ليبيا

ديون العلاج التونسي تعود إلى الواجهة.. ووعود ليبية مؤجلة منذ 4 سنوات

مستحقات متراكمة تعيد اختبار قدرة البلدين على حسم الملفات العالقة

عاد ملف الديون المستحقة لمؤسسات تونسية لدى الدولة الليبية إلى واجهة المشهد السياسي والدبلوماسي، بعد تجدد النقاش بشأن المستحقات المالية المتراكمة، ولا سيما ديون المصحات والمستشفيات التونسية، في ظل استمرار تعثر التسوية النهائية رغم تعهدات سابقة بإنهاء الملف.

وجاء تجدد الملف عقب محادثات جمعت وزير الشؤون الخارجية التونسي محمد علي النفطي، والمكلف بتسيير وزارة الخارجية والتعاون الدولي في الحكومة الدبيبة منتهية الولاية الطاهر الباعور، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث اتفق الجانبان على تعزيز التنسيق لمعالجة الملفات العالقة، وفي مقدمتها المستحقات المالية للمؤسسات الصحية التونسية.

تعهدات سابقة لم تتحول إلى تسوية نهائية

ويعيد التحرك الدبلوماسي الحالي إلى الأذهان تعهداً أعلنه عبد الحميد الدبيبة خلال زيارة رسمية إلى تونس في ديسمبر 2022، عندما التزمت الحكومة آنذاك بسداد إجمالي المستحقات لصالح الجانب التونسي قبل نهاية الشهر نفسه.

وقدّر الدبيبة قيمة الديون حينها بنحو 250 مليون دولار، شملت مستحقات القطاع الصحي والخدمات الفندقية المرتبطة بعلاج المرضى الليبيين، إلى جانب مبالغ أخرى متعلقة بقطاعي الكهرباء والطيران المدني.

غير أن مرور نحو أربع سنوات على ذلك التعهد دون إغلاق الملف بصورة نهائية يعكس تعقيدات تتجاوز مسألة توفير السيولة المالية، لتشمل آليات التدقيق والاعتماد وتداخل الجهات الحكومية المسؤولة عن التعاقد والسداد.

تدقيق الفواتير والانقسام السياسي يعرقلان الحسم

وتعود جذور جزء كبير من هذه المستحقات إلى السنوات التي أعقبت عام 2011، حين أصبحت تونس وجهة رئيسية لعلاج أعداد كبيرة من المرضى والجرحى الليبيين، سواء من خلال اللجان الطبية أو عبر ترتيبات مباشرة مع المؤسسات الصحية.

أعباء اقتصادية على المصحات التونسية

ولم تقتصر تداعيات تأخر السداد على الجانب الحكومي، إذ انعكست المستحقات غير المدفوعة على الوضع المالي لعدد من المصحات والمؤسسات الصحية التونسية، التي تحملت أعباء مرتبطة بالسيولة والاستثمار واستمرار تقديم الخدمات للمرضى الليبيين.

وفي فترات سابقة، ظهرت تحذيرات من احتمال التأثير في إجراءات استقبال مرضى جدد، رغم تأكيد المؤسسات الممثلة للمصحات التونسية عدم وجود قرار رسمي بوقف استقبال الليبيين.

وتكشف هذه التداعيات أن استمرار الملف دون تسوية لا يمثل مجرد خلاف محاسبي بين مؤسسات، بل يضغط أيضاً على أحد أبرز مجالات التعاون بين البلدين، وهو القطاع الصحي.

لجان متكررة.. والنتيجة تسوية مؤجلة

ومنذ عام 2018، تشكلت لجان مشتركة بين البلدين لمراجعة الفواتير والتدقيق في المستحقات، وتكررت الاجتماعات الرسمية بهدف وضع جداول للسداد ومعالجة العقبات.

لكن تعدد اللجان والاجتماعات لم يؤد حتى الآن إلى إغلاق نهائي للملف، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن فعالية الآليات المعتمدة لإدارة الملفات المالية المشتركة، ومدى قدرة الحكومتين على الانتقال من مرحلة التعهدات السياسية إلى إجراءات تنفيذية واضحة ومُلزمة.

وتكتسب اللجنة الكبرى المشتركة التونسية-الليبية المقبلة أهمية خاصة في هذا السياق، باعتبارها إطاراً يمكن أن يضع الملف ضمن حزمة أوسع من الملفات الاقتصادية والصحية والتجارية، لكن نجاحها سيظل مرتبطاً بوجود جدول زمني وآلية تدقيق وسداد محددة، بعيداً عن الاكتفاء بإعادة تأكيد الالتزامات السابقة.

ملف مالي يتحول إلى اختبار للعلاقات الثنائية

ويضع تجدد الحديث عن الديون البلدين أمام اختبار عملي لقدرتهما على إدارة الملفات الاقتصادية العالقة. فاستمرار المستحقات لسنوات، رغم تعدد التعهدات واللجان، يبرز الحاجة إلى معالجة مؤسسية لا تتأثر بتغير الحكومات أو المسؤولين.

وفي المقابل، فإن تسوية الملف وفق آلية شفافة للتدقيق والاعتماد والسداد من شأنها أن تعيد بناء الثقة بين المؤسسات الليبية والتونسية، وتوفر أساساً أكثر استقراراً لاستمرار التعاون في المجال الصحي وغيره من القطاعات.

وبذلك، لا تبدو المشكلة في حجم الديون وحده، بقدر ما تكمن في غياب مسار نهائي قادر على تحويل التفاهمات السياسية المتكررة إلى تسوية مالية قابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل الاجتماع المقبل بين البلدين أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة الطرفين على طي هذا الملف الذي طال أمده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى