ليبيا

بنغازي تضع يدها على مفصل الأزمة: توحيد أجهزة الأمن لإنهاء ميليشيات الجريمة المنظمة واستعادة هيبة الدولة

الحجازي: اجتماع بنغازي الأمني خطوة ضرورية لكنه يكشف أن الميليشيات تهديد مباشر لهيبة الدولة وسيادتها

ليبيا 24

رؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب في بنغازي يبحثون توحيد المساعي لمواجهة الميليشيات والجماعات الإرهابية

بنغازي: حين تتحول المواجهة الأمنية من إدارة الأزمة إلى إنهائها

اجتماع لا يشبه سابقيه

احتضنت مدينة بنغازي اجتماعاً رفيع المستوى بين رؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، خرج عن المألوف في توقيته ورسائله، إذ لم يكن مجرد لقاء تنسيقي روتيني، بل محاولة جادة لصياغة إطار موحد لمواجهة الميليشيات والجماعات الإرهابية.

وكشف مصدر أمني أن الجيش الوطني الليبي يدفع باتجاه توحيد الجهود الأمنية والعسكرية في مواجهة الجريمة المنظمة، من خلال تدريبات مشتركة وتنسيق لاستحداث آليات جديدة، وتزويد جيوش وأجهزة الأمن بأحدث التقنيات الكفيلة بذلك.

وأشار إلى أن هذا التطور يأتي بتوجيه من نائب قائد الجيش الوطني الليبي، الفريق ركن صدام حفتر، ومن المقرر عقد اجتماعات أخرى في المرحلة المقبلة.

قراءة في الدلالة: التهديد لم يعد عابراً

يرى المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي أن اجتماع بنغازي يمثل خطوة ضرورية في مواجهة التهديدات الأمنية التي تواجه ليبيا، لكنه في الوقت نفسه يكشف حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن الميليشيات وشبكات الجريمة المنظمة لم تعد مجرد تحدٍ أمني عابر، بل أصبحت تهديداً مباشراً لهيبة الدولة واستقرارها وسيادتها.

وهذه القراءة تضع الإصبع على جرح عميق: فالتعامل مع هذه الجماعات بوصفها ملفاً أمنياً قابلاً للإدارة، دون الاعتراف بأنها بنية موازية للدولة، هو ما سمح لها بالتمدد والتحول إلى قوة تفرض إرادتها.

من التحركات المنفردة إلى التنسيق الحقيقي

الدلالة الأبرز للاجتماع، وفق الحجازي، هي إدراك أن مواجهة هذه الجماعات لا يمكن أن تنجح عبر تحركات منفردة، وإنما تتطلب تنسيقاً أمنياً واستخباراتياً حقيقياً، وتبادلاً للمعلومات، وملاحقة مصادر التمويل والتسليح والتهريب، مع وضع إستراتيجية واضحة لا تكتفي باحتواء التهديد، بل تستهدف إنهاء قدرة هذه الشبكات على فرض نفوذها.

وهنا يبدو الفارق جوهرياً بين منطقين: منطق إدارة الأزمة الذي يكتفي باحتواء التهديد، ومنطق الحسم الذي يسعى إلى تفكيك البنية التي تنتج التهديد أصلاً. واجتماع بنغازي، في هذا السياق، قد يكون نقطة تحول إذا ما تُرجم إلى خطوات تنفيذية.

القرار السياسي: الشرط الغائب

غير أن الحجازي لا يكتفي بالإشادة بالخطوة الأمنية، بل يضع يده على الشرط السياسي الذي لا تقوم لهذه الجهود قائمة بدونه: المطلوب قرار سياسي حاسم بإنهاء ازدواجية السلطة الأمنية، وتوحيد القيادة والمؤسسات، ومنع توظيف السلاح لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية.

فطالما استمرت الانقسامات وتعددت مراكز النفوذ، ستظل أي جهود أمنية معرضة للتعثر أو الاستغلال. وهذه الملاحظة تلامس جوهر المشكلة الليبية: فالأجهزة الأمنية لا يمكن أن تعمل بفعالية في ظل سلطة موزعة بين مراكز قوى متعددة، بعضها يستفيد من استمرار الفوضى.

نحو دولة القانون: خطوات تنفيذية لا شعارات

ويؤكد الحجازي أنه لا يمكن بناء دولة مستقرة في ليبيا مع استمرار الميليشيات خارج سلطة القانون.

ولذلك، يجب أن يتحول اجتماع بنغازي إلى نقطة انطلاق لخطوات تنفيذية محددة، تقوم على فرض القانون على الجميع دون استثناء، ومحاسبة المتورطين في الإرهاب والجريمة المنظمة، وتعزيز قدرات المؤسسات الرسمية. وهذه الخطوات، إذا ما نُفذت، ستعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وهو أمر بالغ الأهمية في مجتمع أنهكته سنوات الفوضى.

خاتمة: استعادة الهيبة شرط لا خيار

يخلص الحجازي إلى أن المطلوب ليس إدارة الأزمة الأمنية، بل إنهاؤها تدريجياً بإرادة سياسية وأمنية حازمة؛ لأن استعادة هيبة الدولة شرط أساس لاستقرار ليبيا، وليست خياراً قابلاً للتأجيل.

وهذه الخلاصة تضع الكرة في ملعب القيادة السياسية والأمنية: فاجتماع بنغازي قد يكون البداية، لكنه لن يكون كافياً ما لم يتبعه قرار سياسي حاسم، وإرادة جماعية لوضع السلاح تحت سلطة الدولة، وضمان أن يكون المواطن الليبي هو المستفيد الأول من أي ترتيبات أمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى