غير مصنف

التغير المناخي يهدد التراث العالمي.. وصبراتة في دائرة الخطر

ارتفاع البحار والحرارة يفاقمان مخاطر التآكل والغمر ويهددان مواقع أثرية حول العالم

لم تعد تداعيات التغير المناخي تقتصر على البيئة والاقتصاد، بعدما امتدت إلى المواقع التي تختزن ذاكرة الحضارات الإنسانية، مع توقعات بارتفاع درجات الحرارة عالمياً بنحو 3.5 درجات بحلول عام 2100 مقارنة بالمستويات الحالية، بالتزامن مع ارتفاع منسوب البحار والمحيطات بأكثر من نصف متر.
وتشمل المخاطر المتوقعة الفيضانات والتآكل وارتفاع الرطوبة والإجهاد الحراري وحرائق الغابات، وهي عوامل تهدد المواقع الأثرية والمتاحف والمكتبات والمنشآت الفنية، وتفرض تحديات جديدة أمام جهود الحفاظ على التراث.

مئات المواقع التراثية أمام مخاطر متزايدة

وبحسب البيانات المشار إليها عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة يونيسكو، يواجه 289 موقعاً من مواقع التراث الثقافي مخاطر مرتبطة بالتغيرات المناخية، إلى جانب 91 موقعاً من التراث الطبيعي وستة مواقع مختلطة ذات قيمة ثقافية وطبيعية.
وتتركز المخاطر بصورة خاصة في المناطق الساحلية والمنخفضة، إذ تشمل قائمة المواقع المهددة 49 موقعاً في مناطق منخفضة على ساحل البحر المتوسط، في ظل استمرار التآكل وتزايد احتمالات الفيضانات.

صبراتة الليبية.. تهديد من البحر

وفي ليبيا، يبرز موقع صبراتة الأثري على ساحل البحر المتوسط ضمن المواقع التي تواجه تداعيات التغير المناخي، مع تعرض مبانيه الحجرية للتآكل ومخاطر غمر مياه البحر.
وتكتسب المخاطر أهمية خاصة بالنسبة لصبراتة باعتبارها مدينة أثرية تأسست في القرن الخامس قبل الميلاد، ما يجعل الحفاظ على مكوناتها العمرانية والأثرية مرتبطاً بقدرة خطط الحماية على التعامل مع المخاطر الساحلية المتزايدة.

تهديد يتجاوز المواقع الأثرية

ولا تقتصر التداعيات على الآثار، إذ تمتد إلى دور الأوبرا وقاعات الحفلات والمتاحف والمكتبات ومراكز الفنون، مع توقعات بتأثر عدد من المنشآت الثقافية الكبرى حول العالم بارتفاع الحرارة والفيضانات والظروف المناخية المتطرفة.
كما تطاول المخاطر الصناعات المرتبطة بالتراث، ومنها صناعة الآلات الموسيقية، مع تهديد الآفات لأشجار التنوب التي استخدمت في تصنيع هذه الآلات على مدار قرون.

حماية التراث أمام تحدي التمويل

وتزداد صعوبة مواجهة هذه المخاطر في ظل الحاجة إلى استثمارات كبيرة لحماية المواقع والمنشآت الثقافية، بينما تواجه اقتصادات أوروبية عديدة ضغوطاً مالية تحد من سهولة توفير الموارد المطلوبة.
وتشير هذه المعطيات إلى تحول طبيعة إدارة التراث من التركيز على الترميم بعد وقوع الضرر إلى ضرورة تطوير سياسات استباقية للتكيف مع المناخ، خصوصاً في المواقع الساحلية والمناطق الأكثر تعرضاً للفيضانات والجفاف والحرارة المرتفعة.

المناخ يتحول إلى قضية ثقافية
ومع اتساع نطاق المواقع المهددة، يصبح التغير المناخي جزءاً من معادلة الحفاظ على الذاكرة التاريخية، خصوصاً أن بعض الأضرار قد تكون غير قابلة للعكس، مثل فقدان موقع أثري تحت المياه أو تلف أعمال فنية تاريخية بصورة يتعذر معها استعادتها إلى حالتها الأصلية.
وبالنسبة إلى ليبيا، يضع خطر التآكل والغمر الذي يواجه صبراتة ملف حماية المواقع الأثرية الساحلية أمام الحاجة إلى سياسات تتعامل مع التغير المناخي باعتباره تحدياً طويل الأمد للتراث، وليس مجرد خطر بيئي عابر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى