«جرس إنذار من قلب المعاناة»: ليبيا على حافة انفجار اجتماعي.. والمعلمون والأطباء يرفعون راية العصيان المدني في وجه حكومة منتهية الولاية
ليبيا.. حكومة الدبيبة تتفرج على شعبها من برج عاجي: رواتب ثابتة منذ سنوات وأسعار تلتهم ما تبقى من كرامة المواطن
ليبيا 24
حين تصبح الرواتب عبئاً على الأمن القومي: إضرابات المعلمين والأطباء تشعل فتيل الغضب الشعبي في وجه حكومة منتهية الولاية
في مشهد يختزل مأساة الدولة الليبية بأكملها، تتواصل اعتصامات المعلمين والأطباء في العاصمة طرابلس وبلديات الزاوية وصرمان، وسط صمت مطبق من حكومة منتهية الولاية تتشبث بكرسي السلطة بينما يغرق المواطن الليبي المكلوم في بحر من الغلاء المعيشي والحرمان.
لم تعد القضية مجرد مطالب فئوية، بل تحولت إلى استفتاء شعبي على شرعية حكومة فقدت بوصلتها وأضحى همها الوحيد البقاء، ولو على حساب كرامة شعب كامل.
جذور الأزمة.. رواتب تذوب وأسعار تلتهم
من قلب طرابلس، يحذر رئيس نقابة معلمي طرابلس الكبرى، أشرف بوراوي، من أن المرتبات لم تعد تواكب مستوى المعيشة الحالي، مؤكداً أن ليبيا تفتقر إلى جدول مرتبات موحد منذ سنوات.
ويوضح بوراوي في تصريحات لقناة “فرانس 24” أن قطاعات تتقاضى رواتب مرتفعة بينما بقي آخرون على القيمة ذاتها، وهو ما دفع النقابات إلى المطالبة العاجلة بجدول موحد على مستوى الدولة الليبية.
ويضيف: “ارتفاع الأسعار جعل هذه المرتبات غير كافية حتى لتلبية أبسط متطلبات الحياة اليومية من مأكل ومشرب، ناهيك عن وجود حالات مرضية أو ظروف طارئة“.
ويكشف بوراوي أن مطلب المعلمين لا يقتصر على زيادة الرواتب، بل يمتد إلى استحقاقات متراكمة منذ سنوات، مثل علاوة الحصة والفروقات والتأمين الصحي، التي لم تستجب الحكومة لأي منها حتى الآن.
تدخل أجنبي يهدد السيادة.. وصندوق النقد يطل برأسه
في تحليل يلامس جوهر الأزمة، يحذر الدكتور صالح إبراهيم، مؤسس الأكاديمية الليبية للدراسات العليا، من أن خطر تدخل أي جهة أجنبية، سواء الولايات المتحدة أو صندوق النقد الدولي، في مناقشة جدول المرتبات، يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الليبي.
ويشرح إبراهيم أن هذا التدخل هو مقدمة لتضخيم بند المرتبات في ظل غياب ملاك وظيفي حقيقي، وهو ما سيقود إلى عجز دخل النفط عن تغطية هذا البند إذا ما انخفضت أسعار النفط أو كمياته، مما سيجبر أي حكومة على الاقتراض الدولي، وهو ما يصفه بـ”الاحتلال الناعم“.
ويكشف إبراهيم عن مفارقة صادمة: “تونس بها 750 ألف موظف لشعب تعداده 15 مليون نسمة، في حين أن ليبيا التي لا يتجاوز سكانها 7 ملايين لديها قرابة 2.5 مليون موظف“.
ويشدد على أن هذا الرقم لا يجب أن يكون ذريعة لإيقاف مرتبات البعض، بل يستوجب التفريق بين من يقوم بعمل فعلي ومن يتقاضى راتباً دون أداء.
ويطالب الحكومة برفع المرتبات سنوياً بما يوازي معدل التضخم، حتى تُجبر على رسم سياسات لمواجهة الارتفاع الجنوني للأسعار الذي يصل أحياناً إلى 25 في المائة في شهر واحد.
سياسات التعيين.. قنبلة موقوتة
يصف إبراهيم سياسات التعيين كبديل لخلق فرص حقيقية بأنها “سياسات خطرة يجب التصدي لها”. ويقترح منح كل ليبي بلغ السن القانونية وغادر الدراسة منحة تعويض عن البطالة، ثم تضع الحكومة سياسات تشغيل له في القطاعين الخاص والعام، مع قطع المنحة عن كل من ترفضه فرص العمل أكثر من مرتين ليتحمل مسؤولية قراره.
