
ليبيا 24
تتصاعد النقاشات الاقتصادية في ليبيا بشأن تراجع القوة الشرائية للدينار، وارتفاع تكاليف المعيشة، والمطالبات المتزايدة بتحسين المرتبات، وسط دعوات إلى تجاوز المعالجات الإدارية والتركيز على الاختلالات الهيكلية في إدارة الإيرادات العامة والإنفاق. وفي هذا السياق، تبرز آراء اقتصادية تربط استقرار العملة بمدى كفاءة إدارة الموارد النفطية، وضبط الإنفاق العام، والحد من تمويل العجز.
ويرى الخبير الاقتصادي صابر الوحش أن النقاش الدائر حول زيادة المرتبات وإقرار جدول موحد للأجور يركز على نتائج الأزمة دون معالجة أسبابها الأساسية، معتبراً أن تحسين الدخول لن يكون كافياً في ظل استمرار الاختلالات المرتبطة بالإيرادات الأجنبية والإنفاق العام.
وأوضح الوحش أن جوهر الأزمة يرتبط بمحدودية الإيرادات النفطية التي تصل فعلياً إلى خزينة الدولة، مشيراً إلى وجود كميات من النفط تُنتج وتُصدر خارج سلطة المؤسسة الوطنية للنفط، وفقاً للتقارير الدولية، دون أن تدخل عائداتها ضمن الإيرادات العامة.
وأضاف أن جزءاً من إيرادات النفط الخاضع لإدارة المؤسسة الوطنية للنفط يُوجّه إلى شراء المحروقات، موضحاً أن متوسط الإنفاق الشهري على هذا البند ارتفع من نحو 300 مليون دولار إلى قرابة 800 مليون دولار، بما يعادل نحو 35% من إجمالي الإيرادات الشهرية في المتوسط، وهي قيمة تقارب إجمالي مرتبات الليبيين شهرياً.
وأشار إلى أن محدودية التدفقات الدولارية إلى المصرف المركزي مقارنة بحجم الطلب تدفع إلى تقنين توزيع النقد الأجنبي، ما ينعكس على انخفاض المعروض في السوق المحلية واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي.
ولفت إلى أن اتساع هذه الفجوة يساهم في تنشيط المضاربة والطلبات غير المشروعة على العملات الأجنبية، بما ينعكس على ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازية، وانتقال تأثيره إلى أسعار السلع والخدمات.
اختلالات الإيرادات والإنفاق تتجاوز مسألة تعدد الحكومات
وفي سياق متصل، دعا رجل الأعمال حسني بي إلى التوقف عن الدفاع عن التسعير الإداري وسعر الصرف المحدد بالقرارات، معتبراً أن الإجراءات الإدارية لا تستطيع تحديد القيمة الحقيقية للدينار بمعزل عن المؤشرات الاقتصادية.
وأشار بي إلى أن اختزال الأزمة الاقتصادية في الانقسام السياسي وتعدد الحكومات لا يعكس كامل أبعادها، مستشهداً بالفترة الممتدة من عام 1982 إلى عام 2021، التي شهدت وجود حكومة واحدة، دون أن يمنع ذلك استمرار الاختلالات المالية والاقتصادية.
وأوضح أن نحو 93% من الإيرادات العامة تأتي من قطاعي النفط والغاز، اللذين يخضعان لإدارة مؤسسات مركزية، مؤكداً أن تعدد مراكز الإنفاق وغياب الانضباط المالي والإنفاق بما يتجاوز الموارد المستدامة تمثل جوانب أساسية في المشكلة.
وأضاف أن الاختلالات المتكررة منذ عام 1982 تتمثل في التوسع في الإنفاق، وتمويل العجز، وممارسة ضغوط على الدينار، ثم اللجوء إلى إجراءات إدارية لمعالجة التداعيات، مشيراً إلى أن تحديد سعر الصرف الرسمي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض القيمة الشرائية الحقيقية للعملة.
واعتبر أن الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي تمثل مصدراً للريع والتشوهات الاقتصادية التي يتحمل المواطن تكلفتها، مشدداً على أن توحيد الحكومة، رغم أهميته، لا يغني عن توحيد المالية العامة وضبط الإنفاق ووقف التمويل النقدي للعجز.
وتتقاطع الرؤيتان عند أهمية معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية بوصفها مدخلاً للتعامل مع أزمة الدينار، مع اختلاف زاوية التركيز بين إدارة الإيرادات النفطية وتكاليف المحروقات من جهة، والانضباط المالي وتعدد مراكز الإنفاق من جهة أخرى.



