ليبيا

الحكومة الليبية تطلب تعاوناً استخباراتياً أوروبياً لمكافحة هجرة غير نظامية

المشير حفتر يمول جهاز مكافحة الهجرة ويرفض مساعدات أوروبية


ليبيا 24

الحكومة الليبية تفتح ملف الهجرة أمام أوروبا بشروط: تعاون استخباراتي بلا دعم مالي

بنغازي : بين رفض المساعدات المالية والإصرار على التنسيق الاستخباراتي، يعيد الملف الليبي تشكيل علاقته مع الضفة الشمالية للبحر المتوسط وسط أرقام قياسية لتدفق المهاجرين.

تعاون بلا تمويل

في خطاب يحمل مفارقة استراتيجية، طالب رئيس جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة في الحكومة الليبية، الاتحاد الأوروبي، بفتح قنوات تعاون أمني واستخباراتي غير مسبوقة، مع إعلان رفض قاطع لأي دعم مادي من الجانب الأوروبي. اللواء صلاح الخفيفي أوضح في تصريح صحفي رصدته ليبيا 24 أن “القيادة العامة للجيش الوطني الليبي تتكفل بتوفير الإمكانات المادية اللازمة لعمل الجهاز”، محولاً بذلك الملف الإنساني إلى ورقة ضغط جيوسياسية بامتياز.

هذا الموقف يكشف عن تحول دقيق في حسابات الشرق الليبي، حيث باتت بنغازي تدرك أن الهجرة غير النظامية تمثل أداة نفوذ حقيقية في مواجهة بروكسل، التي تئن دول الجنوب الأوروبي تحت وطأة تدفق آلاف المهاجرين سنوياً. فبينما تطلب ليبيا تعاوناً استخباراتياً لمكافحة الشبكات الإجرامية، فإنها ترفض في الوقت نفسه أي مساعدات مالية قد تمنح أوروبا حق التدخل في سياساتها الداخلية.

الجنوب الملتهب حدود مفتوحة على الفوضى

في العمق الليبي الجنوبي، حيث تمتزج الرمال الساخنة بتهريب البشر والأسلحة، يرسم الخفيفي صورة قاتمة للتحديات الأمنية. “الخطر من الجماعات الإرهابية لا يزال قائماً في ظل بيئة إقليمية هشة، خصوصاً مع الاضطرابات الأمنية في دول على حدودنا الجنوبية”، يقول رئيس الجهاز، في إشارة ضمنية إلى انهيار الأوضاع في السودان وتشاد والنيجر.

هذا الإقليم الشاسع، الذي يمثل بوابات الصحراء الكبرى، تحول إلى ملاذ آمن لشبكات التهريب والجماعات المسلحة، حيث تتداخل طرق الهجرة مع خطوط تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات. الأرقام المتسارعة للنازحين السودانيين إلى الجنوب الليبي تزيد الطين بلة، إذ يعترف الخفيفي بأن “الوضع يصبح أكثر تعقيداً في حصر الأرقام بعد نزوح آلاف المهاجرين السودانيين”.

مليون مهاجر بين الرقم الرسمي والواقع الصعب

تثير أرقام المهاجرين في ليبيا جدلاً واسعاً بين المؤسسات الدولية والحكومة المحلية. فبينما تشير بيانات مصفوفة تتبع النزوح إلى وجود 939 ألفاً و638 مهاجراً في ليبيا، وهو أعلى رقم منذ بدء عمليات الرصد، يصر الخفيفي على أن هذه الأرقام “يصعب تأكيدها بدقة”. ويقدم رقماً مغايراً تماماً، مؤكداً أن مراكز الاحتجاز الرسمية تستوعب نحو 7 آلاف مهاجر غير نظامي فقط، مع ترحيل 41 ألف شخص خلال العام الماضي.

هذا التباين في الأرقام ليس مجرد خلاف إحصائي، بل يعكس أزمة ثقة عميقة بين الحكومة الليبية والمنظمات الدولية، ويفتح الباب أمام تساؤلات حول حجم الاقتصاد الموازي الذي تديره شبكات التهريب، وعدد المهاجرين الذين يعيشون خارج أي رقابة رسمية في المستودعات والمزارع والمناطق النائية.

الدوريات الصحراوية وخط الدفاع الثاني

في محاولة لفرض السيطرة على هذه الفوضى، يعتمد جهاز مكافحة الهجرة على ما يصفه الخفيفي بـ”الدوريات الصحراوية الليبية”، التي تعمل على “خط الدفاع الثاني بعد الجيش لتمشيط الحدود مع مصر والجزائر ودول الجنوب”. ويستدل رئيس الجهاز بضبط شحنة أسلحة مؤخراً في المنطقة الحدودية الثلاثية بين ليبيا ومصر والسودان، كدليل على نجاح هذه الاستراتيجية.

لكن السؤال الأكبر يبقى: هل تستطيع هذه الدوريات، رغم إمكاناتها المحدودة، أن تسد ثغرات حدودية تمتد لآلاف الكيلومترات، وسط غياب أي وجود دولي فاعل في المنطقة؟ الإجابة تبدو معقدة، خصوصاً مع اعتراف الخفيفي نفسه بأن الانقسام السياسي والعسكري الليبي “يصعب مهمة ضبط الهجرة غير النظامية”.

الدبلوماسية الأوروبية تراهن على بنغازي

في مؤشر على تحول المشهد الدبلوماسي، تصدر ملف الهجرة غير النظامية مباحثات أجراها وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس في بنغازي مؤخراً، شملت لقاءات مع المشير خليفة حفتر ونجله رئيس الأركان الفريق أول ركن خالد حفتر. هذه الخطوة تعكس اعترافاً أوروبياً ضمنياً بأن أي حل لأزمة الهجرة في ليبيا لا يمكن أن يمر دون التنسيق مع الشرق الليبي، الذي يسيطر على معظم المنافذ الحدودية الجنوبية والشرقية.

اليونان، التي تعاني من تدفق المهاجرين عبر الجزر الإيجة، تبدو أكثر إلحاحاً من غيرها في البحث عن شركاء موثوقين على الجانب الليبي. غير أن الخفيفي يصر على أن التعاون الحالي “لا يزال دون المأمول”، في رسالة ضمنية إلى بروكسل مفادها أن الوقت قد حان لرفع مستوى التنسيق الاستخباراتي والأمني، وليس فقط المالي.

ملف يعلو على الانقسامات

ورغم الانقسام الحاد بين شرق ليبيا وغربها، يصف الخفيفي مشكلة الهجرة غير النظامية بأنها “قضية أمن قومي يجب أن تعلو على الانقسامات السياسية”، مشيراً إلى أن “التعاون والتنسيق بين الأجهزة الليبية مستمر رغم الانقسام”. تصريح يحمل تفاؤلاً حذراً، في بلد يبدو أن ملف الهجرة فيه قد يصبح، لأول مرة، أرضية مشتركة لتوحيف الصفوف الوطنية، تحت الضغط الأوروبي المتزايد والخطر الإقليمي المتفاقم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى