المنفي يراهن من نيويورك على لجنة التهدئة.. الخطابات تسافر والمشكلات تحجز إقامة دائمة

ليبيا 24:
من نيويورك إلى طرابلس.. روايتان لحدث واحد
في وقتٍ لا يزال فيه الشارع الليبي يئن تحت وطأة انقسامٍ ممتد منذ سنوات، أعلن رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، إطلاق العمل على تشكيل “لجنة وطنية للتهدئة وبناء الثقة”.
جاء هذا الإعلان ليضع المشهد السياسي الليبي أمام تساؤلات جديدة، خاصة أنه تزامن مع حراكٍ دبلوماسي متوازٍ تقوده لجنة “4+4” العسكرية برعاية أممية. وبين طموح المنفي في رسم مسار جديد، ومرارة المواطن الذي يرى في الخطابات المتكررة “لغة تسويف”، تتكشف تفاصيل الصورة الكاملة.
ففي كلمته أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، لم يكتفِ المنفي بعرض رؤيته، بل أعلن بشكل صريح أن ليبيا “لم تعد بحاجة إلى مزيد من إدارة الأزمة، وإنما إلى إرادة تنهيها”.
وحدد الطريق لذلك بالعودة إلى الشعب عبر “الانتخابات والاستفتاءات والآليات الدستورية والقانونية”، معتبراً أن “الصفقات المؤقتة والتسويات الهشة” لا يمكن أن تكون بديلاً عن إرادة الليبيين.
وتكتسب لجنة التهدئة، بحسب ما أعلنه، أهمية استراتيجية، إذ تهدف إلى “استباق النزاعات واحتواء التصعيد، ودعم المصالحة، وتهيئة بيئة آمنة للعملية السياسية والانتخابية”. وقد دعا في هذا السياق “جميع الأطراف الليبية إلى الانخراط فيها، وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إلى مساندة هذه العملية”.
قراءة في الدلالات.. بين توسيع الحركة ورهان الملكية الوطنية
هذا التحرك، بحسب ما يراه المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي، يحمل دلالات مهمة. فهو يرى أن “المنفي يحاول توسيع مساحة الحركة أمام المجلس الرئاسي”، الذي يقف “في منطقة مختلفة عن الحكومة والبرلمان”.
ويضيف أن صياغة المبادرة تظهر أن المنفي “لم يطرح اللجنة باعتبارها جسمًا سياسيًا جديدًا، ولم يعلن من خلالها مشروعًا لتغيير السلطة، وإنما قدمها باعتبارها أداة وطنية لتهيئة الظروف المناسبة للمسار السياسي والانتخابي”.
هذا الطرح، وفق الحجازي، يعني أن “المجلس الرئاسي يحاول تقديم نفسه بوصفه طرفًا يمكنه المساعدة في إدارة البيئة التي ستجري فيها العملية السياسية، وليس مجرد مؤسسة تنتظر نتائجها”.
ويشير الحجازي إلى أن إعلان المبادرة من الأمم المتحدة “يحمل رسالة مزدوجة”، فمن جهة “يؤكد أهمية التعاون مع الأمم المتحدة”، ومن جهة أخرى “يشدد على أن الملكية الوطنية للحل الليبي يجب أن تبقى خطًا أحمر، وأن دور المجتمع الدولي ينبغي أن يكون داعمًا وميسرًا، لا بديلًا عن الإرادة الليبية”.
وهذا المبدأ تجلى بوضوح في كلمته التي ربط فيها “إنهاء الانقسام بالعودة إلى الشعب عبر الآليات الدستورية والقانونية والانتخابات”.
لكن الحجازي يضع تحفظاً مهماً، فيرى أنه “من المبكر القول إن الرجل يسعى إلى منصب جديد أو إلى إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية بصيغة مختلفة، فلا توجد حتى الآن معطيات معلنة تثبت ذلك”، مشيراً إلى أن “تفاصيل اللجنة نفسها لم تُكشف بعد؛ فلا نعرف تشكيلتها النهائية، ولا صلاحياتها، ولا آليات اتخاذ القرار فيها، ولا طبيعة علاقتها بالمجلس الرئاسي أو البعثة الأممية”.
صوت الشارع.. “صفرية” و”هرمنا” في وجه الخطابات
في المقابل، وعلى الضفة الأخرى من المحيط، تبدو الصورة مختلفة تماماً في نظر قطاع واسع من الليبيين.
فبينما يراهن المنفي على تحركه الدبلوماسي، تعكس تفاعلات الشارع حالة من الإحباط المزمن. الناشطة السياسية نادية الراشد، عبرت عن هذا الشعور بكلمات قاسية، واصفة المنفي بأن وظيفته هي “سفريات، دعوات، وخطابات، وشعارات، ولوك لوك لوك، ولغة التسويف”.
وذهبت إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن النتيجة النهائية لكل هذا الحراك هي “صفرية، وما يسمع فيهم حد، لا الليبيين، ولا دول العالم”. وتساءلت بمرارة: “خاطري نفهم وينها المصالحة من صلاحيته ستة سنوات هو احد العراقيل؟”، مضيفة: “المشكلة على شنو التصفيق عن اي إنجازات؟ خطابات نارية دغدغة مشاعر ولا حاجة على الأرض، بالذات على الخدمات المحلية، هنا يقيس العالم اقتصاد الدول”.
واختتمت بسؤال محوري: “انتقائي بلا معايير، لعب فروخ، عاهات معاقة، لا كفاءات ولا خبرات، هنا المصيبة”.
هذا الصوت ليس منفرداً، بل يعكس حالة غضب أوسع تجاه الطبقة السياسية بأكملها، التي يُنظر إليها من قبل البعض على أنها تخدم أجندات خارجية وتنظيمات معينة، لا مصالح المواطن الليبي الذي يعاني من “سوء المعيشة وحالة الفقر”.
وتذهب الراشد إلى أبعد من ذلك في وصف من تسميهم “المرتزقة” الذين “ردوا بالكم التفاعل معهم، ولا تستجيبوا لكلامهم”، مؤكدة يقينها أنهم “لو نبحتّوا عن أصولهم، نلقوهم مش ليبين”، في إشارة إلى حالة الاحتقان التي وصل إليها الشارع الليبي.
استدراك واجب.. لحظة انسحاب تحسب للمنفي
ومع كل الانتقادات، يفرض الإنصاف الإشارة إلى موقف يُحسب للمنفي. فخلال وجوده في قاعة الجمعية العامة، وعند دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلقاء كلمته، غادر المنفي القاعة.
وهو موقف يعكس رفضاً لممارسات الاحتلال، ويُعد لفتة تضامنية مع القضية الفلسطينية، رغم أن البعض يرى أن مثل هذه المواقف يجب أن تُترجم إلى أفعال ملموسة على أرض ليبيا، التي تعاني من أزماتها الخاصة.
سجال المراسلات.. “موظف” يصبح رفيقاً في نيويورك
وفي تطور لافت، يعكس إحدى مفارقات المشهد السياسي الليبي، أظهرت صورة متداولة من اجتماعات الأمم المتحدة، جلوس المنفي إلى جوار الطاهر الباعور، المكلف بتسيير وزارة الخارجية، خلف لوحة ليبيا.
هذا المشهد يأتي بعد أشهر فقط من سجال مرير في أبريل الماضي، حيث اتسمت المراسلات بينهما بحدة غير معتادة. المجلس الرئاسي كان قد اعتبر تكليف الباعور “معيباً ومخالفاً لقواعد الاختصاص”، وطالبه بعدم استخدام صفة “وزير الخارجية”، محذراً من أن أي تصرف من هذا القبيل يُعد “انتحالاً لصفة رسمية”.
ورد الباعور على إحدى الرسائل بخط يده قائلاً: “بضاعتكم ردت لكم.. يلزمك تقرأ”، ليجيبه مكتب المنفي: “هذا الكتاب للعلم فقط بصفتك موظفاً”.
واليوم، يجلس “الموظف” و”الرئيس” في وفد واحد، هذا المشهد يطرح سؤالاً يستحق إجابة رسمية: هل تغير الوضع القانوني للباعور؟ أم أن المراسلات الرسمية في ليبيا تنتهي صلاحيتها بمجرد الوصول إلى مطار نيويورك؟
كما تساءل الإعلامي محمد القرج في تدوينة له، مشيراً إلى أن “الصورة من اليوم، والمراسلات من أبريل”، ومتسائلاً: “برأيك ما الذي تغيّر بين أبريل وسبتمبر 2026؟”
خاتمة.. بين عجز الحلول ووحدة الموقف
المشهد الليبي يبدو معقداً ومتشابكاً، فبينما يحاول المنفي رسم مسار جديد عبر لجنة التهدئة، ويستعرض قوة الدبلوماسية الليبية في المحافل الدولية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل ستنجح هذه المساعي في كسر الجمود، أم أنها ستضيف فصلاً آخر إلى سلسلة طويلة من “إدارة الأزمة” التي لم تجلب سوى مزيد من المعاناة للمواطن الليبي؟
الإجابة، كما يبدو، ليست في نيويورك، بل في شوارع طرابلس وبنغازي وسبها، حيث ينتظر الناس بفارغ الصبر “إرادة تنهي” معاناتهم.



