أخبار العالمليبيا

نزاع السيادة الرقمية يتصاعد.. صفقات اتصالات النفط وبلاغ فساد بمليار دينار يثيران عاصفة سياسية

بلاغ فساد بمليار دينار يضرب قلب قطاع الاتصالات

ليبيا 24 – عبد العزيز الزقم:

اتفاق مثير للجدل يهدد أمن بيانات النفط السيادي

في مشهد يكشف عن تصدعات عميقة في بنية الحوكمة الاقتصادية، يخوض قطاع الاتصالات في البلاد مواجهة مفتوحة على أكثر من جبهة، تجمع بين مخاوف استراتيجية تتعلق بسيادة الدولة على أمن معلومات قطاع النفط، ومعارك قانونية حول إجراءات عطاءات بملايين الدولارات.

الأزمة، التي اندلعت شرارتها من توقيع اتفاقية خدمية في عمق الحقول النفطية، سرعان ما كشفت عما تصفه نقابات العمال بـ “مخطط ممنهج” لإضعاف مؤسسات الدولة لصالح جهات خاصة، مدعوماً ببلاغ فساد موثق قد يصل صداه إلى ما هو أبعد من حدود طرابلس.

النفط في قلب العاصفة.. من يسيطر على ممرات البيانات؟

البداية كانت مع بيان صارم صادر عن تحالف نقابات ست شركات اتصالات عامة، يحمل الرقم (6)، ويعبر عن رفض قاطع لما تم تداوله بشأن توقيع رئيس مجلس إدارة الشركة الليبية القابضة للاتصالات على اتفاقية أطلق عليها “اتفاقية صالح”.

تقضي هذه الاتفاقية، وفقاً لمضمون البيان، بمنح شركة “روافد” الخاصة حقوق تقديم خدمات الاتصالات للحقول والموانئ النفطية، وهي خدمات كانت حتى الآن ضمن صميم اختصاص شركات القطاع العام التي استثمرت المليارات في بناء بنية تحتية متطورة لهذا الغرض تحديداً.

وصف البيان الخطوة بأنها “مساس مباشر بسيادة الدولة”، محذراً من أن تمكين جهة خاصة من إدارة ممرات البيانات المرتبطة بالقطاع النفطي يمثل “خطراً جسيماً على أمن المعلومات والسيادة الرقمية”.

وفي سياق بلد يعتمد اقتصاده بشكل شبه كامل على الصادرات النفطية، فإن أي اختراق محتمل أو سيطرة غير حكومية على البيانات التشغيلية للحقول والموانئ يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط جيوسياسي واقتصادي من الدرجة الأولى.

مليار دينار تحت المجهر.. بلاغ فساد يصعّد الأزمة

في الوقت الذي كانت فيه أصداء الاعتراض النقابي تتردد في أروقة طرابلس، تقدم الصحفي الاستقصائي محمد القرج ببلاغ رسمي إلى مكتب النائب العام وهيئة الرقابة الإدارية وديوان المحاسبة، كشف النقاب عن ملابسات مثيرة للقلق في عطاء استراتيجي آخر تديره الشركة القابضة ذاتها.

العطاء، الخاص بمشروع “التدقيق العميق لحزم البيانات”، تبلغ قيمته التقديرية ما يزيد عن مئة مليون دولار أميركي، أي ما يعادل قرابة مليار دينار ليبي.

يستند البلاغ، الذي اطلعت عليه “ليبيا 24″، إلى وثائق داخلية وتفاصيل دقيقة تكشف عن تجاوزات إجرائية جسيمة، ففي جلسة فتح المظاريف المالية بتاريخ السادس والعشرين من مارس الماضي، تبين أن مرحلة “العرض التجريبي المباشر”، وهي شرط فني جوهري ورد في كراسة الشروط، لم تُستكمل.

وبدلاً من تأجيل الإجراءات لاستكمال المتطلبات الفنية، تشير الوثائق إلى توجه لإتمام عملية الترسية وعندما طلب ثلاثة من أعضاء لجنة العطاءات توجيهاً كتابياً لحماية أنفسهم قانوناً من تبعات هذه الخطوة، تمت معاقبتهم وإيقافهم عن العمل في اليوم ذاته.