ويشدد على أن قرار تحديد الأجور والمرتبات هو قرار يتعلق بالأمن الوطني والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ولا يجوز للدولة أن تفقد السيطرة على التضخم وتفشل في مراقبة الأسعار بينما تبقى المرتبات ثابتة لسنوات.
إضراب يتمدد.. وإصرار على المطالب
في بلدية الزاوية وصرمان، تؤكد نقابتا المعلمين أن الظروف القاسية والتحديات المستمرة تدفع المعلمين إلى التمسك بحقوقهم المشروعة، متوعدين بعدم التنازل أو التهاون في الدفاع عنها وصولاً إلى إنصاف المعلمين وتحقيق العدالة والمساواة أسوة بباقي القطاعات.
وتشدد النقابتان على أن وحدة المعلمين وتماسكهم هما الأساس في الدفاع عن حقوقهم، محذرين من أي محاولة للمساس بنقيب المعلمين أو استهدافه أو تشويه صورته، معتبرين أن أي استهداف لنقيب المعلمين هو استهداف لمطالب المعلمين وإرادتهم الجماعية.
وفي طرابلس المركز، يواصل المعلمون والمعلمات اعتصامهم من داخل مراقبة التربية والتعليم، رفضاً للتهميش والمماطلة، وتمسكاً بحقوقهم، مطالبين بتحسين أوضاعهم المعيشية والمهنية وصون كرامتهم.
المدارس الخاصة.. ساحة معركة جديدة
نقابة معلمي حي الأندلس تعلن في بيان لها رفضها استمرار العمل في المدارس الخاصة خلال فترة الاعتصام والإضراب، وتهدد باتخاذ إجراءات ضد المخالفين. وتعتبر النقابة أن التخلف عن الموقف النقابي والاستمرار في العمل بما يضعف الإضراب يُعد إخلالاً بواجب التضامن مع الزملاء وقضاياهم العادلة، متوعدة بمتابعة هذه الحالات واتخاذ الإجراءات النقابية والقانونية المناسبة وفقاً للوائح والتشريعات النافذة.
وتدعو النقابة الجميع إلى الالتزام بالموقف النقابي الموحد والوقوف صفاً واحداً دفاعاً عن كرامة المعلم وحقوقه، مؤكدة أن المعركة اليوم ليست معركة أفراد، بل معركة كرامة وعدالة اجتماعية وإنصاف لقطاع التعليم بأكمله.
التعليم في مهب الريح.. حلول ترقيعية
ورغم تأخر العام الدراسي، يبدي بوراوي تفاؤلاً حذراً بقدرة القطاع على استدراك ما فات، مستشهداً بتجربة فترة كورونا حين اعتمدت الدراسة يوماً بعد يوم، وإضافة يوم السبت إلى أيام الدراسة في بعض السنوات، وتخفيف بعض المناهج واستبعاد الدروس غير الضرورية دون التأثير على الدروس المهمة في السنوات اللاحقة.
لكنه يعود ليؤكد أن المطلب العاجل يبقى اعتماد جدول مرتبات موحد، محذراً من أن باب المرتبات هو أكبر أبواب الإنفاق من الميزانية أو من المصرف المركزي.
صرخة في وجه حكومة صماء
في النهاية، تبدو المشهدية الليبية أشبه بمسرحية عبثية: حكومة منتهية الولاية تتفرج على شعبها من برج عاجي، ومعلمون وأطباء يقدمون أرواحهم على طبق من ذهب في مدارس ومستشفيات تفتقر لأبسط الإمكانيات، بينما تُنفق المليارات على بنود أخرى. الدكتور صالح إبراهيم يضع النقاط على الحروف حين يطالب المعلمين والأطباء بأن يكون هدفهم الأول توفير مدارس ومستشفيات ومستوصفات قادرة على تقديم الخدمة، لا مجرد زيادة في رواتب تلتهمها الأسعار قبل أن تصل إلى جيوبهم.
لكنه في الوقت نفسه يحمل الحكومة المسؤولية كاملة عن هذا الوضع، مطالباً إياها بتحمل مسؤولياتها التاريخية قبل أن يتحول الغضب الشعبي إلى ما لا تحمد عقباه.



