وفرة النفط لا تنعكس على معيشة الليبيين وسط اختلالات الدعم والرقابة
القماطي والفنيش يحذّران من تسرب الثروة ويدعوان إلى إصلاح الدعم وتعزيز الشفافية والمساءلة

تتسع الفجوة في ليبيا بين تدفق عائدات النفط إلى خزائن الدولة وقدرة المواطنين على تلبية احتياجاتهم المعيشية، في ظل اختلالات منظومة الدعم وضعف الرقابة واتساع التهريب، بما يعيد طرح تساؤلات بشأن كفاءة إدارة الموارد العامة ومدى انعكاس الإنفاق الحكومي على حياة المواطنين.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، الدكتور حلمي القماطي، أن المشكلة لا تتعلق بحجم الثروة النفطية أو تدفقات الأموال وحدها، بل بمدى وصول عائداتها إلى المواطنين وتحويلها إلى تحسن ملموس في أوضاعهم الاقتصادية والخدمية.
عائدات متزايدة وأثر محدود على المواطن
وقال القماطي إن تدفق الثروة النفطية وتزايد أرقام الإنفاق لا يعنيان بالضرورة تحسن مستوى المعيشة، مشيراً إلى أن الأرقام المالية قد تعكس اتساع حركة الأموال، بينما تظل آثارها الفعلية على حياة المواطنين محدودة.
وأضاف أن المفارقة تكمن في استمرار الأزمات المعيشية رغم امتلاك البلاد مورداً طبيعياً رئيسياً، معتبراً أن معيار نجاح إدارة الثروة لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإنتاج أو الأموال المنفقة، وإنما على النتائج التي تتحقق للمواطن.
وأكد أن عائدات النفط تفقد جانباً أساسياً من قيمتها الاقتصادية والاجتماعية إذا لم تنعكس على مستوى الخدمات والقدرة الشرائية والاستقرار المعيشي، مشبهاً تدفق الأموال دون وصول أثرها إلى المواطنين بتوافر المياه في القنوات مع استمرار جفاف جذور الأشجار.
التهريب يفاقم اختلالات منظومة الدعم
من جانبه، قال المحلل السياسي حسام الفنيش إن استمرار منظومة الدعم بصورتها الحالية، بالتزامن مع اتساع عمليات التهريب واختلال الرقابة، يعرّض جزءاً من الأموال المخصصة لمساندة المواطنين للاستغلال وتحقيق مكاسب غير مشروعة.
ورفض الفنيش حصر المشكلة في الفارق بين أسعار الوقود المدعوم والأسعار في الأسواق الأخرى، موضحاً أنها ترتبط أيضاً بنفوذ شبكات ومجموعات تستفيد، بحسب تقديره، من ضعف المؤسسات الرقابية والانقسام الأمني والسياسي، وفي بعض المناطق والمسارات من ارتباطات بقوى الأمر الواقع.
وشدد الفنيش على أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إرادة وطنية ومؤسسات أمنية منضبطة وقدرة فعلية على فرض القانون، إلى جانب محاسبة المتورطين بعيداً عن حسابات النفوذ والمصالح.
رفع الدعم بين الإصلاح الاقتصادي والحماية الاجتماعية
واعتبر الفنيش أن رفع الدعم عن الوقود يمثل مدخلاً أساسياً لمعالجة الاختلالات القائمة، لكنه شدد على ضرورة تنفيذه ضمن خطة اقتصادية واجتماعية واضحة، بدلاً من اتخاذ قرار منفرد أو تطبيق إجراء مفاجئ.
الشفافية شرط لاستعادة الثقة
ودعا الفنيش إلى إخضاع الإيرادات والوفورات الناتجة عن رفع الدعم لرقابة مالية مستقلة، مع الإعلان بوضوح عن أوجه استخدامها في تحسين الخدمات العامة ومساندة الفئات الأكثر احتياجاً، بالتوازي مع تشديد الرقابة على توزيع الوقود وملاحقة شبكات التهريب.
وأكد أن الشفافية تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على الثقة بين الدولة والمواطن، بما يجعل نشر البيانات المالية وتوضيح أوجه الإنفاق جزءاً من عملية الإصلاح، وليس مجرد إجراء إداري.
وتتقاطع رؤية القماطي مع طرح الفنيش عند مسألة جوهرية، تتمثل في أن وفرة الموارد النفطية لا تضمن وحدها تحسن الأوضاع المعيشية، ما لم تُترجم الإيرادات إلى نتائج ملموسة، وتُحاصر منافذ الهدر والاستغلال، وتخضع القرارات الاقتصادية لرقابة فعالة.
وبينما يركز القماطي على الفجوة بين الثروة المتحققة وأثرها في حياة المواطنين، يسلط الفنيش الضوء على اختلالات الدعم والتهريب وشروط إصلاحهما. ويشير الطرحان إلى أن التحدي لا يقتصر على تأمين الإيرادات، بل يمتد إلى ضمان إدارتها وتوزيع منافعها بصورة أكثر كفاءة وعدالة، بما يعزز قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجات المجتمع.