ويصف البلاغ هذا التسلسل للأحداث بأنه “نمط سلوكي مكتمل الأركان”، يهدف إلى تمرير صفقة بمليار دينار دون اكتمال التقييم الفني، مع استخدام العقوبة الإدارية كأداة لإسكات كل من يقف في وجه هذه التجاوزات.

وطالب البلاغ بتجميد إجراءات الترسية فوراً وفتح تحقيق جنائي عاجل، مؤكداً أن المستندات الداخلية الأولية جاهزة للتسليم للجهات المختصة.

“إفشال متعمد”.. النقابات تتهم القابضة بحرب استنزاف طويلة الأمد

هذه الوقائع لم تأتِ من فراغ، بل هي، وفقاً لتصريحات أدلى بها محمد الزواوي، المتحدث باسم نقابة موظفي شركة المدار الجديد، حلقة في سلسلة طويلة من “التعطيل الممنهج” لمشاريع القطاع.

ويقول الزواوي في تصريحات صحفية إن الشركة القابضة عرقلت مشاريع تطوير وصيانة الشبكة لأكثر من ثلاث سنوات، متهمًا إياها بإفشال إطلاق خدمات الجيل الخامس التي كانت الشركة جاهزة لتقديمها منذ عام 2019.

ويذهب الزواوي إلى أبعد من ذلك، مؤكداً أن الهدف النهائي من قرار الشركة القابضة رقم (25)، المتعلق بمشروع “الشبكة الموحدة” وفصل الاختصاصات، هو “خصخصة القطاع بالكامل لصالح شركات خاصة مشبوهة حديثة النشأة”، على حد تعبيره.

وهو اتهام يضع إدارة الشركة القابضة في مواجهة مباشرة ليس فقط مع النقابات، بل مع توجهات حكومية سابقة وردت في محاضر رسمية تطالب بـ”إرجاع الحقوق والعدالة إلى قطاع الاتصالات والدولة الليبية”.

الأبعاد القانونية.. أحكام قضائية وسوابق ملغاة

يستند تحالف النقابات في رفضه لاتفاقية “روافد” إلى سوابق قانونية وقضائية راسخة. ويؤكد البيان أن أحقية قطاع الاتصالات في هذه الخدمات “مثبتة قانونياً”، مشيراً إلى أن الشركة القابضة نفسها ألغت عقداً سابقاً مماثلاً، كما صدرت أحكام في سبع قضايا لصالح القطاع العام.

هذا الإرث القانوني يجعل من أي خطوة للتنازل عن هذه الحقوق لجهة خاصة خروجاً ليس فقط على التوجهات الرسمية، بل على أحكام القضاء أيضاً.

سيناريوهات المستقبل.. بين التدخل الرقابي والتصعيد الاجتماعي

تقف الحكومة منتهية الولاية أمام مفترق طرق حرج. فمن جهة، تتعالى المطالب من النقابات بضرورة تدخل عبدالحميد الدبيبة بصفته رئيس الجمعية العمومية لقطاع الاتصالات لإلغاء القرارات المرفوضة ودعم الشركات العامة لإكمال مشاريعها.

ومن جهة أخرى، تتزايد الضغوط على الأجهزة الرقابية للتحرك بسرعة للتحقيق في بلاغات الفساد قبل ضياع مئات الملايين من الدولارات من المال العام.

ويحذر البيان الختامي لتحالف النقابات من أن استمرار هذا المسار “قد يفتح الباب لمزيد من التفريط في أصول الدولة مستقبلاً”، مؤكداً أن أي تصعيد سيتم في “إطار قانوني وسلبي”، لكنه في الوقت نفسه يحمّل الجهات المعنية المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات.

وفي بلد يعاني من انقسام سياسي وهشاشة مؤسسية، فإن أزمة في قطاع حيوي كالاتصالات قد تكون الشرارة التي تشعل فتيل أزمة اقتصادية واجتماعية أوسع، لا سيما أن خلف هذا القطاع يقف أكثر من ستين ألف أسرة ليبية تعتمد عليه في قوت يومها.

الأنظار تتجه الآن إلى طرابلس، حيث ستحدد الأيام القليلة المقبلة ما إذا كانت السلطات ستتحرك لاحتواء الأزمة وحماية المال العام، أم أن عجلة التفريط في أصول الدولة ستستمر في الدوران دون رادع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى