أزمة السيولة في ليبيا.. عندما تتحول معاناة الناس إلى أداة لعرقلة التنمية
طوابير غاضبة أمام المصارف الليبية وسط أزمة سيولة خانقة

وسط تطلع ليبيا إلى تجاوز سنوات الأزمة والانطلاق نحو مرحلة من التعافي والتنمية، تعود إلى الواجهة أزمة السيولة النقدية، لتعيد مشاهد الطوابير الطويلة أمام المصارف، ولتذكر المواطن الليبي بأن معركته اليومية من أجل أبسط حقوقه – كالحصول على راتبه – ما تزال مستمرة.
لكن هذه المرة، يبدو أن الأزمة ليست مجرد خلل مؤقت في إدارة الأموال أو نتيجة طبيعية لعجز اقتصادي، بل كل المعطيات تشير إلى أنها أزمة مفتعلة بعناية، تهدف إلى عرقلة جهود الاستقرار والتنمية، وإبقاء البلاد في حالة من الضغط الشعبي والشلل المالي المتعمد.
الأزمة النقدية تتفاقم.. ومصارف تعجز عن توفير السيولة
منذ أشهر، وتحديداً خلال صيف 2025، قرر مصرف ليبيا المركزي سحب أكثر من عشرين مليار دينار ليبي من التداول، شملت فئات نقدية أساسية في السوق مثل 50 و20 و5 دنانير. ورغم تبرير القرار بأنه جاء لمكافحة التزوير وتنظيم الكتلة النقدية، إلا أن غياب البدائل الورقية والرقمية الكافية جعل من القرار كارثة اقتصادية مباشرة، فجّرت أزمة سيولة خانقة في عموم البلاد.
ورغم إعلان المصرف المركزي منذ أيام عن ضخ ملياري دينار في فروع المصارف، إلا أن المشهد على الأرض لم يتغير. لا تزال شكاوى المواطنين تتكرر ، حول نقص السيولة، والتوزيع غير العادل، والتأخر في وصول المخصصات النقدية. يُضاف إلى ذلك تعطل متكرر لمنظومة الدفع الإلكتروني، التي يُفترض أنها بديل فعّال في ظل غياب النقد، ما زاد الطين بلّة، ورسّخ قناعة لدى الناس أن ما يحدث ليس مجرد خلل، بل خطة مدروسة لإبقاء المواطن تحت الضغط والإذلال.
تساءل كثير من الخبراء والناشطين: كيف تعاني دولة لديها احتياطي نقدي وعائدات نفطية ضخمة من أزمة سيولة بهذا الشكل؟ لماذا لا تُحل الأزمة رغم تكرارها لسنوات؟ ولمصلحة من يُدفع الشعب الليبي نحو مشاهد الطوابير والمهانة؟
الإجابة تتجه أكثر فأكثر نحو فرضية أن هناك أطرافاً نافذة – داخلية وخارجية – تستفيد من هذه الأزمات، أو تستخدمها كأداة سياسية واقتصادية لإفشال أي محاولات جادة للنهوض بالبلاد. سواء كانت شبكات فساد داخل الجهاز المصرفي، أو جهات سياسية تسعى لتأجيج الشارع، أو قوى خارجية لا تريد لليبيا أن تستقر، فالمحصلة واحدة: معاناة المواطن تُستخدم كسلاح.
إن استمرار هذه الأزمة وسط صمت رسمي، وانعدام الشفافية، وغياب المحاسبة، لا يترك مجالاً للشك أن أزمة السيولة مفتعلة، وممنهجة، وتُدار بأيدي من لا يريدون لليبيا أن تنهض من جديد.
أزمة السيولة ليست أزمة مالية فقط، بل هي أزمة ثقة، وأزمة كرامة، وأزمة وطن. ولن تُحل بحلول ترقيعية أو ضخ أموال مؤقت، بل تحتاج إلى قرارات جريئة، ومحاسبة حقيقية، وإرادة سياسية تضع مصلحة المواطن فوق كل الحسابات.



