الذهب في ليبيا بين ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
تقلبات الأسواق العالمية وسعر الدولار تضغط على حركة البيع والشراء

تواجه سوق الذهب في ليبيا تحديات اقتصادية متزايدة بفعل ارتفاع الأسعار العالمية وتقلبات سعر صرف الدولار ونقص السيولة وتراجع القدرة الشرائية، وهي عوامل انعكست على أنماط استهلاك المشغولات الذهبية وحركة البيع والشراء، بالتزامن مع تحولات تكنولوجية تشهدها حرفة الصياغة التي تمتد جذورها لعقود في عدد من المدن الليبية.
وتتداخل في تحديد أسعار الذهب محليًا عوامل خارجية مرتبطة بالتطورات الجيوسياسية وحركة الأسواق الدولية، وأخرى داخلية تتصل بسعر الدولار في السوق الموازية وتكاليف الإنتاج والتداول، ما يضع الصاغة والمستهلكين أمام تحديات تتعلق بتكاليف الشراء واستمرار النشاط الحرفي.
ارتفاع الأسعار يغيّر أنماط الاستهلاك
مدينة بنغازي شهدت خلال سبعينيات القرن الماضي نشاطًا ملحوظًا في هذه الحرفة، مع وجود نحو 15 مصنعًا وورشة متخصصة تضم المعدات اللازمة لمراحل الإنتاج المختلفة، من صهر الذهب وتجهيزه إلى سحب الأسلاك وتصنيع الحلي والمشغولات حيث كان الإنتاج يعتمد بدرجة أكبر على الأساليب التقليدية، مع انتشار المشغولات المرتبطة بالزي العربي الليبي، مثل القلائد والخلخال والنبايل، التي كانت تحظى بإقبال خلال الأفراح والمناسبات الاجتماعية. كما كان عيارا 21 و22 من أبرز العيارات المستخدمة وفقًا لطبيعة القطعة والغرض منها.
الا ان الارتفاع المتواصل في أسعار الذهب خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تغير واضح في سلوك المستهلكين، مع تزايد الإقبال على المشغولات خفيفة الوزن مقارنة بالفترات التي كانت تسمح فيها القدرة الشرائية بشراء قطع أكبر وزنًا.
و نتيجة نقص السيولة وارتفاع سعر الدولار وزيادة الأسعار العالمية، تشهد السوق ركودًا نسبيًا حيث ان سعر الذهب في ليبيا يرتبط بسعر الأونصة عالميًا وسعر صرف الدولار محليًا، بما يجعل تحركات العملة عاملًا مؤثرًا في تكلفة الشراء.
التكنولوجيا تطور الإنتاج وتحديات الجودة والتنظيم مستمرة
بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية، شهدت صناعة الذهب تطورات في أساليب الإنتاج مع دخول المعدات الحديثة، ومنها آلات التصنيع بالليزر، التي ساعدت على تسريع العمل وتحسين الدقة والاستغناء عن بعض القوالب التقليدية.
ولا تزال الورش المحلية تقدم خدمات تصنيع المشغولات حسب الطلب وتركيب الأحجار الكريمة وإصلاح القطع الذهبية، بما يتيح استمرار أنشطة الصياغة رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الطلب.
وفي المقابل، تبرز مخاوف تتعلق بانتشار مشغولات مغشوشة أو مطلية بالذهب، قد يصعب على المستهلك غير المتخصص التمييز بينها وبين القطع الذهبية الأصلية اعتمادًا على المظهر وحده.
وقال الأكاديمي والخبير الاقتصادي محمد درميش إن أسعار الذهب العالمية تتأثر بالتطورات الجيوسياسية والحروب، إلى جانب حركة أسعار النفط. وأشار إلى أن سعر الأونصة تجاوز خمسة آلاف دولار قبل تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة وأزمة مضيق هرمز، قبل أن يتراجع إلى نحو أربعة آلاف دولار عقب تداعيات تلك التطورات، وفقًا لتصريحاته.
وأضاف درميش أن توقف تصدير الذهب إلى دبي، نتيجة تعطل حركة الطيران بين ليبيا والإمارات على خلفية الحرب الأخيرة في منطقة الخليج، أسهم في انخفاض الأسعار داخل السوق المحلية. كما أكد ارتباط الأسعار بتحركات الدولار في السوق الموازية، إذ ينعكس ارتفاعه عادة على أسعار الذهب محليًا، بينما يؤدي تراجعه إلى تخفيف الضغوط السعرية.
وتعكس هذه التطورات تداخل العوامل العالمية والمحلية في تشكيل سوق الذهب الليبية، بين تقلبات الأسعار وتغير القدرة الشرائية وتكاليف الإنتاج، في وقت تواصل فيه حرفة الصياغة التكيف مع التقنيات الحديثة، وسط مطالب بتنظيم النشاط وتعزيز الرقابة على جودة المشغولات.



