ليبيا على فوهة بركان دستوري.. مبادرات دولية تصطدم بحائط المصالح الضيقة
الانقسام التنفيذي يهدد المسار السياسي في ليبيا
ليبيا 24
تونس.. حوار ليبي عقيم يعمق أزمة القوانين الانتخابية
في مشهد يعكس العجز المزمن للعملية السياسية الليبية، لم يتمكن اجتماع تونس الأخير، الذي جمع أطرافًا من مجلسي النواب والأعلى للدولة فيما يعرف بصيغة “4+4″، من إحداث أي اختراق حقيقي في جدار الأزمة الانتخابية السميك.
فبدل أن يكون محطة للحسم، تحول اللقاء إلى مرآة تعكس عمق المأزق الدستوري والقانوني الذي تتخبط فيه البلاد، وسط اتهامات متبادلة بأن أطرافًا متنفذة في المشهد، وعلى رأسها حكومة الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي، تستثمر في حالة الفراغ والانسداد لإطالة أمد بقائها في السلطة، متخذة من غياب التوافق ستارًا لمماطلة لا تنتهي.
حصاد تونس.. طمأنة سياسية بلا نتائج
ما خرج به المجتمعون في تونس لم يتجاوز إطار “الطمأنة السياسية”، وهو توصيف دقيق أطلقه المحلل السياسي السنوسي إسماعيل على الأجواء الإيجابية المصطنعة التي أعقبت اللقاء، محذرًا من أنها لا تعكس بالضرورة تقدمًا حقيقيًا على صعيد التوافق حول القوانين الانتخابية أو القاعدة الدستورية.
فالمقترحات التي جرى تداولها، وعلى رأسها العودة إلى “القانون رقم 10 لسنة 2014″، تمثل في جوهرها خطوة إلى الوراء، إذ يقوم هذا القانون على النظام الانتخابي الفردي الذي يحد بشكل ممنهج من فرص تمثيل الأحزاب السياسية في البرلمان، ويصادر حق الكيانات السياسية في الوجود المؤسسي، مما يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة النظام السياسي الذي يُراد تشكيله، وهل هو مصمم ليكون هشًا وسهل الاختراق من مراكز القوى التقليدية؟
السلطة الموحدة.. كرة نار تتقاذفها الأيدي
يكشف الجدل الدائر حول القوانين الانتخابية عن أزمة أعمق تتعلق بشكل السلطة التنفيذية. فالمقترحات المطروحة، وفي مقدمتها القانون رقم 10، تقتصر على تنظيم الانتخابات التشريعية دون أن تمتد لتحديد شكل السلطة التنفيذية، وهو ما يصطدم بشكل مباشر مع جوهر المبادرة الأممية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي ترى أن تشكيل سلطة تنفيذية موحدة هو بوابة العبور الإلزامية نحو أي استحقاق انتخابي.
وفي هذا السياق، تبدو أطراف في المشهد، وعلى رأسها حكومة عبدالحميد الدبيبة التي انتهت ولايتها القانونية والأخلاقية، راغبة في إجهاض أي مسار يؤدي إلى سلطة موحدة جديدة، كون ذلك يعني ببساطة نهاية صلاحياتها غير المحددة.
إن التمسك بقوانين لا تعالج مسألة السلطة التنفيذية ليس سوى مناورة لتجريد العملية الانتخابية من مضمونها، وتحويلها إلى مجرد تغيير شكلي في المشهد التشريعي، بينما تبقى السلطة التنفيذية بيد ذات المجموعة التي تدير المشهد من خلف ستار “الشرعية” البالية.
قوانين 6+6.. حل أم جزء من المشكلة؟
القوانين الانتخابية التي أنتجتها لجنة “6+6″، والتي كثيرًا ما يُشار إليها باعتبارها مخرجًا محتملاً، لا تخلو بدورها من مطبات قاتلة. فهذه القوانين، وفق تحليل السنوسي إسماعيل، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بوجود سلطة تنفيذية موحدة تحظى بتوافق مجلسي النواب والأعلى للدولة، وهما الجهتان المخولتان، بموجب الاتفاق السياسي، بالمشاركة في تشكيل هذه السلطة.
غير أن الإشكالية تكمن في أن المجلس الأعلى للدولة، الذي يترأسه حاليا محمد تكالة بعد حقبة خالد المشري، والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، يقعان تحت ضغوط هائلة من حكومة الدبيبة، ويُتهمان بالتواطؤ الضمني معها في عرقلة تشكيل سلطة تنفيذية جديدة.
وبذلك تتحول قوانين “6+6” إلى مجرد حبر على ورق، أو إلى سلاح سياسي يتم التلويح به دون نية حقيقية في تطبيقه، ما دام شرطها الأساسي -وهو وجود سلطة تنفيذية موحدة- غير متحقق، بل ومعطل عمدًا.
الحوار المهيكل.. تأجيل الحسم بانتظار المجهول
في هذا السياق المشحون، يأتي تأجيل اجتماع تونس للحسم في القضايا الخلافية، بانتظار مخرجات “الحوار المهيكل” المرتقب مطلع يونيو المقبل، كمؤشر إضافي على استراتيجية إدارة الأزمة بدلاً من حلها. إن القضايا التي سيطرحها هذا الحوار ليست جديدة، بل هي ذات الملفات التي عجزت عن حسمها لجنة “6+6″، مما يعني أننا أمام إعادة تدوير للجهود، أو ما يمكن تسميته بـ”تسويف منظم” يهدف إلى استنزاف الوقت وإرهاق الأطراف الدولية الفاعلة، في الوقت الذي تعمل فيه حكومة الأمر الواقع في طرابلس على ترسيخ قبضتها على مفاصل الدولة الاقتصادية والأمنية.
إن الرهان على “الحوار المهيكل” دون ضغط حقيقي على الأطراف المعرقلة، وفي مقدمتها الحكومة منتهية الولاية، لن يفضي إلا إلى المزيد من خيبات الأمل.
الدور الأمريكي.. بين الوصاية والتجاهل المتعمد
يتحرك المستشار الأمريكي مسعد بولس في هذا الملف بتفويض من إدارته، ساعيًا إلى بلورة مقاربات جديدة. غير أن ما يثير الاستغراب هو أن التحرك الأمريكي، رغم ثقله، لم يوجه بعد رسائل حاسمة وعلنية إلى الأطراف التي تعرقل تشكيل السلطة التنفيذية الموحدة في الغرب الليبي.
يدرك بولس، بحسب المراقبين، تعقيد المشهد في المنطقة الغربية، حيث تتعدد الولاءات وتتشابك المصالح بين حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وقوى عسكرية وأمنية متعددة، بعضها يتبع المجلس الرئاسي مباشرة وليس الحكومة.
لكن المرونة في التعامل مع هذه الأطراف، إذا تحولت إلى تجاهل لدورها السلبي في إفشال المسارات السياسية، قد تتحول إلى نقطة ضعف قاتلة في أي مبادرة. فالقفز على دور هذه الأجسام، أو عدم محاسبتها على تعطيلها للانتخابات، يعني عمليًا مكافأة المعرقلين وفتح الباب أمام استمرار الوضع القائم إلى أجل غير مسمى.
الخيار الرابع.. قفزة في المجهول الدستوري
أما تلويح البعثة الأممية بما يسمى “الخيار الرابع” المستند إلى مخرجات لجنتها الاستشارية، فهو أقرب إلى المغامرة غير المحسوبة. فتفعيل هذا المسار، كما يؤكد المحللون، يتطلب ليس فقط قرارًا من مجلس الأمن، بل يحتاج إلى تعديل جوهري أو إلغاء للإعلان الدستوري، وهو ما يمثل انقلابًا على الإطار القانوني الحاكم للمرحلة الانتقالية برمته.
إن التفكير في تجاوز الاتفاق السياسي الليبي ومجلسي النواب والدولة، في غياب توافق ليبي حقيقي وقرار دولي ملزم، ليس سوى وصفة لإغراق البلاد في مزيد من الفوضى القانونية، ويصب في مصلحة القوى التي تريد تفريغ العملية السياسية من أي معنى، وفي مقدمتها السلطات القائمة التي سترى في ذلك تفويضًا ضمنيًا لها بالاستمرار في الحكم، كون البديل المطروح يفتقر إلى أي شرعية دستورية.
تشريح الانسداد.. غياب الإرادة وليس الآليات
الحقيقة المرة التي يجب أن يدركها المجتمع الدولي هي أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة آليات أو قوانين، بل هي أزمة إرادة. فالمرتكزات الأساسية لأي مسار ناجح معروفة ومحددة: قاعدة دستورية واضحة، قوانين انتخابية متوافق عليها، ومفوضية وطنية عليا للانتخابات مستقلة وفاعلة.
غير أن هذه المرتكزات تصطدم بحائط من المصالح الضيقة لسلطات الأمر الواقع. فحكومة الدبيبة، التي فشلت في إجراء الانتخابات خلال ولايتها الأصلية، وأخفقت في فرض سيطرتها الكاملة، تجد في استمرار الانقسام وفي عدم التوافق على سلطة جديدة، الضمانة الوحيدة لبقائها.
أما المجلس الرئاسي، الذي يرأسه المنفي، فيتقن لعبة التخفي وراء خطاب وحدوي بينما يعجز أو يتقاعس عن ممارسة دوره كقائد أعلى للجيش في توحيد المؤسسة العسكرية، تاركًا البلاد رهينة لميليشيات تتبع ولاءات متضاربة، بعضها موالٍ له وبعضها موالٍ للحكومة.
المفوضية العليا.. رهينة الانقسام
في قلب هذه المعادلة المعقدة، تقف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، التي باتت بحاجة ماسة إلى دعم فعلي يتجاوز بيانات الشجب والإدانة. فاستقلاليتها وقدرتها الفنية على إدارة الاستحقاقات لا تكفيان وحدها، ما لم تتوفر لها بيئة سياسية وأمنية وقانونية تسمح لها بالعمل.
إن بقاء قوانين انتخابية مثيرة للجدل، وغياب سلطة تنفيذية موحدة تشرف على العملية الانتخابية وتوفر لها الغطاء الأمني والسياسي، يحول دون أن تؤدي المفوضية دورها. وفي هذا الإطار، تتعالى أصابع الاتهام نحو أطراف في الغرب الليبي تسعى لإبقاء المفوضية في حالة من الشلل، عبر إغراقها في متاهات قانونية ولوجستية لا تنتهي، بهدف إثبات أن الانتخابات غير ممكنة في الوقت الراهن، وهذه هي الغاية بذاتها.
ضرورة المحاسبة وكسر الحلقة المفرغة
إن أي مسار سياسي جديد لا يبدأ من قاعدة دستورية صلبة، ولا يتضمن آليات واضحة لمحاسبة من يعطله، سيكون محكومًا عليه بالفشل مسبقًا. لقد آن الأوان للمجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أن يتجاوز سياسة “إدارة الأزمة” إلى “فرض الحل”.
وهذا يتطلب توجيه أصابع الاتهام بوضوح إلى حيث يجب أن تتجه: إلى حكومة عبدالحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، باعتبارهما العقبة الرئيسية أمام توحيد السلطة التنفيذية وإجراء الانتخابات.
إن استمرار سياسة التعامل بمرونة مفرطة مع هذه الأجسام التي انتهت صلاحياتها، وتغذيتها ماليًا وسياسيًا دون مقابل، هو ما يكرس الانقسام ويطيل أمد معاناة الليبيين. فكل يوم يمر دون محاسبة، هو انتصار جديد لسياسة فرض الأمر الواقع، وإجهاز متعمد على فرصة ليبيا الوحيدة للخروج من نفقها المظلم.
لقد أثبتت التجارب السابقة، منذ حكومة فائز السراج وحتى اليوم، أن تشكيل الحكومات في غياب توافق شامل لا يؤدي إلا إلى تكريس الانقسام. والمطلوب الآن ليس مجرد سلطة تنفيذية جديدة، بل سلطة قادرة وفاعلة، تنبثق من إرادة ليبية حقيقية، وتكون مهمتها الأولى والأخيرة هي كسر شوكة الأمر الواقع، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وقيادة البلاد إلى انتخابات حرة ونزيهة تنهي هذا المسلسل العبثي.
جراحة سياسية لا مسكنات
في المحصلة، ما لم تتحول الجهود الدولية إلى ممارسة ضغط حقيقي وموحد على الأطراف المعرقلة في الغرب الليبي، فإن مصير المبادرات الحالية سيكون كمصير سابقاتها: آمال تذروها رياح المصالح الضيقة.
إن الليبيين ليسوا بحاجة إلى مزيد من المسكنات السياسية أو لقاءات “الطمأنة” الفارغة، بل هم بحاجة ماسة إلى جراحة سياسية عميقة تستأصل الأورام التي تنخر جسد الدولة، والتي يمثلها بوضوح أولئك الذين تشبثوا بكراسي السلطة واتخذوا من تعطيل الانتخابات مشروعًا سياسيًا لضمان بقائهم.



