ليبيا

الطباشير والرصاص: كيف تحوّل إضراب المعلمين إلى مرآة لأزمة الدولة الليبية

المبشر يرفع راية التحذير: التخوين والتهديد يشعلان الشارع الليبي... وكرامة المعلم خط أحمر لا يقبل المساومة

ليبيا 24

المبشر يدعو إلى اتفاق واضح بين المعلمين والحكومة ويحذر من ترك مصير التلاميذ معلقاً إلى أجل غير معلوم

المبشر: أزمة التعليم اختبار حقيقي للدولة الليبية… والحل يبدأ بالإنصات قبل الجدل وبالحوار قبل الاتهام

حين يصمت طابور الصباح

في مشهد يعكس عمق الجرح الليبي، وقفت آلاف المعلمات والمعلمين في الشوارع بعد أن غاب غبار الطباشير عن أصابعهم، لا احتجاجاً على مهنة اختاروها بإرادتهم، بل لأن الرغيف والكرامة صارا أشدّ من قدرة أي بشر على التحمل.

رئيس مجلس حكماء ليبيا، محمد المبشر، لم يتعامل مع الحدث كأزمة عابرة تُعالج ببيان أو تُطوى بصمت، بل قرأه كما يقرأ الطبيب نبض قلب مريض: إشارة إلى خلل أعمق من مجرد تأخر مرتبات، ورسالة من شريحة واسعة تشعر أن صوتها لم يعد مسموعاً وأن مكانتها لم تعد كما يجب أن تكون.

البعد الاقتصادي: حين تتحول الميزانية إلى شماعة

المشكلة الاقتصادية في ليبيا ليست في غياب المال، بل في غياب الإرادة السياسية لتوجيهه. المبشر يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الموارد ضعيفة، فأين الأرقام؟ وأين الحقائق؟ الحكومة التي تتحدث عن أزمة مالية يجب أن تقدم بياناتها للشعب، لا أن تكتفي بالوعود المفتوحة.

مجلس النواب بدوره مطالب بدوره في إقرار الميزانية والتشريعات اللازمة، لا أن يترك المعلمين رهينة لصراع لا ناقة لهم فيه ولا جمل. الأموال موجودة، لكنها تذهب إلى بنود أخرى، إلى ترتيبات أمنية، إلى تشكيلات مسلحة تبتلع الميزانية دون أن تنتج مدرسة واحدة أو كتاباً واحداً.

المعلم الذي يقف في الشارع ليس عدواً للاقتصاد، بل ضحية لاقتصاد مشوّه يحاسب المواطن على لقمة عيشه بينما يغض الطرف عن مليارات تُصرف على السلاح.

وحين يقول المبشر إن كثرة عدد العاملين في قطاع التعليم لا تعني بالضرورة أن حقوق الفرد منهم يجب أن تضيع، فإنه يضع إصبعه على جوهر الخلل: الحل يكمن في إصلاح الإدارة والتخطيط والتوزيع والتدريب، لا في معاقبة الجميع أو تحميلهم وحدهم نتائج أخطاء تراكمت عبر سنوات.

البعد الاجتماعي: الكرامة قبل المنهج

التعليم لا يقوم على المناهج والفصول وحدها، بل على معلم يستطيع أن يعيش بكرامة ويؤدي عمله مطمئناً. في ليبيا، حيث تداخل المدني والمسلح حتى صارا تحت سقف واحد، فإن محاولة التلويح بالعصا في وجه المعلمين ليست مجرد خطأ في التقدير، بل لعب بالنار. المعلمة التي تُهدد بقطع رزقها تعود في الظهيرة لتجهز الغداء لابنها العائد من معسكر مسلح، والأستاذ الذي تُقرأ بيانات التخوين ضده يشارك سقف البيت أخاً أو ابناً يحمل بندقية في إحدى التشكيلات.

الكراسة والرصاص ينامان تحت سقف واحد، وهذا وحده يكفي لتفجير أي أزمة إذا لم تُعالج بالحكمة. المبشر يحذر من أن استمرار التعالي في معالجة الأزمة سيجعل كرة الثلج تتوقف عند أسوار المدارس، لتصل إلى نقابات وقطاعات منهكة أخرى تقف على حافة الانتظار، تراقب المشهد وتتحسس أوجاعها المشابهة.

وحينها سيخرج من الشقوق سماسرة الفوضى الذين ينتظرون أي حراك عفوي وصادق ليركبوا موجته ويوجهوا المشهد نحو حساباتهم الخاصة. فالعلاج لا يكون بالصراخ واستعراض القوة، بل بالاحتواء وفهم لغة الشارع قبل أن تتعقد مفرداتها.

البعد السياسي: من يحكم ليبيا… ومن يتحمل المسؤولية؟

السؤال الذي يطرحه المبشر ليس من نلوم وحده، بل كيف نخرج من الأزمة بطريقة تحفظ حق المعلم وحق التلميذ ومسؤولية الدولة. لكن الإجابة تمر عبر الاعتراف بأن حكومة الدبيبة المنتهية الولاية لم تعد قادرة على تقديم شيء سوى الوعود.

الحكومة التي تكتفي بالبيانات ولا تقدم جدولاً زمنياً واضحاً، والتي تتعامل مع التعليم كبند مالي لا كمشروع دولة، هي جزء من المشكلة لا جزء من الحل. مجلس النواب مطالب بدوره التشريعي، لكنه أيضاً مطالب بأن يكون صوت المواطن لا صوت التوازنات السياسية.

المبشر لا يطلب من المعلم أن يتنازل عن حقه، ولا من ولي الأمر أن يتجاهل قلقه على أبنائه، ولا يريد أن تتحول الأزمة إلى خصومة مع الحكومة أو مجلس النواب. ما يريده أن يتحمل كل طرف مسؤوليته.

الحل العملي الذي يقترحه واضح: اتفاق بين ممثلي المعلمين والجهات الحكومية المختصة، بمشاركة مجلس النواب فيما يدخل ضمن اختصاصه، يتضمن ما تم الاتفاق عليه ومواعيد التنفيذ والجهة المسؤولة عن كل خطوة وآلية متابعة معلنة. لا وعود مفتوحة، لا مماطلة، لا تخوين.

الدولة الحقيقية ليست التي تطلب من الناس الصبر إلى ما لا نهاية، ولا التي تعد بما لا تستطيع تنفيذه، بل التي تصارح مواطنيها وتحفظ حقوقهم وتحول الوعود إلى خطوات يمكن رؤيتها ومتابعتها.

درس لم يتعلمه أحد

المعلم في ليبيا ليس موظفاً عادياً، بل هو الرجل والمرأة اللذان يمران يوماً ما في ذاكرة كل طبيب ومهندس وقاض وضابط ووزير. والمجتمعات التي تضعف فيها مكانة المعلم لا تدفع الثمن اليوم فقط، بل تدفعه لأجيال كاملة قادمة.

ما حدث ليس مجرد خلاف حول مرتبات أو مزايا وظيفية، بل رسالة من شريحة واسعة تشعر أن صوتها لم يعد مسموعاً. التعامل معها بالتخوين أو التهديد لن يكسر الإرادة، بل سيصنع عناداً خالصاً وتحدياً لا تحمد عقباه.

الحكمة تقتضي الإنصات قبل الجدل، والحوار قبل الاتهام، والبحث عن الحل قبل البحث عن الخصم. لأن الطباشير قد يغيب عن اليد، لكنه لا يغيب عن الوجدان، والرصاص لا يمكن أن يحل محل الكراسة في وطن يبحث عن مستقبله. التعليم قضية وطن، وحل أزمته لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى مسؤولية مشتركة وإرادة صادقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى