ليبيا.. عيد بلا بهجة: كيف أعاد الاقتصاد تشكيل التقاليد تحت وطأة الغلاء
تأخر الرواتب يعيد تشكيل العيد الليبي بين تأملات الأسعار وغياب المشتري.
ليبيا 24
غلاء معيشة ليبيا يحول فرحة العيد إلى طقوس اكتفاء بالصورة.
من اجتماعي إلى اقتصادي: تحول في طقوس العيد
لم تعد مظاهر الاحتفال بعيد الفطر في ليبيا تعكس فقط البهجة الدينية والاجتماعية التي اشتهر بها المجتمع طوال عقود، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لحالة الترهل الاقتصادي التي تعيشها الأسر. فبينما تستعد العاصمة طرابلس والمدن الليبية الأخرى لاستقبال العيد، يبقى السؤال الأكثر تداولاً بين المواطنين ليس عن موعد الصلاة أو أماكن التجمعات العائلية، بل عن القدرة المحدودة على تدبير مستلزمات العيد الأساسية، في ظل أزمة سيولة خانقة وتأخر مزمن في صرف الرواتب.
فما كان يُعرف سابقاً بـ “موسم التسوق” الذي يتحول فيه الشارع الليبي إلى ساحة احتفالية مزدحمة بالعائلات والأطفال، بات اليوم أشبه بمعرض استطلاعي، حيث يكثر الداخلون إلى المحال التجارية، لكنهم سرعان ما يغادرون بأيدٍ فارغة، تاركين خلفهم إحباطاً يجسد حالة العجز التي تطبع المشهد الاجتماعي العام.
الموظف والأسرة: قصة صراع مع قائمة انتظار الرواتب
في مشهد إنساني يعكس عمق الأزمة، يروي موظف حكومي، وأب لثلاثة أطفال، تفاصيل معاناته اليومية أثناء تجواله في أسواق العاصمة. يكشف هذا الأب، الذي فضل عدم اصطحاب أبنائه خوفاً من رفع سقف تطلعاتهم قبل التأكد من إمكانية تلبيتها، أن راتبه الشهري لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، ناهيك عن متطلبات العيد التي باتت تشكل عبئاً إضافياً.
هذه القصة ليست فردية، بل تعمم على شريحة واسعة من الليبيين الذين أصبحت رواتبهم المتأخرة أو المنخفضة عاجزة عن مواكبة موجة الغلاء التي طالت كل شيء، بدءاً من الملابس البسيطة وصولاً إلى أبسط أنواع الحلويات التقليدية. الأمر الذي جعل الكثير من الأسر تعيد حساباتها، مفضلة إرضاء الصغار على حساب الكبار، أو اللجوء إلى خيارات التقشف التي كانت غريبة عن العادات الليبية في الأعياد السابقة.
التجارة بين الإغراءات والضرائب: إعادة هيكلة السوق
لم تسلم القطاعات التجارية من تداعيات هذا الركود، فالتجار الذين اعتادوا على ازدهار موسم العيد، يعيشون اليوم حالة من القلق، إذ تحولت المحال التجارية في شارع الرشيد وسوق الحرية وسط طرابلس إلى مسرح لمشاهد متكررة: زبائن يسألون، يتفحصون، ثم يغادرون دون شراء.
يرجع تجار محليون هذا التراجع الحاد في المبيعات إلى تراكم عوامل عدة، أبرزها الإجراءات الضريبية التي فرضتها السلطات على البضائع المستوردة، والتي أدت إلى ارتفاع التكاليف بشكل كبير، إضافة إلى غلاء أسعار النقل والشحن الذي انعكس مباشرة على الأسعار النهائية. وفي محاولة يائسة لإنعاش السوق، لجأ بعض التجار إلى استراتيجيات ترويجية عبر منصات التواصل، خفضوا خلالها رسوم التوصيل أو قدموها مجاناً، في محاولة للتكيف مع تراجع حاد في القوة الشرائية لم يشهدوه منذ سنوات.
التقاليد الغذائية: دفاع عن التماسك تحت ضغط الميزانية
حتى المائدة الليبية التقليدية، التي طالما كانت محوراً للكرم والتواصل الاجتماعي في الأعياد، لم تسلم من تأثير الغلاء. فالحلويات التي كانت تشترى من المحال المتخصصة، مثل المقروض والغريبة والكعك الطرابلسي، باتت اليوم تتحول إلى نشاط منزلي جماعي، كحل اقتصادي يلبي رغبة الأسر في الحفاظ على التقاليد دون إنفاق كبير.
وتشير مواطنة من حي تاجوراء إلى أن هذا التحول، رغم كونه ناتجاً عن الإكراه الاقتصادي، إلا أنه أعاد إحياء روح التعاون بين الجارات، حيث تم الاتفاق على إعداد الحلويات بشكل جماعي، مما خفف التكاليف وأعاد للمناسبات الاجتماعية بعداً تواصلياً كانت قد فقدته في ظل الانشغال بالضغوط المالية. ويبقى الاختلاف في الأطباق الرئيسية، من “العصيدة” في الغرب إلى “المثرودة” في الشرق، شاهداً على تنوع ثقافي يحاول الصمود في وجه التوحيد القسري الذي تفرضه الأزمة الاقتصادية.
التكنولوجيا وإعادة تعريف التواصل: غياب الزيارات
لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب المادي فقط، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي نفسه. ففي استطلاع لمشاعر الليبيين، يلاحظ مراقبون أن وسائل الاتصال الحديثة حلت بشكل متزايد محل الزيارات المباشرة بين الأقارب والجيران، وهو ما يعتبره كثير من كبار السن تراجعاً في الروابط الاجتماعية التي كانت تشكل العمود الفقري للعيد في الماضي.
يتحدث مواطن متقاعد عن هذا التحول بحسرة، مشيراً إلى أن العيد في الماضي كان مناسبة للقاءات العائلية المكثفة، وزيارة المقابر ودور العجزة، حيث كان الأئمة والأعيان يقودون مبادرات مجتمعية تعكس تلاحم الأفراد مع محيطهم. أما اليوم، فقد أصبحت هذه المبادرات حكراً على الجمعيات الخيرية التي تتولى إيصال التبرعات، فيما يكتفي الكثيرون بتبادل الرسائل الافتراضية، في مشهد يعكس تحولاً في أولويات المجتمع تحت ضغط الظروف المعيشية.
على خطى الصمود: استمرار الروح رغم كل شيء
في خضم هذه الصورة القاتمة، يبقى هناك صوت للحكمة يذكّر بأن العيد لا يقاس بقيمة الملابس أو وفرة الحلويات. فبحسب إمام مسجد في مدينة زليتن، فإن جوهر العيد يبقى محفوظاً في تفاصيله الروحية والاجتماعية التي لا يمكن للغلاء أن يمحوها.
يؤكد الإمام أن التجمعات العائلية في منازل الأجداد، وصلاة العيد في المساجد حيث يلتقي الجيران، والحرص على زيارة الأقارب في الأرياف، كلها ممارسات ما زالت حاضرة بقوة رغم الصعوبات، وتشكل حائط صد أمام محاولات الأزمة الاقتصادية لتفكيك المجتمع. هذا التمسك بالتقاليد، رغم تراجع بعض مظاهرها المادية، يعكس مرونة المجتمع الليبي وقدرته على إعادة تعريف الفرح في ظل أقسى الظروف، مؤكداً أن العيد سيظل مناسبة للحفاظ على التماسك الاجتماعي، حتى لو كان الثمن هو التخلي عن بعض الكماليات التي طالما ارتبطت به في الماضي.



