل لا ينعكس على المسافرين وحدهم، بل يمتد أثره إلى الأسواق المحلية وسلاسل التوريد ومصادر دخل آلاف الأسر.
رأس جدير.. شريان اقتصادي تحت الضغط
لا يمثل معبر رأس جدير لسكان الجنوب التونسي مجرد نقطة عبور بين دولتين، بل يشكل محوراً اقتصادياً ترتبط به أنشطة التجارة والنقل والخدمات والإقامة والمطاعم، فضلاً عن حركة السلع بين المدن التونسية والأسواق الليبية.
وتكتسب مدينة بنقردان أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يعتمد جانب كبير من النشاط الاقتصادي المحلي على التجارة الحدودية، في ظل محدودية البدائل الصناعية وارتفاع معدلات البطالة في عدد من مناطق الجنوب.
وتشير تقديرات محلية غير رسمية إلى ارتباط أكثر من 20 ألف عائلة في الجنوب التونسي بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالتجارة الحدودية، سواء من خلال نقل السلع أو بيعها أو تقديم الخدمات المرتبطة بها، وهي تقديرات تعكس حجم الاعتماد الاجتماعي على استمرار الحركة عبر الحدود، وإن كانت تحتاج إلى بيانات رسمية حديثة للتحقق من نطاقها الفعلي.
ضغط اقتصادي يهدد الاستقرار الاجتماعي
يقول الناشط المدني بمدينة بنقردان، عاطف شواط، إن المنطقة تعاني منذ أكثر من عامين اختناقاً اقتصادياً واجتماعياً نتيجة تراجع التجارة البينية وصعوبات التنقل، مشيراً إلى أن ذلك أفقد مئات الأسر مصادر دخلها الأساسية.
ويرى شواط أن استمرار أزمة المعابر قد يدفع إلى تفاقم الضغوط الاجتماعية، بما فيها احتمالات زيادة الهجرة غير النظامية، في ظل محدودية فرص العمل المتاحة أمام الشباب في المدن الحدودية.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر بالنظر إلى ارتفاع معدلات البطالة في بعض ولايات الجنوب إلى أكثر من 20%، مقابل معدل وطني يدور حول 15% وفق المعطيات المشار إليها، ما يجعل تعطيل النشاط التجاري أكثر تأثيراً على المجتمعات المحلية التي تعتمد على الاقتصاد الحدودي.
توتر المعابر ينعكس سريعاً على الداخل التونسي
وأظهرت أحداث مارس 2026 مدى حساسية الوضع، بعدما شهد معبر رأس جدير اضطراباً في حركة المرور على خلفية احتجاجات في بنقردان عقب احتجاز تجار تونسيين لدى الجانب الليبي، وسط شكاوى من سوء معاملتهم.
وتكشف هذه الواقعة أن أي توتر أمني أو إداري على الجانب الليبي يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الجانب التونسي، ليتحول إلى احتجاجات واضطرابات محلية تضيف مزيداً من الضغوط على النشاط الاقتصادي.
تجارة بمليارات الدنانير رغم اضطراب المعابر
ولا تعكس أزمة المعابر تراجعاً في أهمية السوق الليبية بالنسبة للاقتصاد التونسي؛ إذ تشير بيانات مركز النهوض بالصادرات إلى أن المبادلات التجارية بين تونس وليبيا بلغت نحو 2.892 مليار دينار تونسي خلال عام 2025، بزيادة 11% مقارنة بعام 2024، فيما بلغت الصادرات التونسية إلى ليبيا نحو 2.469 مليار دينار.
وتصدرت الصناعات الميكانيكية والكهربائية قائمة الصادرات بنسبة 37.2%، تلتها الصناعات المختلفة بنسبة 35.5%، ثم قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية بنسبة 27.3%.
وتوضح هذه الأرقام أن مشكلة المعابر لا تتعلق بنشاط محلي محدود، وإنما ترتبط بمسار تجاري أوسع بين اقتصادين متداخلين، ما يجعل أي اختناق في حركة الأشخاص والسلع قابلاً للانعكاس على الشركات والمصدرين والمستهلكين في البلدين.
اتفاقات متكررة ونتائج ميدانية محدودة
حاولت تونس وليبيا خلال الفترة الماضية معالجة جانب من الإشكالات القائمة، إذ بحثت اللجنة الفنية الجمركية المشتركة في أبريل 2025 ملفات تتعلق بقواعد المنشأ، وقائمة بعض البضائع الأجنبية المستثناة من العبور، إلى جانب تفعيل آلية المنفذ الجمركي المشترك في رأس جدير.
كما اتفق الطرفان على آليات للتواصل الفوري بهدف مكافحة التهريب والجرائم الجمركية، واعتماد وثيقة للتسليم والاستلام في عمليات التوريد والتصدير والعبور.
وفي أبريل 2026، وقعت ليبيا وتونس مذكرة تفاهم في مجالات التكوين المهني والتشغيل وتبادل اليد العاملة، تضمنت إنشاء ربط إلكتروني بين البلدين لتحديد احتياجات المؤسسات الليبية من العمالة وربطها بقواعد بيانات طالبي العمل في تونس، إلى جانب بنود تتعلق بحقوق العمال والتغطية الاجتماعية.
غير أن استمرار شكاوى التجار والعمال من واقع المعابر يطرح تساؤلاً حول مدى قدرة هذه الاتفاقات على الانتقال من مستوى التفاهمات الرسمية إلى آليات تنفيذ مستقرة وشفافة.
الحل في إدارة الحدود لا في الاتفاقات وحدها
تكشف أزمة المعابر التونسية الليبية عن مشكلة مركبة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والجمركية والاقتصادية والاجتماعية. فمكافحة التهريب وحماية الحدود تظل اعتبارات مشروعة، لكن غياب إجراءات واضحة ومستقرة للعبور يضاعف الكلفة على التجارة النظامية ويزيد الضغط على السكان الذين يعتمدون على النشاط الحدودي.
كما أن غياب إحصائية رسمية موحدة وحديثة بشأن أعداد التونسيين العاملين في ليبيا يحد من القدرة على قياس حجم المشكلة بدقة، خصوصاً مع وجود عمال غير مسجلين وآخرين يعملون بصورة دورية. وكان البنك الدولي قد قدر في تقييم سابق عدد التونسيين العاملين في ليبيا بنحو 100 ألف عامل قبل تصاعد الأزمة الليبية.
وبذلك، تبدو أزمة رأس جدير وغيرها من نقاط العبور انعكاساً لاختلال أوسع بين حجم الترابط الاقتصادي والاجتماعي بين تونس وليبيا وبين آليات إدارة هذا الترابط. فاستمرار الطوابير والاحتجاز وتعطيل السلع لا يضغط على حركة المسافرين فحسب، بل يضع اقتصاد المناطق الحدودية أمام دائرة متكررة من التعطل، ما يجعل معالجة الأزمة بحاجة إلى إجراءات تنفيذية دائمة وآليات تنسيق مشتركة، لا إلى تفاهمات جديدة تظل نتائجها محدودة على أرض الواقع.



