ليبيا

النفط الليبي رهينة الاضطرابات.. خسائر متجددة وتحديات أمام استقرار الاقتصاد

الإغلاقات المتكررة تهدد الإيرادات العامة وسلامة المنشآت

يمثل النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الليبي والمصدر الرئيسي لتمويل الإنفاق العام، ما يجعل استقرار إنتاجه وتصديره عاملًا حاسمًا في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية وتوفير الخدمات الأساسية

غير أن الإغلاقات المتكررة للحقول والموانئ، وما يرتبط بها من مطالب محلية وتجاذبات سياسية وتحركات مسلحة، تضع هذا القطاع أمام تحديات مستمرة تتجاوز خسائر الإنتاج المباشرة إلى مخاطر تهدد سلامة البنية التحتية النفطية واستقرار الإيرادات.

وتكشف هذه الاضطرابات عن استمرار تعرض أحد أهم مصادر الدخل الوطني لضغوط تحول دون ضمان تدفقات مستقرة من العملة الصعبة، في وقت تظل فيه المالية العامة شديدة الارتباط بأداء القطاع النفطي. كما تثير تساؤلات بشأن آليات تأمين المنشآت، وسبل التعامل مع المطالب المرتبطة بالعاملين فيها، ومدى قدرة السياسات الاقتصادية على الحد من آثار الانقطاعات المتكررة.

مطالب محلية وتحركات مسلحة تضغط على الإنتاج

حذر المستشار في قطاع النفط الليبي عبد الجليل معيوف من أن استمرار إغلاق الحقول لفترات طويلة قد يتسبب في أضرار فنية بالآبار والمنشآت وخطوط الشحن، موضحًا أن بعض الآبار قد تواجه مشكلات تشغيلية، بل قد تفقد القدرة على العمل إذا امتدت فترات التوقف. وأكد صعوبة إجراء تقييم دقيق لحجم الخسائر في الوقت الراهن، في ظل استمرار التطورات المرتبطة بالإغلاقات.

ورأى أن تأمين الحقول والموانئ يتطلب فرض سيطرة القوات المسلحة عليها، لافتًا إلى أن تطبيق هذا الإجراء يواجه صعوبات في مناطق غرب ليبيا، وفي المقابل، أشار إلى أن مناطق شرق البلاد لا تشهد، بحسب تقديره، المستوى نفسه من المشكلات، عازيًا ذلك إلى تولي القوات المسلحة العربية الليبية مهام تأمين الحقول هناك.

الاعتماد على النفط يضاعف أثر الاضطرابات

من جانبه، قال الأكاديمي والخبير الاقتصادي الليبي محمد درميش إن الاضطرابات المتكررة في القطاع النفطي تنعكس بصورة خطيرة على الإيرادات العامة، في ظل اعتماد الدولة شبه الكلي على عائدات النفط المقومة بالدولار لتمويل نفقاتها، رغم وجود فرص اقتصادية واستثمارات وموارد أخرى لم تُستغل بالقدر الكافي.

وأوضح درميش أن تراجع الإنتاج والتصدير يحرم الدولة من جزء من الإيرادات المحتملة، ويحد من قدرتها على الاستفادة من ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية. فزيادة الأسعار لا تضمن ارتفاع العائدات الفعلية إذا تراجعت الكميات المصدرة أو تعطلت عمليات الإنتاج، ما يجعل انتظام التدفقات النفطية عاملًا أساسيًا في الاستفادة من الظروف السعرية المواتية.

ودعا إلى تحسين إدارة الموارد المالية وتنويع مصادر الدخل، منتقدًا الاعتماد على سياسات الانكماش الاقتصادي وفرض الضرائب وتخفيض قيمة الدينار باعتبارها أدوات لمعالجة الاختلالات المالية. وشدد على أن المشكلة الأساسية، من وجهة نظره، لا تتمثل في نقص الموارد بقدر ما ترتبط بكفاءة الإدارة الاقتصادية وقدرتها على توجيه الإمكانات المتاحة.

إدارة الأزمات تتطلب تنسيق السياسات الاقتصادية

وأكد درميش ضرورة وضع خطة متكاملة لإدارة الأزمات الاقتصادية، تقوم على متابعة التطورات بصورة مستمرة، بما يسمح بالتعامل مع المشكلات الطارئة والاستعداد للتحديات المستقبلية. وشدد على أهمية التنسيق بين السياسات التجارية والمالية والنقدية، وإدارتها ضمن منظومة متكاملة بدلًا من التعامل مع كل أداة بمعزل عن الأخرى.

وتشير المعطيات إلى أن التحدي أمام الاقتصاد الليبي يتجاوز الخسائر الناتجة عن كل إغلاق على حدة، ليشمل استمرار الاعتماد على مورد رئيسي تتأثر تدفقاته بعوامل أمنية وسياسية. وبين حماية المنشآت وتحسين إدارة الإيرادات وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، تظل قدرة الدولة على تقليص هذه المخاطر مرتبطة بمدى فاعلية مؤسساتها في تأمين الإنتاج، وإدارة الموارد بكفاءة، والحد من تكرار الاضطرابات التي تعطل الاستفادة من الثروة النفطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى