نفط ليبيا بين نعمة الحرب ونقمة الفساد: ملايين الدولارات تتكدس والخزينة فارغة والمكلوم ينتظر
حكومة منتهية الولاية تتاجر بأزمات العالم والمواطن الليبي يدفع الثمن من قوت يومه
إيرادات قياسية في ظل اضطراب هرمز.. لكن إغلاقات الميليشيات تحرق 75 مليون دولار في أسبوع واحد
ليبيا 24:
نفط ليبيا بين نعمة الحرب ونقمة الفساد: ملايين الدولارات تتكدس والخزينة فارغة والمكلوم ينتظر
في الوقت الذي تتقاتل فيه القوى العظمى في مضيق هرمز، وتضطرب فيه أسواق الطاقة العالمية، يقف المواطن الليبي المكلوم على رصيف الانتظار، يراقب أرقاماً فلكية تتدفق إلى خزائن الدولة بينما حياته اليومية تزداد ضنكاً وخنقاً.
فبين ارتفاع أسعار النفط عالمياً بفعل التوترات الأميركية-الإيرانية، وبين إغلاقات الميليشيات المتكررة لخطوط الأنابيب، تتكشف حقيقة مرة: ليبيا التي تسبح فوق بحيرة من الذهب الأسود، يغرق شعبها في فقر مدقع وخدمات منهارة.
إيرادات وهمية وحقائق مؤلمة
كشفت بيانات مؤسسة النفط أن إنتاج ليبيا بلغ ذروته في يونيو الماضي عند مليون و438 ألف برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ عام 2013.
ومع ارتفاع خام برنت متجاوزاً 107 دولارات للبرميل، قفزت إيرادات النفط في النصف الأول من العام الجاري إلى 17.86 مليار دولار، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه في الفترة ذاتها من العام الماضي.
وبلغت مبيعات النفط في الأشهر الثمانية الأولى نحو 96.1 مليار دينار، بزيادة تقارب 16.3 في المائة عن العام السابق.
ويؤكد وزير النفط السابق محمد عون أن “النفط الليبي يستفيد من ارتفاع الأسعار العالمية مع أي تغيرات وأزمات عالمية قد تطرأ”.
لكن هذه “الاستفادة” تظل مؤقتة وغير مباشرة، وفق محللين، لأن صادرات ليبيا تخرج من موانئ البحر المتوسط ولا تعبر جغرافياً مضيق هرمز.
ويحذر الخبير النفطي محمد الشحاتي من أن “القيمة الحقيقية للنفط الليبي ترتبط بقدرته على الوصول إلى الأسواق في ظروف مستقرة، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار نتيجة أزمة عالمية”.
كارثة الإغلاقات: 75 مليون دولار تحرق في أربعة أيام
بينما تتحدث التقارير عن مكاسب مليارية، يضرب واقع مرير القطاع النفطي من الداخل. ففي سبتمبر الجاري، أدى إغلاق صمام على خط نقل خام حقل الشرارة إلى فقدان 720 ألف برميل من الإنتاج في أربعة أيام فقط، بخسائر مباشرة تجاوزت 75 مليون دولار.
وتوقفت إحدى وحدات التكرير في مصفاة الزاوية اضطرارياً، ما هدد إمدادات الوقود والكهرباء في وقت يعاني فيه المواطن أصلاً من انقطاع متكرر للتيار الكهربائي.
وحذرت بعثة الأمم المتحدة من أن استمرار الإغلاق “سيؤدي إلى خسائر كبيرة في إنتاج النفط والإيرادات، ويزيد الحاجة إلى استيراد الوقود، ما يفرض ضغوطاً إضافية على المالية العامة”، مشيرة إلى أن استهداف البنية التحتية النفطية “قد تشكل أساساً لفرض تدابير عقابية”.
“منتهية الولاية” والمساءلة الغائبة
في خضم هذه الكارثة الاقتصادية، تتصاعد الانتقادات ضد حكومة عبد الحميد الدبيبة “منتهية الولاية”. فقد وجه مجلس حكماء وأعيان وسط طرابلس بياناً حاداً يحمل رئيس الوزراء “المسؤولية الكاملة عن تفاقم الأزمة الاقتصادية والخدمية”، مستنكراً “انعدام النزاهة والشفافية والمساءلة”، ومتهماً إياه بالاعتماد على “التصريحات العامة ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تهدف إلى تشتيت انتباه المواطنين دون اتخاذ أي إجراءات ملموسة”.
وأشار البيان تحديداً إلى “ارتفاع الأسعار، وانقطاع التيار الكهربائي المتكرر، وفشل الدولة الذريع في ضمان الأمن الغذائي والدوائي والصحي”، داعياً إلى “إصلاحات فورية أو الاستقالة”. كما كشف تقرير أممي عن “وقائع فساد” طالت مسؤولين حاليين، مشيراً إلى شبكات تهريب نفط مرتبطة بإبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الوزراء.
ويؤكد المحلل السياسي سليمان البيوضي أن “حجم الإنفاق الضخم لحكومة الدبيبة لم يقابله تحسن ملموس في مستوى الخدمات”، مشيراً إلى أن المصروفات تحت بند التنمية بلغت 135.7 مليار دينار بين 2021 و2025، وسط “غياب الشفافية حول تفاصيل الصرف”.
مستقبل غامض ومواطن ينتظر
صندوق النقد الدولي حذر في تقريره الأخير من أن “المسار المالي الحالي غير مستدام”، وأن الإيرادات النفطية المرتفعة “إذا أُنفقت، قد تزيد من نقاط ضعف ليبيا”، داعياً إلى “توفير هذه المكاسب غير المتوقعة لإعادة بناء الاحتياطيات”.
فبينما تحتفل العواصم الكبرى بارتفاع أسعار النفط، يبقى السؤال معلقاً: متى سيصل هذا الثراء إلى المواطن الليبي الذي ينتظر منذ أكثر من عقد حكومة تحترم كرامته وتوفر له الحد الأدنى من الحياة الكريمة؟



