ليبيا على مفترق طرق: معضلة الدينار بين فساد السوق الموازية وضرورات الإصلاح
انقسام العملة يهدد كيان الاقتصاد الليبي ويرهن القدرة الشرائية
ليبيا 24
الدينار الليبي بين مطرقة السعر الرسمي وسندان السوق الموازية: فجوة تهدد الاستقرار
في بلد تتدفق فيه النفط ليعطي الخزينة العامة أموالا طائلة، يبقى المواطن الليبي رهينة تقلبات غامضة تطال قيمة عملته الوطنية. فبينما تحتفظ أرقام الميزانيات الرسمية بصورة وردية لسعر صرف الدينار، فإن الواقع اليومي في الأسواق يحكي قصة مختلفة تماما؛ قصة عملة منهكة تفقد بريقها تدريجيا تحت وطأة ازدواجية حادة في سعر الصرف. هذه المعضلة لم تعد مجرد أرقام في تقارير خبراء المال، بل تحولت إلى عائق هيكلي يعيد تشكيل الاقتصاد الليبي بأسره، دافعا إياه نحو هاوية المضاربة والاقتصاد الخفي.
عندما يتحدث السوق بلغتين: هشاشة النظام النقدي الرسمي
يشكل سعر الصرف في أي اقتصاد وطني مرآة حقيقية لصحته المالية، إذ يحدد قدرته على التعامل مع العالم الخارجي ويؤثر بشكل مباشر على استقرار الأسعار المحلية. في ليبيا، التي تستورد معظم حاجياتها من الخارج، يصبح هذا المؤشر أكثر حساسية وخطورة. إلا أن الصورة هنا مشوهة، فثمة شرخ عميق يفصل بين السعر المعلن من قبل المصرف المركزي والسعر الفعلي الذي يفرضه واقع العرض والطلب في السوق غير الرسمية.
لا تنشأ هذه الثنائية من فراغ، بل هي نتاج تراكمي لخلل عضوي في إدارة تدفقات النقد الأجنبي. فالمصرف المركزي، الذي يفترض فيه أن يكون الحارس الأمين للاستقرار النقدي، أصبح عاجزا عن تلبية الطلب المتزايد على العملات الأجنبية عبر قنواته الرسمية. هذا العجز، المقترن بإجراءات بيروقراطية معقدة، يدفع التجار والأفراد بشكل اضطراري إلى أحضان سوداء تدار خارج القانون، حيث يسعر الدولار وفق معادلات مضاربة بعيدة كل البعد عن الأسس الاقتصادية السليمة.
انعكاسات مدمرة: من تعطيل الإنتاج إلى إفقار المواطن
لا تقتصر تداعيات تعدد أسعار الصرف على الجانب المالي فحسب، بل تمتد لتخلق بيئة طاردة للاستثمار والإنتاج. فعندما تصبح المضاربة على العملة أكثر ربحية وأسرع كسبا من الاستثمار في مشاريع زراعية أو صناعية، يتحول رأس المال الوطني من قاطرة للتنمية إلى أداة هدم للقيمة. يجد المستثمر نفسه أمام خيارين: إما الدخول في دوامة السوق الموازية لتدبير احتياجاته من النقد الأجنبي، مما يعرضه للمخاطرة ويدفعه إلى التهرب الضريبي والجمركي، أو الانسحاب من السوق، وهو ما يحدث غالبا.
أما المواطن العادي، فيدفع الثمن مضاعفا. فارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية يعني ارتفاعا فوريا في أسعار كل السلع المستوردة، من المواد الغذائية الأساسية إلى الأدوية وقطع الغيار. يتحمل المواطن وطأة تضخم مستمر تأكله قوته الشرائية، بينما يبقى راتبه الشهري مقوما بعملة ذات سعر رسمي لا يعكس حقيقة كلفة المعيشة. هذه الفجوة تولد إحباطا عاما وتزيد من فقدان الثقة في كافة المؤسسات المالية الرسمية، مما يدفع المواطنين بدورهم إلى الاكتناز بالعملات الأجنبية أو الاحتفاظ بمدخراتهم خارج النظام المصرفي، في حلقة مفرغة تزيد الوضع سوءا.
نحو استراتيجية إنقاذ: لم الشمل النقدي كمدخل للإصلاح
يبدو جليا أن التعامل مع أعراض الازدواجية دون معالجة جذورها لن يجدي نفعا. الحلول الترقيعية، كضخ سيولة نقدية معينة أو فرض مزيد من القيود الإدارية، أثبتت فشلها الذريع في الماضي. المطلوب اليوم هو مقاربة شاملة تعيد الثقة أولا في المؤسسة النقدية، وتعالج الخلل الهيكلي في توفير النقد الأجنبي وتوزيعه.
يجب أن تبدأ الخطوات بجسر الهوة بين السعرين الرسمي والموازي، عبر سياسات أكثر مرونة تجعل السعر الرسمي أكثر تعبيرا عن الواقع الاقتصادي، مما يقلل من فرص المراجحة والمضاربة. موازاة مع ذلك، لا مندوحة عن إصلاح جذري لمنظومة الاعتمادات المستندية والتحويلات المالية، لضمان وصول العملة الصعبة إلى مستحقيها الحقيقيين من مستوردي السلع الأساسية وأصحاب الأعمال المشروعة، مع تشديد الرقابة لقطع الطريق على مهربي رؤوس الأموال ومزوري الفواتير التجارية.
إن إعادة هيكلة قطاع المصارف وتعزيز استقلالية مصرف ليبيا المركزي وحوكمته، هما خطوتان أساسيتان لاستعادة الثقة. إن استمرار الوضع الراهن يعني استمرار نزيف الاقتصاد الوطني، وإهدار لموارد النفط لصالح مضاربين وتجار عملات على حساب المواطن الليبي الذي ينتظر يوما تصبح فيه عملته الوطنية مقياسا حقيقيا لاستقرار بلاده وليس مجرد رقم في لوحة صرف معلقة.


