منوعات

د.ليلى الأوجلي تكتب: الحماية المفرطة.. إعاقة بيئية تعيد إنتاج الوصاية على ذوي الإعاقة

يشهد الفكر الإنساني والحقوقي المعاصر تحولات جوهرية في مقاربته لقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة منتقلاً ببطء وثبات من المنظور الرعائي التقليدي القائم على الإحسان والشفقة والوصاية الأبوية إلى المنظور الحقوقي القائم على المواطنة والتمكين والاستحقاق والوصول الشامل غير أن هذا التحول المأمول لا يزال يصطدم بعوائق بنيوية وثقافية عميقة ومتجذرة في البناء الاجتماعي العربي ومن واقع البحث العلمي والممارسة الميدانية فإن التحدي الأكبر لم يعد يكمن فقط في القصور العضوي أو البيولوجي للفرد بل في المنظومات البيئية والمجتمعية التي تصنع الإعاقة اصطناعياً وعلى رأس هذه الممارسات الخفية في أثرها والمدمرة في نتائجها تبرز ظاهرة الحماية المفرطة.

ينطلق الفهم العلمي الحديث للإعاقة من النموذج الاجتماعي الذي يُسقط عن الفرد وحده وزر العجز ويحمّل البيئة المحيطة بمؤسساتها وأعرافها وثقافتها مسؤولية إعاقة حركة الإنسان وتفاعله وحين تُحاط الأسرة والمجتمع بأسوار من الخوف المبرر ظاهرياً والتدخل المستمر والرعاية الزائدة فإن البيئة تتحول من فضاء داعم للنمو إلى محيط خانق ومعيق إن الحماية المفرطة ليست حرصاً أبوياً سليماً بل هي في حقيقتها إعاقة بيئية مصنوعة فهي تسلب الشخص ذي الإعاقة حقه الأصيل في التجربة والخطأ وتغتال روحه الاستقلالية وتفرغ حقوقه في تقرير مصيره من مضمونها هذا المناخ الوصائي يفرخ ما يُعرف في الأدبيات النفسية بالعجز المكتسب حيث يفقد الفرد تدريجياً الثقة في قدراته ويستسلم لتبعية تامة تلغي كيانه الإنساني المستقل.

تخلف الرعاية القائمة على الحماية المفرطة ندوباً عميقة على البناء النفسي والاجتماعي للشخص ذي الإعاقة وللمحيطين به إذ يؤدي أداء المهام الحياتية نيابة عن الشخص ذي الإعاقة إلى وأد دافعية الإتقان والقضاء على حافزه الذاتي للإنجاز وتجريد شعوره بالكفاءة الشخصية كما تؤدي حلقة الوصاية والاستنزاف اليومي للرعاية غير الرشيدة إلى ضغوط نفسية بالغة واحتراق نفسي لكل من الشخص ذي الإعاقة وأسرته وعلاوة على ذلك فإن عزل الفرد خلف جدران الخوف والشفقة يحرمه من فرص الاحتكاك الطبيعي بمتطلبات الحياة العامة ويقصيه عن دوائر صنع القرار والمشاركة الوطنية الفاعلة.

إن تفكيك هذه الظاهرة وتجاوز النموذج الرعائي يتطلب استراتيجية متكاملة ترتكز على الاعتراف بالأهلية القانونية والقدرة الذهنية متجاوزين التقييمات الشكلية التقليدية المرتبطة بالجسد عبر اعتماد معايير موضوعية تُقر بالقدرات العقلية والملكات القانونية الكاملة للأشخاص ذوي الإعاقة لتمكينهم من ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية والانتخابية بكامل أهليتهم كما يتطلب الأمر إصلاح برامج الحماية الاجتماعية والأسرية لتوجيه الدعم المجتمعي نحو الإرشاد الأسري العلمي لتوعية الأسر بأهمية الانتقال من الحراسة الرعائية إلى التمكين الحقوقي وإدراك أن استقلالية الأبناء هي أساس الكرامة إلى جانب تطبيق معايير الوصول الشامل هندسة الفضاءات العمرية والتعليمية والمهنية والرقمية لتكون دامجة ومتاحة تضمن لكل إنسان حرية الحركة والوصول دون إقصاء مع ضمان التمثيل المباشر الفاعل باعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقيين والأقدر على صياغة مسارهم.

إن إعاقة البيئة والمجتمع أحياناً أشد قسوة وفتكاً من الإعاقة العضوية نفسها وحين نرفع أشكال الوصاية والحماية المفرطة ونستبدل بها ثقافة الشراكة والتمكين والمواطنة الحقّة فإننا لا نمنح منّة ولا نقدم خدمة تفضلية بل نفي بالتزام أخلاقي ودستوري يحقق العدالة الإنسانية لكل مواطن وإننا ماضون بكل عزيمة لترسيخ هذه المبادئ وتحويلها إلى تشريعات وسياسات مستدامة تكفل لكل إنسان الحق في أن يختبر حياته ويصنع قراره ويسهم في بناء وطنه بكل كرامة واقتدار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى