فتاوى الإخوان تعرقل المصالحة الليبية وتعيد إنتاج الانقسام السياسي
دار إفتاء الغرياني تصعّد دينيًا لإجهاض مساعي الحل الليبي الشامل
ليبيا 24:
فتاوى التصعيد في مواجهة لحظة التسوية
في كل مرة تلوح فيها فرصة حقيقية لتقريب المسافات بين الليبيين، وفتح كوة في جدار الانقسام الممتد منذ أكثر من عقد، تعود جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا إلى الواجهة، حاملة خطابًا دينيًا مسيّسًا يعيد إنتاج الاستقطاب، ويصادر حق الليبيين في البحث عن مخرج وطني لأزمتهم.
فبينما تتكثف التحركات الإقليمية والدولية لدفع مسار المصالحة الوطنية، وإعادة توحيد المؤسسات، تبرز فتاوى التحريض كأداة جاهزة لتعطيل أي مسار توافقي لا يخدم مشروع الجماعة أو يضمن استمرار نفوذها داخل مفاصل المشهد.
إعادة تدوير الفتوى… الرسالة نفسها بوسائل مختلفة
أعادت دار الإفتاء التابعة للمفتي المعزول الصادق الغرياني، الخاضعة لسيطرة الإخوان، نشر فتوى صادرة عن مجلسها للبحوث والدراسات الشرعية تعود إلى عام 2022، في توقيت سياسي بالغ الحساسية.
الفتوى، التي رُوّج لها على أنها موقف شرعي ثابت، لم تحمل جديدًا في مضمونها، بقدر ما عكست إصرارًا على إعادة تسويق خطاب قديم بثوب جديد، يقوم على اشتراط ما تسميه “القصاص” كمدخل وحيد لأي مصالحة، واعتبار أي تسوية سياسية لا تمر عبر هذا الشرط “باطلة”.
ويرى متابعون أن إعادة نشر هذه الفتوى في هذا التوقيت ليست فعلًا عفويًا، بل رسالة سياسية مغلفة بالدين، تهدف إلى تعطيل أي توافق وطني شامل، وخلق حالة من الشك والاحتقان في الشارع الليبي تجاه مسار المصالحة.
تسييس الدين واحتكار الحديث باسم العدالة
تُقدّم دار الإفتاء نفسها باعتبارها الحارس الوحيد للشرعية الدينية، مانحةً نفسها حق تحديد من يستحق المصالحة ومن يُقصى، ومن يُدان ومن يُغفر له.
هذا المنطق، بحسب مراقبين، لا يعكس فهمًا حقيقيًا لمفهوم العدالة الانتقالية، بقدر ما يجسد نزعة إقصائية تستخدم الدين كأداة سياسية، وتختزل العدالة في رؤية أحادية تخدم طرفًا بعينه.
فالعدالة، وفق المفهوم الدولي والوطني، مسار مركّب يشمل جبر الضرر، والمساءلة، والمصالحة المجتمعية، وضمان عدم التكرار، وليس مجرد شعارات فضفاضة تُستخدم لتعطيل الحلول.
استهداف المؤسسة العسكرية… جوهر الصراع
أخطر ما في الفتوى ليس فقط رفضها لمسار المصالحة، بل تصعيدها المباشر ضد المؤسسة العسكرية، عبر تصنيف الجيش الليبي كـ“فئة باغية”، واعتبار عملياته منذ عام 2014 “انقلابًا على الشرعية”.
هذا التوصيف يتجاهل عمدًا السياق الذي نشأ فيه دور الجيش، والسنوات الطويلة التي خاض خلالها مواجهات مفتوحة ضد جماعات متطرفة وإرهابية، كانت تهدد كيان الدولة، وتعبث بأمن المدن، وتستبيح دماء الليبيين.
ويرى محللون أن هذا الموقف يعكس عداءً بنيويًا لدى الإخوان تجاه أي مؤسسة وطنية مستقلة، لا تخضع لهيمنتهم أو تتقاطع مع مشروعهم السياسي، خصوصًا إذا كانت مؤسسة تحظى بدعم شعبي في مواجهة الفوضى والسلاح المنفلت.
فتاوى التحريض… حين يتحول الدين إلى سلاح
لم تكتف الفتوى بوصف الجيش وشيطنته، بل ذهبت أبعد من ذلك، حين حملت نبرة تحريض واضحة ضد كل من يسانده، ملوّحة بعقاب أخروي، في خطاب يعيد إلى الأذهان فتاوى الدم التي مزّقت النسيج الاجتماعي الليبي خلال السنوات الماضية.
مثل هذا الخطاب، وفق حقوقيين، لا يهدد فقط السلم الاجتماعي، بل يضرب أسس التعايش، ويكرّس ثقافة التكفير والتخوين، ويعيد فتح جراح لم تندمل بعد.
لحظة إقليمية ضاغطة نحو الحل
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة حراكًا دبلوماسيًا ملحوظًا لدعم الاستقرار في ليبيا.
فقد دعا وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر، خلال اجتماعهم الأخير في إطار آلية التشاور الثلاثي، إلى تسوية سياسية شاملة، يقودها الليبيون أنفسهم، وبرعاية الأمم المتحدة، ضمن جدول زمني واضح ومراحل متدرجة.
وأكد الوزراء أهمية توحيد الجهود الإقليمية لدعم الحوار الليبي–الليبي، وتهيئة المناخ لإجراء استحقاقات سياسية تنهي المرحلة الانتقالية الطويلة، وتعيد للدولة الليبية وحدتها ومؤسساتها.
تونس منصة للحوار… ورسالة دعم لليبيين
في السياق ذاته، رحّب الاجتماع باستعداد تونس لاحتضان لقاءات رفيعة المستوى تضم مختلف الأطراف الليبية، في خطوة تعكس إدراك دول الجوار أن استقرار ليبيا جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة بأسرها.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره فرصة حقيقية لإطلاق حوار جامع، بعيدًا عن منطق الإقصاء، وقادر على معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإدارة تداعياتها.
مسار المصالحة وحقوق الإنسان
على المسار الأممي، تتواصل الاجتماعات المخصصة لملف المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، ضمن حوار منظم يهدف إلى تحديد القضايا الجوهرية المرتبطة بالعدالة، والمساءلة، وجبر الضرر، في سياق التحضير للاستحقاق الانتخابي.
ويركز هذا المسار على وضع سياسات وآليات تنفيذ تضمن عدم الإفلات من العقاب، وفي الوقت ذاته تفتح الباب أمام مصالحة شاملة تعيد بناء الثقة بين الليبيين.
الإخوان في مواجهة الإجماع
في مقابل هذا الزخم الإقليمي والدولي، تبدو جماعة الإخوان في ليبيا في موقع المعارض لكل مسار لا يضمن استمرار نفوذها.
فبدل الانخراط في نقاش وطني مسؤول حول سبل الخروج من الأزمة، تلوّح الجماعة بخطاب ديني متشدد، يرفض التسوية، ويُشيطن الخصوم، ويعيد إنتاج الانقسام.
ويرى مراقبون أن هذا النهج يعكس مأزقًا سياسيًا تعيشه الجماعة، بعد تراجع شعبيتها، وانكشاف دورها في إطالة أمد الصراع، ما يدفعها إلى الاحتماء بفتاوى مسيّسة لإعادة حشد أنصارها.
الليبيون بين خيار الدولة وخطاب الفوضى
اليوم، يقف الليبيون أمام مفترق طرق حاسم: إما المضي في مسار المصالحة وبناء الدولة، أو السماح لخطاب التحريض والفتاوى المسيسة بجرّ البلاد مجددًا إلى دوامة الصراع.
وتشير أصوات واسعة داخل المجتمع الليبي إلى أن الدين، الذي شكّل عبر التاريخ عامل توحيد، لا يجوز تحويله إلى أداة للابتزاز السياسي أو التحريض على العنف.
المصالحة خيار لا بديل عنه
في ظل كل ما سبق، تبدو المصالحة الوطنية خيارًا لا يمكن القفز عليه، مهما تعددت محاولات تعطيله.
فالليبيون، الذين أنهكتهم سنوات الحرب والانقسام، يتطلعون إلى دولة موحدة، ومؤسسات قوية، وعدالة حقيقية لا تُختزل في فتاوى، ولا تُوظّف لخدمة جماعة أو تيار.
أما خطاب تسييس الدين وفتاوى الدم، فسيبقى عائقًا أمام الاستقرار، ودليلًا على رفض أصحابه الاعتراف بأن زمن الهيمنة باسم الدين قد ولّى، وأن ليبيا ماضية، رغم كل العراقيل، نحو استعادة وحدتها وسيادتها.



