ليبيا

توحيد المرتبات في ليبيا.. عدالة الأجور تصطدم بكلفة الإنفاق واستدامة التمويل

جدول موحد يضع المالية العامة أمام اختبار التوازن بين تحسين القوة الشرائية للعاملين وضبط الالتزامات

لا تتوقف معضلة توحيد المرتبات في ليبيا عند تحديد قيمة الأجر المستحق لكل درجة وظيفية، بل تمتد إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بقدرة الدولة على تمويل الزيادات دون تعميق اختلالات المالية العامة. فبين مطالب تحسين الدخول وتقليص الفوارق بين العاملين في القطاع العام، تبرز فاتورة الرواتب باعتبارها أحد أبرز مكونات الإنفاق الحكومي وأكثرها ارتباطاً باستدامة الموارد العامة.
ويتضمن الجدول المقترح 16 درجة وظيفية، تبدأ من 1500 دينار وتصل إلى 8000 دينار، فيما قال رئيس اللجنة المالية بمجلس الدولة مرعي رحيل إن كلفة الرواتب وفق الجدول تبلغ 105 مليارات دينار، مقارنة بنحو 73 مليار دينار في نهاية عام 2025، بزيادة تقارب 43%.
وتعكس هذه الأرقام حجم الالتزام المالي الذي قد يترتب على تطبيق الجدول، في وقت تظل فيه الإيرادات النفطية المصدر الرئيسي لتمويل الإنفاق العام. وهو ما يجعل إقرار أي زيادة جديدة مرتبطاً ليس فقط بأهداف العدالة الوظيفية، بل أيضاً بمدى توافر موارد فعلية تضمن استمرار صرف المرتبات دون ضغوط إضافية على الاستقرار المالي والنقدي.
ولا يزال موعد إقرار الجدول غير محدد، بحسب عضو مجلس النواب صالح فحيمة، الذي أكد ضرورة إجراء دراسة فنية ومالية دقيقة، مع مراعاة المؤهلات والخبرات وطبيعة الوظائف والمسؤوليات، ومعالجة الفوارق غير المبررة دون المساس بالحقوق المكتسبة قانوناً.

زيادة الرواتب بين تعويض التضخم ومخاطر تآكل القوة الشرائية

في المقابل، لا يمكن فصل ملف المرتبات عن تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ قد لا تحقق الزيادة الاسمية تحسناً فعلياً في مستوى معيشة الموظفين إذا ارتفعت أسعار السلع والخدمات بوتيرة أسرع من نمو الدخول. ومن هنا، تتجاوز القضية تحديد قيمة الراتب إلى وضع آلية توازن بين تعويض العاملين عن التضخم والقدرة الفعلية للاقتصاد على تحمل التكلفة.
ويحذر صندوق النقد الدولي من الضغوط التي يفرضها الإنفاق العام في ليبيا، ولا سيما أجور القطاع العام ودعم الطاقة، داعياً إلى ضبط النفقات وتحسين إدارة المالية العامة. كما يرى خبراء اقتصاديون أن معالجة اختلالات المرتبات تتطلب تحسين إدارة الإيرادات النفطية وترشيد الإنفاق وربط الزيادات بمصادر تمويل واضحة.
وفي هذا الإطار، يبرز تحذير من أن تمويل الزيادات عبر إنفاق غير مغطى بإيرادات حقيقية قد يفاقم الضغوط التضخمية ويؤثر في قيمة الدينار، بما يقلص المكاسب التي تستهدفها الزيادة من الأساس. كما أن نمو الأجور بوتيرة لا تتناسب مع الإنتاجية قد يزيد الأعباء على الموازنة دون أن يقابله توسع مماثل في النشاط الاقتصادي.
ويمتد الأثر المحتمل إلى سوق العمل، إذ قد يؤدي اتساع الفجوة بين أجور القطاعين العام والخاص إلى زيادة جاذبية الوظائف الحكومية، على حساب قدرة القطاع الخاص على استقطاب العمالة واستيعاب الباحثين عن العمل، في ظل محدودية القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الليبي.
وتشير تقديرات متداولة إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح بين 2.25 مليون و2.5 مليون موظف، ما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين من الإنفاق على المرتبات وحجم أثر أي تعديل في منظومته على المالية العامة.
وعليه، فإن توحيد المرتبات يمثل اختباراً لسياسة مالية تسعى إلى تحقيق العدالة في الأجور دون تحويل الزيادات إلى التزامات دائمة تتجاوز الموارد المتاحة. ويظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بمعالجة الاستثناءات والتفاوت بين الجهات الحكومية، وضبط التوظيف، وتحسين كفاءة الإنفاق، واعتماد آلية دورية لمراجعة الأجور تراعي التضخم والإنتاجية ومصادر التمويل.
فالمعادلة المطروحة أمام السلطات الليبية لا تتعلق بالاختيار بين تحسين دخول الموظفين وضبط الإنفاق، بقدر ما تتعلق بكيفية الجمع بينهما ضمن إطار مالي قابل للاستمرار، يحافظ على القوة الشرائية للعاملين ويحد من انتقال كلفة الزيادات إلى الاقتصاد والمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى