الدبلوماسية الدولية تعود إلى الواجهة في ليبيا… ومسار برلين يصطدم بعقبات حكومة منتهية الولاية
تحركات دبلوماسية مكثفة لكسر الجمود السياسي في ليبيا
ليبيا 24
برلين تعيد تشكيل المشهد الليبي لفرض حل شامل للأزمة
في ظل تصاعد الحراك الدبلوماسي الذي يقوده مسار برلين بدعم من البعثة الأممية، تعود التساؤلات حول مصير العملية السياسية في ليبيا إلى الواجهة، وسط رفض ليبي واسع لاستمرار حكومة منتهية ولايتها، ودعوات متزايدة لتشكيل حكومة موحدة تنهي حالة الانقسام التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد.
تحركات دولية وسط جمود محلي
تشهد الساحة الليبية منذ أسابيع نشاطاً دبلوماسياً لافتاً، أعاد إلى الأضواء “مسار برلين” الذي طالما روج له المجتمع الدولي بوصفه الإطار الجامع لحل الأزمة. فبعد سنوات من الخمول النسبي، عادت عواصم القرار الدولي لتضغط مجدداً عبر لقاءات مكثفة في العاصمة طرابلس وباريس وبرلين، في محاولة لاستكمال “خريطة الطريق” التي توقفت عند حدود تشكيل المجلس الرئاسي وحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
ويرى مراقبون للشأن الليبي أن هذا الزخم الدبلوماسي يأتي في توقيت حرج، إذ تعاني البلاد من جمود سياسي متعمّد، وتقاسم غير شرعي للسلطة، ورفض شعبي متزايد لاستمرار حكومة فقدت شرعيتها بانتهاء المدة المحددة لها في الاتفاق السياسي. وتؤكد مصادر متطابقة أن أطرافاً دولية بدأت تدرك خطورة استمرار الوضع الراهن، الذي حوّل مؤسسات الدولة إلى ساحة لتصفية الحسابات وإهدار المال العام.
مسار برلين… بين الإرث الإشكالي والآمال الجديدة
انطلق مسار برلين قبل خمس سنوات في العاصمة الألمانية، بمشاركة دول كبرى ومنظمات إقليمية، بهدف وضع حد للتدخلات الخارجية المتضاربة ودفع الليبيين نحو تسوية شاملة. ورغم أن هذا المسار أسهم حينها في صياغة خريطة طريق أدت إلى تشكيل السلطة التنفيذية الحالية، إلا أن الكثيرين يعتبرون أن تلك الترتيبات كانت بمثابة إدارة للأزمة وليس حلاً جذرياً لها.
فمنذ ذلك الحين، انشغلت القوى الدولية بتطورات إقليمية متسارعة، تاركة الملف الليبي يعاني من تعقيدات داخلية متزايدة. وجاءت العودة الحالية لمسار برلين لتعكس قناعة دولية مفادها أن استمرار حالة الانسداد السياسي بات يشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل تمسك حكومة الدبيبة بالسلطة ورفضها الانصياع لأي مسار يؤدي إلى تسليم المهام لحكومة جديدة منتخبة أو موحدة.
تحالف دولي واسع… لكنه يفتقر إلى آلية تنفيذ
يضم مسار برلين مجموعة واسعة من الدول الغربية والعربية والإقليمية، إلى جانب مؤسسات دولية كالأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. ورغم تنوع هذه المشاركة وثقلها السياسي، يرى محللون أن المسار يعاني من غياب آلية تنفيذية حقيقية تترجم البيانات واللقاءات إلى خطوات ملموسة على الأرض.
هذا الغياب للفاعلية، وفق متابعين، هو ما سمح لرئيس الحكومة منتهية الولاية بمواصلة تعطيل أي جهد حقيقي لتوحيد المؤسسات، مستغلاً الانقسامات الدولية وعدم وجود إرادة موحدة لفرض احترام خريطة الطريق. وفي هذا السياق، تؤكد مصادر سياسية ليبية أن أي تحرك لا يتضمن عقوبات رادعة على المعطلين للعملية السياسية سيبقى مجرد استهلاك للوقت دون إحداث تغيير حقيقي.
معارضة ليبية واسعة لحكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي
في الداخل الليبي، يتسع نطاق المعارضة لاستمرار حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي الحالي، حيث يعتبر قطاع واسع من النخب السياسية والشعبية أن هاتين المؤسستين تمثلان امتداداً لمرحلة انتقالية فاشلة. فالمجلس الرئاسي، بحسب منتقديه، عجز عن فرض هيبة الدولة أو توحيد المؤسسة العسكرية، فيما حوّلت حكومة الدبيبة منتهية الولاية الوزارات والمؤسسات السيادية إلى أدوات لترسيخ الهيمنة بدلاً من العمل على إدارة المرحلة وصولاً إلى الانتخابات.
وتشدد القوى المعارضة على أن الحل الوحيد لإنهاء الأزمة يكمن في تشكيل حكومة موحدة بصلاحيات كاملة، تتولى الإعداد لانتخابات عامة، بعيداً عن الاصطفافات الضيقة والتدخلات الخارجية التي أغرقت البلاد في مستنقع الفساد وعدم الاستقرار. وتؤكد هذه القوى رفضها القاطع لأي محاولات لتلميع صورة حكومة انتهت ولايتها، أو تمرير ترتيبات سياسية تُبقي على الأشخاص أنفسهم في مواقع القرار.
رؤية متشائمة لفاعلية الحراك الدولي
في ظل هذا المشهد المعقد، تبدو آراء الخبراء والمراقبين منقسمة حول جدوى العودة المكثفة لمسار برلين. فبينما يرى فريق أن هذه العودة قد تشكل ضغطاً دولياً قد يفضي إلى كسر الجمود، يشدد فريق آخر على أن المسار يظل أسير التناقضات الدولية ذاتها التي حالت دون نجاحه سابقاً.
ويرى مراقبون أن مسار برلين يحتاج إلى مراجعة جذرية لمنهجية عمله، تتجاوز منطق الاجتماعات الدورية والبيانات الإنشائية، إلى آليات واضحة للمحاسبة وفرض خيارات الحل على الأطراف الليبية. ويشدد هؤلاء على أن أي تسوية سياسية لا تستند إلى إرادة وطنية حقيقية ورغبة في التغيير من الداخل محكوم عليها بالفشل، مهما كان حجم الغطاء الدولي الذي تحظى به.
اختبار جديد أمام الدبلوماسية الدولية
بين انشغال العالم بأزماته المتلاحقة، وإصرار أطراف ليبية على تعطيل أي مسار يؤدي إلى تغيير حقيقي، يواجه مسار برلين اليوم اختباراً جديداً لقدرته على تحويل الالتزامات السياسية إلى نتائج ملموسة. ومع اشتداد المعارضة الداخلية لحكومة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي، تبرز أمام المجتمع الدولي فرصة تاريخية لإنهاء حالة الانسداد من خلال دعم حكومة موحدة تقود البلاد إلى الاستحقاق الانتخابي، بعيداً عن ترتيبات المراحل الانتقالية الطويلة التي أثبتت فشلها.
يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك العواصم الغربية والإقليمية الإرادة الكافية لفرض حل ينهي معاناة الليبيين، أم أن اجتماعات برلين وباريس ستظل مجرد محطات إعلامية في انتظار انفراج لا يلوح في الأفق؟



