الفارسي يرصد اندماج المسارين الأميركي والأممي لإنهاء الانقسام
مصالح الطاقة الأميركية تدفع واشنطن لإنهاء الفوضى في ليبيا.
ليبيا 24
الفارسي: تقارب أميركي أممي غير مسبوق لدفع الانتخابات الليبية
في تحوّل ينذر بإعادة رسم خريطة النفوذ السياسي في غرب ليبيا، كشف أستاذ العلوم السياسية الدكتور يوسف الفارسي أن التصريحات الأخيرة لمستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس تعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق بين واشنطن والبعثة الأممية، مما يضع حكومة الوحدة منتهية الولاية بقيادة عبد الحميد الدبيبة، والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، في مواجهة مباشرة مع إرادة دولية عازمة على تجاوزهما.
جاء ذلك في حديث تلفزيوني موسّع رصد خلاله الفارسي تحولات جذرية في طريقة تعامل الإدارة الأميركية مع الملف الليبي، متوقفاً عند أبعاد تُظهر أن فترة الانتظار الطويل انتهت، وأن الطرفين الأبرز في معسكر العاصمة باتا يُنظر إليهما باعتبارهما جزءاً من المشكلة لا من الحل.
تقاطع استراتيجي يطوي صفحة ازدواجية المسارات
أوضح الفارسي أن ما يجري حالياً يمثل “دعماً أميركياً كبيراً” تقوده إدارة الرئيس دونالد ترامب عبر مستشاره مسعد بولس، مشيراً إلى أن هذا التحرك يعكس وجود إرادة سياسية ومصالح استراتيجية تدفع واشنطن نحو إنهاء حالة الفوضى في ليبيا.
وأضاف أن الولايات المتحدة تمتلك مصالح اقتصادية مهمة داخل البلاد، خصوصاً في مجالي الطاقة والغاز، وهو ما يُجبرها على تهيئة بيئة سياسية وأمنية مستقرة تضمن تنفيذ مشاريعها وتعزز مصالحها الحيوية. وما يلفت الانتباه، بحسب الفارسي، أن بولس الذي كان يتحرك في السابق بصورة شبه منفصلة عن البعثة الأممية، بات اليوم يقود جهوداً منسقة معها بشكل كامل، في مؤشر على أن واشنطن تخلت عن ازدواجية المسارات التي طالما منحت أطراف الصراع في طرابلس هامشاً واسعاً للمناورة.
الطاولة المصغرة.. إسفين دولي في خاصرة حكومة الأمر الواقع
أكد المحلل السياسي أن التوافق القائم حالياً بين بولس والبعثة الأممية بشأن دعم مسار العملية السياسية، وبخاصة أعمال “الطاولة المصغرة” ومناقشة القوانين الانتخابية، يعتبر مستوى متقدماً من التنسيق لدفع العملية السياسية نحو الاستحقاق الانتخابي.
وبيّن أن هذه المبادرة جاءت بعد أن أنجز مجلسا النواب والدولة جزءاً من مهامهما المتعلقة بالقوانين الانتخابية، غير أن استمرار الخلافات السياسية، خاصة من جانب المجلس الأعلى للدولة، حال دون الوصول إلى توافق نهائي في مراحل سابقة. وهنا تحديداً تكمن الرسالة الأكثر إزعاجاً لحكومة الدبيبة، إذ إن تفعيل آلية (4+4) يُفهم في الكواليس الدولية على أنه اعتراف ضمني بأن المجلس الأعلى للدولة – الذي طالما استخدمته قوى الأمر الواقع في طرابلس أداةً لتعطيل الانتخابات – لم يعد بوّابة وحيدة للتفاهمات، بل صار جزءاً من مسار موازٍ يراد له أن يتجاوز المماطلة التي يتعمدها المقربون من الدبيبة وحلفاؤه السياسيون.
توحيد المؤسسة العسكرية.. مسمار في نعش ميليشيات الغرب
في حديثه عن العلاقة بين المبادرة الأميركية للسلام وخريطة الطريق الأممية، لفت الفارسي إلى أن بولس ظل يركز في الفترة الماضية على ملفات توحيد المؤسسة العسكرية ودعم الجيش، إضافة إلى ملف الموازنة الموحدة. ووصف هذه الخطوات بالمهمة في تهيئة الأرضية السياسية والأمنية اللازمة للاستقرار.
وإذا كانت هذه الملفات تبدو تقنية بحتة، فإن معارضي الدبيبة والمنفي يرون فيها سيناريو كابوسياً لمعسكرهم، إذ إن توحيد المؤسسة العسكرية يعني عملياً البدء في تفكيك الشبكات المسلحة التي تشكل العمود الفقري لسيطرة حكومة الوحدة منتهية الولاية على العاصمة.
فالجيش الموحد الذي تدعمه واشنطن وترعاه البعثة الأممية لن يترك مكاناً للتشكيلات المسلحة الخارجة عن الشرعية، والتي طالما استخدمتها الحكومة المنتهية ولايتها لفرض إرادتها وترهيب خصومها. أما ملف الموازنة الموحدة، فيستهدف قطع الشرايين المالية التي مكّنت الدبيبة من شراء الولاءات وتمويل آلة فساد يصعب إخفاؤها عن التقارير الدولية.
حسابات الطاقة.. لماذا تتحرك واشنطن الآن؟
اعتبر الفارسي أن البيئة السياسية الحالية أصبحت أكثر ملاءمة لدعم التوافقات بين الأطراف الليبية، خاصة مع تراجع العوائق التي كانت تعرقل العملية السياسية. لكن المراقبين يضيفون بُعداً آخر يتمثل في سباق المصالح على موارد الطاقة الليبية.
فالشركات الأميركية الكبرى تراقب عن كثب حقول الغاز والنفط، ولا يمكنها ضخ استثمارات ضخمة في بلدٍ تتحكم فيه حكومة غير معترف بشرعيتها دولياً وتواجه انقساماً حاداً في المؤسسات. استقرار ليبيا بشروط واشنطن يعني بالضرورة إنتاج سلطة تنفيذية جديدة تحظى بغطاء انتخابي ودولي، وقادرة على توقيع عقود طويلة الأمد بعيداً عن تهديدات الميليشيات والانقسام السياسي. وهذا يفسر الاندفاعة الأميركية الراهنة التي تزامنت مع تسريبات عن مناقشات متقدمة حول عقود طاقة تنتظر فقط حكومة موحدة ومعترفاً بها.
المجلس الرئاسي.. من فقدان المبادرة إلى البحث عن دور
أشار الفارسي إلى أن البعثة الأممية تعمل بالتوازي على ملف القوانين الانتخابية والاستحقاق الانتخابي، الأمر الذي أدى إلى تقاطع المسارين الأميركي والأممي في اتجاه واحد، أسفر عن دعم دولي مباشر للعملية السياسية. وهذا التقاطع يحمل في طياته إشارة بالغة الدلالة إلى تراجع وزن المجلس الرئاسي الذي يترأسه المنفي.
فالمجلس الذي كان يُفترض به أن يكون رأس الحربة في قيادة التسوية، وجد نفسه خارج الغرف المغلقة التي تُرسم فيها تفاصيل المرحلة المقبلة.
التنسيق المباشر بين بولس والبعثة، وتركيز الحوار في إطار (4+4)، يهمشان المجلس الرئاسي ويجردانه من أي قدرة على عرقلة المسار بدعوى الحفاظ على “التوافق”. ومع تواتر الأنباء عن ضغوط أميركية لاختيار شخصيات جديدة لقيادة المرحلة التمهيدية للانتخابات، يبدو المنفي وفريقه في سباق مع الزمن لإثبات جدوى وجودهم، في وقت تحولت فيه الكواليس الدولية إلى قناعة بأن بقاءهم يشكل أحد العوائق الأساسية أمام طي صفحة الانقسام.
رسالة الحسم وأفق التسوية
واختتم الفارسي حديثه بالتأكيد على أن البيئة السياسية الحالية أصبحت أكثر ملاءمة لدعم التوافقات بين الأطراف الليبية، خاصة مع تراجع العوائق التي كانت تعرقل العملية السياسية، الأمر الذي يعزز فرص الوصول إلى تسوية نهائية تقود إلى الاستقرار وإنجاز الاستحقاق الانتخابي.
لكن خلاصة هذا التحليل، كما يراها متابعون، أن الدعم الأميركي الكبير الذي تحدث عنه الفارسي ليس منحة مجانية لحكومة الدبيبة أو المجلس الرئاسي، بل هو إعلان ضمني بنهاية صلاحيتهما.
ففي حسابات واشنطن والبعثة الأممية، لم يعد ممكناً التسويف أكثر بعرقلة القوانين الانتخابية أو التذرع بغياب التوافق الأمني. وإذ تتحول الطاولة المصغرة إلى مختبر لتجاوز المماطلات التي دأب عليها معسكر الأمر الواقع، فإن البيت الأبيض يبعث برسالة واضحة مفادها أن قطار الحل النهائي انطلق، وأن من لا يصعد إليه طواعية سيسحقه ثقل المصالح الدولية المتشابكة.
وبينما يستعد الدبيبة والمنفي لمعركة بقاء شرسة، تؤكد مؤشرات المشهد أن الأسابيع المقبلة قد تشهد تسارعاً غير مألوف في إيقاع التسوية، وأن الرهان على الزمن الذي طالما أنقذ حكومة منتهية الولاية من السقوط بات اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى.



