ليبيا

إدريس احميد يكتب: قراءة في جذور الأزمة الليبية من منظور الوعي والمواطنة قبل السلطة والسياسة

أزمة ليبيا الحقيقية: غياب ثقافة الدولة والقانون

ليبيا 24:

لا يبدو استمرار الأزمة الليبية أمرًا مفاجئًا، بقدر ما هو نتيجة منطقية لمسار طويل لم تُبنَ فيه الدولة على أساس ثقافة القانون والمواطنة، بل تُرك المجال لمنطق الغلبة والسلاح، تحت عناوين متعددة مثل الثورة، أو التجربة، أو الديمقراطية غير المكتملة.

إن تكرار الكتابة والحديث عن الأزمة الليبية لم يكن ترفًا فكريًا ولا اجترارًا للماضي، بل محاولة واعية للتذكير بحقائق جرى القفز عليها عمدًا، وبمسار وطني لم يُراجع رغم أن نتائجه ما تزال تحكم الحاضر فالأزمات التي لا تُناقَش جذورها بصدق، لا يمكن تجاوزها، بل يُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة.

لا تكمن الأزمة الليبية في غياب الحكومات أو تعاقب المبادرات السياسية، بقدر ما تتجذر في غياب الوعي بثقافة الدولة ودورها في تنظيم المجتمع.

فالدولة ليست سلطة تُنتزع، ولا ثروة تُوزَّع، بل عقد اجتماعي يقوم على مواطن واعٍ بحقوقه وواجباته، يؤمن بالقانون، ويحتكم إلى المؤسسات، لا إلى العصبيات القبلية أو الجهوية.

غير أن ليبيا عاشت لعقود طويلة تحت هيمنة عقلية الدولة الريعية، حيث تحولت الثروة العامة إلى أداة للترضية وشراء الولاءات، بدل أن تكون وسيلة لبناء الإنسان. ومع هذا النمط، تراجعت قيمة العمل والإنتاج، وضعفت روح المبادرة، وأصبح الانتماء الضيق بديلًا عن الانتماء الوطني.

يمكن القول إن ملامح الدولة بدأت تتشكل خلال العهد الملكي (1951–1969)، بدستور، ومؤسسات، وقضاء، وإدارة، وتعليم، وقطاع خاص نشط. كانت دولة ناشئة، محدودة الموارد، لكنها سارت في المسار الطبيعي لبناء دولة حديثة.

غير أن هذا المسار انقطع منذ إعلان ما سُمي بالثورة الشعبية عام 1973، دون تقديم بديل مؤسسي حقيقي، حيث جرى تفكيك الإدارة، وتعطيل الدستور، وإلغاء العمل السياسي المنظم، واستُبدلت الدولة بنظام نظري لا يعترف بالانتخابات ولا بالأحزاب ولا بالتعددية، وكانت النتيجة غياب المحاسبة، وانعدام الشفافية، وتعطيل التنمية رغم وفرة الإمكانات.

ويُعد إلغاء القطاع الخاص أحد أخطر المنعطفات في التاريخ الليبي. فقد امتلكت ليبيا في الخمسينيات والستينيات حركة تجارية نشطة، ورجال أعمال، ومؤسسات تعليمية، وبنية إدارية محترمة.

 لكن مع إقصاء هذا القطاع، تحوّل المجتمع إلى مجتمع استهلاكي يعتمد كليًا على الدولة، وتراجع الإنتاج، وانتشرت البطالة المقنّعة، ثم تفشّى الفساد، وتحولت المناصب إلى غنائم تُنال بالولاء لا بالكفاءة، وأصبح الفشل طريقًا للسلطة بدل أن يكون سببًا للمحاسبة.

كما كشفت مرحلة ما بعد 2011 حجم الخلل في فهم مفهوم الدولة، مع سيطرة التشكيلات المسلحة على السلاح واحتكاره بدعوى الحماية أو الاستحقاق. فالتضحية، مهما عظمت، لا تمنح حق الوصاية على الوطن، ولا تخوّل فئة أو منطقة احتكار القرار.

إن تحويل السلاح من أداة مؤقتة إلى وسيلة دائمة للحكم، أسقط أي حديث جاد عن القانون والمؤسسات، وأفرغ مفاهيم الشرعية والدولة من مضمونها، إذ لا يمكن إدارة وطن بمنطق الغلبة، ولا بناء دولة بالإكراه.

ولم يكن عام 2011 سبب الانهيار بقدر ما كان لحظة انكشاف كبرى لمسار طويل من تغييب الدولة، وتدمير السياسة، وإهمال بناء المواطن. فتحولت الخلافات السياسية إلى صراعات اجتماعية، وانتشر السلاح، وغابت الدولة بوصفها وسيطًا محايدًا بين الليبيين، فبانت هشاشة البنية التي كانت تُدار بها البلاد.

ومن الأوهام المتداولة اليوم، الاعتقاد بإمكانية تداول السلطة في مجتمع لم يُنجز بعد الحد الأدنى من متطلبات الدولة. فالديمقراطية ليست إجراءً انتخابيًا فقط، بل منظومة متكاملة تحتاج قانونًا نافذًا، ومؤسسات مستقرة، وسلاحًا خاضعًا للدولة، وثقافة قبول بالاختلاف. أما ترديد شعار “التجربة الديمقراطية” دون شروطها، فلا يؤدي إلا إلى إضفاء شرعية شكلية على الفوضى، وإعادة إنتاج الأزمة.

ورغم إدراك غالبية الليبيين اليوم لأهمية فرض القانون، فإن هذا الوعي ما يزال وعيًا سلبيًا لم يتحول إلى موقف منظم أو فعل جماعي. وفي ظل غياب أحزاب حقيقية، ونقابات قوية، وحركات مدنية فاعلة، تمكنت أقلية منظمة من فرض سيطرتها، لا لأنها تمثل الأغلبية، بل لأن الأغلبية اختارت الصمت، فكانت النتيجة دولة مختطفة وقانونًا معلقًا.

إن بناء الدولة لا يبدأ بإنكار الماضي، بل بالاعتراف الصريح به. فالحقيقة، مهما كانت قاسية، تظل نقطة الانطلاق الوحيدة نحو مستقبل مختلف. ومن يرفض الاعتراف بالحقائق اليوم، لا يختلف معه بموضوعية، بل يعاني من عناد ممنهج سببُه فقدان المصالح الشخصية، نتيجة اعتماد المجتمع على الدولة بشكل كامل، واستمرار ثقافة الدولة الريعية الفاشلة التي تمنح الموارد بدل أن تبني الإنسان.

 وما لم تُستعاد ثقافة الدولة والقانون، ويُعاد الاعتبار للمواطن بوصفه أساس الشرعية، ستظل ليبيا تدور في حلقة مفرغة، تُبدّل الوجوه وتُكرّر الأزمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى