ليبيا

مبادرة بولس تزيح المعرقلين عن المشهد… والشرعية المزعومة تتبخر في أروقة تونس وروما

لجنة مصغرة تدفن حوار جنيف وشرعية طرابلس تنهار بهدوء


طرابلس — بقلم مراسل الشؤون الاستراتيجية

مسارات أميركية تتجاوز الدبيبة والمنفي وتفرض واقعاً جديداً

في تحول لافت يعيد رسم خريطة النفوذ في ليبيا، لم تعد الساحة السياسية في العاصمة طرابلس تخفي قلقها المتصاعد.
فبينما كانت حكومة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي يتشبثان بآخر خيوط الاعتراف الدولي المتهاوي، كشفت التطورات المتسارعة للمبادرة الأميركية عن حقيقة مرة مفادها أن مراكز القرار في الغرب الليبي لم تعد في مكتب رئيس الوزراء أو في جناح المجلس الرئاسي، بل انتقلت عملياً إلى طاولات التفاوض المباشر بين القيادة العامة في الشرق وتيارات متعددة داخل المعسكر الغربي ذاته، في مشهد يعكس إفلاساً سياسياً لتجربة حكم ما بعد الصخيرات.

اللجان المصغرة تنهي عصر التوافق الوهمي

تكشف وقائع الاجتماعات التي انعقدت تباعاً في تونس وروما ضمن إطار ما يعرف بلجنة “4+4” عن متغيرين استراتيجيين يهددان وجود الحكومة منتهية الولاية في قلب المشهد.
الأول هو اختزال التمثيل السياسي في أضيق نطاق ممكن، حيث لم يعد مجلسا النواب والدولة، وهما الرافعتان التشريعيتان اللتان استند إليهما الدبيبة والمنفي لشرعنة وجودهما، طرفين أساسيين في صياغة القوانين الانتخابية.

والثاني هو انزياح ثقل الرعاية الدولية نحو معادلة الأقاليم التاريخية (الشرق والغرب) كوحدات تفاوضية، متجاوزة بذلك هياكل السلطة المؤقتة في طرابلس والتي طالما راهنت على استمرار الجمود لإدامة ولايتها.

إن مجرد قبول الأطراف الفاعلة بآلية عمل اللجنة الثمانية يمثل ضربة قاسية لسردية “الشرعية الوحيدة” التي ظل المجلس الرئاسي يروج لها. فالمبادرة الأميركية، التي يقودها المبعوث مسعد بولس، لم تعترف ضمنياً بأولوية تلك الشرعية، بل تعاملت مع حكومة الدبيبة كمجرد طرف غربي منقسم على ذاته، يمكن تجاوزه أو تطويعه، وليس كسلطة مركزية آمرة.

وهذا يتسق مع التحليلات التي ترى أن واشنطن تخلت عملياً عن رهانها على إصلاح المنظومة الحاكمة في طرابلس من الداخل، مفضلة حواراً مباشراً مع مراكز القوى الفعلية على الأرض، وهي مقاربة تنذر بنهاية الدور السياسي للرئيس المنفي كوسيط شرفي فوق الأطراف.

توحيد الميزانية ينسف خطاب المظلومية

يأتي مسار توحيد الميزانية العامة للدولة، الذي يُحتسب كأحد أبرز إنجازات المبادرة، ليقوض الأسطورة التي بناها الدبيبة حول نفسه كحامٍ لموارد الغرب الليبي من استحواذ الشرق. فالاتفاق المالي، الذي تم بعيداً عن أروقة مصرف ليبيا المركزي الخاضع لضغوط حكومته، يثبت أن إدارة المال العام لم تكن يوماً معضلة تقنية، بل رهينة فساد سياسي وإداري استخدمه رئيس الحكومة منتهية الولاية لشراء الولاءات وتمويل ميليشيات طرابلس التي تضمن بقاءه في السلطة.

وعندما تصبح آلية توزيع الموارد بين الأقاليم نتيجة تفاهم مباشر، تسقط تلقائياً ورقة “عدالة التوزيع” التي لوح بها الدبيبة طويلاً لتبرير إغلاق النفط تارة وفتحه تارة أخرى وفق مصالحه الضيقة.

والأهم من ذلك، أن هذا التوافق المالي يكشف هشاشة الغطاء الذي يوفره المجلس الرئاسي. فإذا كان المنفي، بصفته القائد الأعلى للجيش وفق الإعلان الدستوري، عاجزاً عن فرض رؤيته في ملف بهذه الحساسية، فإن حضوره في المشهد يصبح عبئاً شكلياً لا طائل منه.

لقد تم تجريد المجلس الرئاسي من آخر صلاحياته المعنوية، تاركاً إياه كهيكل بيروقراطي ينتظر التغيير القادم، والذي ترجح التسريبات أنه سيكون على شكل مجلس رئاسي مصغر أو سلطة تنفيذية مدمجة لا مكان فيها للوجوه التي هيمنت على مرحلة ما بعد 2021.

المسار الأمني يفضح حاضنة الميليشيات

يبرز الملف الأمني باعتباره الجبهة الأكثر كشفاً لازدواجية حكومة الوحدة المؤقتة وعجز مجلسها الرئاسي. فالتقارب العلني بين نائب القائد العام الفريق صدام حفتر ووكيل وزارة الدفاع في حكومة الدبيبة، عبد السلام زوبي، واللقاءات الأمنية في سرت وتركيا، تمثل في جوهرها تفكيكًا لخطاب “حماية طرابلس” الذي سوقه رئيس الحكومة.

فإذا كانت القيادة العسكرية الغربية نفسها تسعى للتنسيق مع الشرق، فإن مزاعم الدبيبة حول وجود خطر وجودي محدق يبرر إبقاء التشكيلات المسلحة الموالية له خارج إطار الدولة تصبح بلا معنى.

المبادرة الأميركية، من خلال تركيزها على توحيد المؤسسة العسكرية، إنما تضع الدبيبة في مأزق وجودي. فهي تضطره للاختيار بين القبول بتفكيك شبكات نفوذه المسلحة، وهو ما يعني فقدانه لقبضته الأمنية على طرابلس، أو عرقلة المسار العسكري، مما يفضحه كلاعب أساسي في إدامة الفوضى ووضعه في مواجهة مباشرة مع الإرادة الدولية.

أما المنفي، فيظهر عاجزاً تماماً عن ممارسة صلاحياته كقائد أعلى، متفرجاً على حوارات أمنية تجري تحت سمع وبصر رعاة أجانب بين قادة ميدانيين، مما يؤكد أن اللقب الدستوري أصبح فارغاً من أي مضمون فعلي.

نهاية “الحوار المهيكل” وإفلاس النخب التقليدية

إن الوصف الذي أطلقه المحلل السياسي محمد امطيريد على الأجسام السياسية التقليدية بأنها “مستهلكة وتقليدية”، وهو وصف يعكس قناعة راسخة لدى صناع القرار الدولي، يوجه ضربة قاضية للشرعية التي حاول الدبيبة والمنفي استمدادها من ملتقى الحوار السياسي في جنيف.

فذلك الملتقى، الذي اتهمه امطيريد صراحة بأنه شهد صفقات ورشاوى، هو ذاته الرحم الذي أنتج حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي الحاليين. وإذا كانت البعثة الأممية والمبعوث الأميركي قد تبنيا فعلياً، وليس نظرياً، سياسة تجاوز مجلسي النواب والدولة، فكيف يمكن لمن اشتق وجوده من هذين المجلسين أو من حوار جنيف أن يدعي الاستمرارية؟

هنا تكمن المفارقة القاتلة لحكم طرابلس: فكلما تقدمت المبادرة الأميركية نحو إطار توافقي جديد، انكشف العمق التاريخي لأزمة الشرعية في ليبيا. فالاتفاقات المتعاقبة، من الصخيرات إلى جنيف إلى برلين، والتي تنكر لها الدبيبة ذاته عندما امتنع عن تسليم السلطة بعد الانتخابات المؤجلة، أصبحت الآن تنقض عليه.

القاعدة التي يرسخها مسار “4+4” هي أن الفعل السياسي في ليبيا يبنى على موازين القوى الفعلية، لا على نصوص قانونية متضاربة أو تفويضات أممية بائدة. وهذا مبدأ يجرد حكومة الوحدة من غطائها الأخلاقي والقانوني، ويكشف أنها لم تكن سوى إدارة أمر واقع، لا تختلف في جوهرها عن أي سلطة أمر واقع أخرى، باستثناء قدرتها الفائقة على التوظيف السياسي للانقسام.

المبادرة تربح الوقت… وطرابلس تخسر المعركة

وبينما تنشغل كواليس حكومة الدبيبة بتفنيد مخرجات اجتماعات تونس وروما، تثبت الوقائع أن المبادرة الأميركية تسير وفق جدول زمني يتجاهل بالكامل الحساسيات السياسية لرجال طرابلس.

إن مسألة تأجيل البت في الانتخابات الرئاسية، التي بدت تنازلاً من الشرق، هي في حقيقتها مناورة تكتيكية تمنح الغرب الليبي فرصة لإعادة ترتيب بيته الداخلي بعيداً عن الدبيبة، الذي أصبح يُنظر إليه في عواصم القرار باعتباره عقبة لا شريكاً. فالحديث عن حكومة “موحدة أو مدمجة” هو إعلان غير مباشر عن تصفية حكومة الوحدة الحالية، وإدماج ما يمكن إنقاذه منها في كيان جديد تحت مظلة توافق الشرق والغرب.

أما مصير المجلس الرئاسي فيبدو أكثر قتامة. فالتوجه نحو سلطة تنفيذية جديدة، حتى لو حملت اسماً مشابهاً، سيعني أن محمد المنفي ونوابه ليسوا جزءاً من المستقبل. لقد راهن المجلس طويلاً على الحفاظ على توازن عاجز بين الشرق والغرب والداخل، لكنه اليوم يدفع ثمن تحوله إلى منصة لترضية النخب بدل أن يكون محركاً للتسوية. غيابه التام عن مسار اللجان المصغرة هو شهادة وفاة سياسية معلنة، تنتظر فقط التحقق المؤسساتي.

استنتاج: الهندسة السياسية الجديدة تبدأ من الهامش لا المركز

في التحليل الأخير، توحي الديناميكيات الحالية بأن عملية إعادة تأسيس السلطة في ليبيا لم تعد تنطلق من إصلاح المركز، بل من خلق توافقات على هوامشه تمهد لاجتياحه. إن تهميش حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي في مسارات توحيد المؤسسة العسكرية والميزانية والقوانين الانتخابية ليس حدثاً عرضياً، بل هو شرط مسبق ونتيجة حتمية للمبادرة الأميركية.

فالمبادرة تقوم على معادلة بسيطة: السلطة لأولئك القادرين على الإيصال والإلزام، لا لأولئك القادرين فقط على الاستحواذ والمناورة. وفي هذه المعادلة الجديدة، لا يبدو أن هناك مكاناً لرئيس حكومة عاجز عن بسط سيطرته خارج مقره، أو لمجلس رئاسي يراقب تقلص صلاحياته من شرفة التاريخ، منتظراً إعلان النعي الرسمي لتجربة حكم أنهكتها تناقضاتها وأطماع رجالها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى