ليبيا

ليبيا بين استثمار العقول المهاجرة ومعركة الوعي والعدالة الاجتماعية.. مقترحات لإعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها

الكفاءات الليبية في المهجر… ثروة مهدرة تنتظر دولة لا ميليشيات

ليبيا 24

عادل عيسى: جدول المرتبات الموحد في ليبيا يجب أن يراعي التضخم وتراجع الدينار لا أن يكتفي بتوحيد الأرقام

حين تصبح الكفاءة الليبية في الخارج “ثروة وطنية”… وحين تبقى الدولة رهينة الميليشيات والفساد

قراءة في تصريحات السفير الأسبق عادل عيسى بعيداً عن لغة المجاملة

في بلد لم يعد فيه الحديث عن “الثروة الوطنية” مجرد شعار احتفالي، بل اختباراً عملياً لنوايا من يحكمون، جاءت تصريحات الدبلوماسي الأسبق عادل عيسى لتضع الإصبع على جرحين متوازيين: جرح العقول التي هاجرت ولم تعد، وجرح الرواتب التي تذوب أمام تضخم لا يرحم، في ظل سلطة أمر واقع في طرابلس تجاوزت ولايتها الزمنية والدستورية منذ سنوات، وتتمسك بالكرسي عبر تحالفات مع التشكيلات المسلحة وشبكات نهب المال العام.

فحين يتحدث عيسى عن الجالية الليبية بالخارج باعتبارها “ثروة بشرية وعلمية واقتصادية وثقافية”، فإنه لا يصف نخبة اجتماعية بعيدة عن الواقع، بل يصف بالضبط ما فقدته ليبيا حين غادر أطباؤها ومهندسوها وأساتذتها وباحثوها ورجال أعمالها، لا بحثاً عن رفاهية، بل هرباً من فوضى أجهزة أمنية موازية وفساد تحوّل إلى نظام حكم فعلي.

المقترح: مجلس وطني للجالية… أم منصة جديدة لتوزيع الامتيازات؟

يقترح عيسى إنشاء مجلس وطني للجالية الليبية بالخارج، يرتبط بمستوى قيادي رفيع، على غرار تجارب دول شقيقة مثل الجزائر والمغرب، ليكون حلقة وصل بين الكفاءات ومؤسسات الدولة، ويسهم في تنظيم جهودها في التنمية والإعمار ونقل المعرفة، إلى جانب مؤتمر وطني سنوي يجمع الفعاليات الليبية من مختلف دول العالم.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو: أي “دولة” يُراد الربط بها؟ هل هي دولة المؤسسات التي لا تزال تحت التأسيس، أم دولة الأمر الواقع التي حوّلت الوزارات إلى حصص ومكاتب لتمرير العقود؟

إن نجاح أي مجلس من هذا النوع مرهون بشفافية تمويله ومعايير اختيار أعضائه، وبقطيعة كاملة مع منظومة المحاصصة التي أفرغت المؤسسات من كفاءاتها وأحلّت مكانها الولاءات الضيقة. وإلا تحوّل المجلس إلى واجهة جديدة تُمنح فيها “الشرعية” لشبكة نفوذ أخرى.

التقنية… حين يصبح المواطن الليبي أيضاً شاهداً لا متفرجاً

ثم ينتقل عيسى إلى الشأن الأمريكي والغربي، فيطرح سؤالاً جوهرياً: هل تغيّر موقف الرأي العام الغربي من قضايا مثل فلسطين وحقوق الإنسان والحرب على إيران، أم أن ما تغيّر فعلياً هو الطريقة التي تصل بها الحقيقة إلى الناس؟

ويرجّح أن التطور التقني هو المحرّك الأساسي، إذ لم يعد احتكار الرواية الواحدة ممكناً بعد أن صار الصحفي المستقل والمواطن والناشط الحقوقي قادرين على النقل المباشر، بعد عقود كانت فيها مؤسسات إعلامية محدودة تحدد ما يُرى وما يُحجب تحت ضغط المصالح السياسية والاقتصادية وجماعات الضغط.

وهو تشخيص لا يخص الغرب وحده؛ فالتقنية نفسها هي التي جعلت الليبي يرى بأم عينه كيف تُدار المال العام، وكيف تُبرم العقود، وكيف تُسكت الأصوات. لكن التقنية لا تصنع عدالة من تلقاء نفسها؛ فهي تكشف الفساد، لكنها لا تُسقط حكومة تتشبث بالسلطة والميليشيات.

الوحدة الوطنية: “أنا وأخي على ابن عمي”… لكن من يحمي الوطن من أبنائه؟

ويشدد عيسى على أن ليبيا “لا تقبل القسمة إلا على نفسها”، وأن الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، لكن حين يواجه الوطن خطراً خارجياً تتراجع الخلافات وتتوحد الصفوف.

وهذا كلام صحيح في مبادئه، لكنه يحتاج إلى تدقيق في التطبيق: فالخطر الخارجي لا يُواجه بشعارات الوحدة وحدها، بل بدولة قادرة على حماية مواطنيها من ميليشيات تُدير السجون والموانئ والحدود، ومن فساد يلتهم النفط قبل أن يصل إلى الرواتب.

الوحدة التي يعنيها المواطن الليبي ليست وحدة الخائفين من بطش المسلحين، بل وحدة المواطنين أمام دولة تحاسب الجميع دون استثناء.

جدول المرتبات: 10% لا تعيد ما فقده الدينار

وفي الشأن المعيشي، يشير عيسى إلى أن الحكومة التركية رفعت مرتبات موظفيها خلال عام 2026 مرتين بنسبة بلغت نحو 18.6% لمواجهة التضخم وتراجع الليرة، ويتمنى أن يكون الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا عادلاً ومنصفاً، وأن يراعي التضخم وتراجع الدينار مقابل العملات الأجنبية، مع آلية واضحة للمراجعة الدورية استناداً إلى مؤشرات الأسعار وتكاليف المعيشة.

والواقع أن ما تحصل عليه الحكومة الليبية هو زيادة معلنة بنسبة 10% فقط، في وقت خُفّضت فيه قيمة الدينار ثلاث مرات خلال سنوات قليلة، آخرها بنسبة 14.7% في يناير 2026، بينما يبلغ سعر الدولار نحو 6.4 دنانير.

وزيادة بهذا الحجم لا تحافظ على القوة الشرائية، بل قد تتحول إلى وقود جديد للتضخم إذا لم تُعالج مصادر الارتفاع المستمر في الأسعار، وفي مقدمتها الإنفاق الموازي والفساد وفجوة سعر الصرف.

لا ثروة بشرية في ظل دولة الميليشيات

تصريحات عيسى ليست دعوة إلى اليأس، بل هي دعوة إلى ترتيب الأولويات من موقع وطني صريح: فالكفاءات الليبية في الخارج لن تعود إلى وطن تديره الميليشيات وتنهبه شبكات الفساد، والرواتب لن تُعاد قيمتها بزيادات هزيلة لا تلاحق التضخم، والوحدة الوطنية لن تتحقق بشعارات “أنا وأخي على ابن عمي” في وقت يُترك فيه المواطن وحيداً أمام المسلحين.

المطلوب أولاً وقبل كل شيء إنهاء سلطة الأمر الواقع في طرابلس، وتفكيك الميليشيات، واستعادة المال العام، ثم يأتي بعد ذلك الحديث عن المجالس والمؤتمرات والجداول.

أما قبل ذلك، فكل مشروع “وطني” جديد يبقى مشروعاً على الورق، في بلد ينتظر من يعيد له دولة يحكمها القانون لا فوضى السلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى