ليبيا

ليبيا على حافة هاوية المؤسسات: تقرير أممي يشخص “شللاً” في الرئاسي وصراع أجنحة يبتلع آخر تفاهمات طرابلس

نزاع المناصب الأمنية ينسف تفاهمات طرابلس ويهدد استقرارها الهش

ليبيا 24عبدالعزيز الزقم:

تقرير أممي يكشف شلل المجلس الرئاسي في ليبيا وانقساماته

في توقيت تتقاطع فيه الأزمات الليبية على نحو ينذر بانفجار الوضع القائم، لم يأتِ تقرير بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ليقدم جديداً بقدر ما قدم وصفاً دقيقاً لحالة الموات السريري التي أصابت أعلى هرم في السلطة التنفيذية بغرب البلاد.

فالتقرير الذي تحدث عن تقديم عضوي المجلس الرئاسي، موسى الكوني وعبد الله اللافي، طعناً في سبعة قرارات أصدرها رئيس المجلس محمد المنفي، ليس مجرد وثيقة إجرائية عابرة، بل هو شهادة وفاة سياسية لمرحلة التوافق الهش التي أوجدها ملتقى الحوار السياسي.

إنه إعلان رسمي، وإن كان بلغة دبلوماسية حذرة، بأن مؤسسة يفترض أن تكون “درع الوحدة الوطنية” باتت ساحة تصفية حسابات ضيقة ومرتعاً للعجز عن إدارة أبسط الملفات، في وقت تغرق فيه البلاد في مستنقع الانقسام المالي والأمني.

وبينما يحاول المقربون من دوائر القرار في طرابلس التقليل من شأن التقرير، ووصفه بأنه “نقاشات مؤسسية سابقة” كما صرح بذلك الكوني، فإن القراءة المتأنية في دهاليز المرحلة تكشف حقيقة أكثر مرارة: إن الشلل الذي شخصته الأمم المتحدة في المجلس الرئاسي ليس استثناءً طارئاً، بل هو قاعدة الحكم في ظل حكومة عبدالحميد الدبيبة التي انتهت ولايتها قانوناً وفعلياً منذ الرابع والعشرين من ديسمبر عام ألفين وواحد وعشرين، لكنها تمسكت بمقاليد الأمور متذرعة بحجج واهية.

غياب البوصلة الدستورية: كيف تحولت مؤسسات الدولة إلى غنائم فئوية؟

للوهلة الأولى، يبدو الخلاف بين المجلس الرئاسي بقيادة المنفي وحكومة الدبيبية محصوراً في مسألة قانونية جافة تتعلق بتفسير الصلاحيات، من يحق له تعيين السفراء؟ ومن يملك حق تكليف رؤساء الأجهزة الأمنية الحساسة كالشرطة القضائية؟

لكن هذا الجدل السطحي يخفي حقيقة جوهرية أكثر تدميراً، وهي الغياب المطلق لأي إطار دستوري يحكم العلاقة بين مؤسسات الحكم.

لقد تم تأثيث المشهد السياسي الليبي الحالي على عجل في جنيف وتونس، تحت ضغوط دولية وإقليمية كانت تبحث عن شريك في الغرب الليبي لمواجهة نفوذ الشرق، دون أن تُعنى ببناء أسس واضحة لشرعية الممارسة.

هذا الغياب الدستوري هو الذي يفسر حالة “الفوضى الخلاقة” التي يدير بها الدبيبة شؤون الدولة. فعندما تفتقر المؤسسة إلى سند قانوني صلب، يصبح الاستقواء بالميليشيات المسلحة وتوزيع الامتيازات المالية عبر مصرف ليبيا المركزي هو المصدر الوحيد للاستمرارية.

ومن هذا المنظور، فإن قرار الدبيبة الأخير بتعيين اللواء عبدالفتاح دبوب رئيساً لجهاز الشرطة القضائية، متجاوزاً بذلك بنود “الاتفاق الأمني” الذي رعته أنقرة، ليس مجرد خطأ إجرائي، بل هو رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن القرار في طرابلس لا يصدر عن مؤسسات الدولة، بل عن مزاج رئيس حكومة يخشى أن تؤدي أي عملية إعادة هيكلة للأجهزة الأمنية إلى تقويض شبكة النفوذ التي تحميه.

أما رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، فيبدو كقبطان سفينة اخترقها الماء من كل جانب. تحركاته الأخيرة، التي وصفها مراقبون بأنها “في الوقت بدل الضائع”، تعكس إدراكاً متأخراً من الرجل بأنه أصبح خارج معادلة القرار الفعلية.

لقد أظهرت مبادرة المبعوث الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، والتي ألمحت إلى هيكل جديد للمجلس الرئاسي والحكومة، أن المنفي لم يعد يحظى بثقة الفاعلين الدوليين الذين أوصلوه إلى منصبه.

طعنه في قرارات الدبيبة لم يعد سوى محاولة يائسة لتأكيد وجوده على الخارطة السياسية، في مواجهة خصم يدير المال العام والقوة المسلحة عبر كتائب موالية له في قلب طرابلس.

إنه صراع بين سلطة “اسمية” يمثلها المجلس الرئاسي، وسلطة “واقعية” متجذرة في الأحياء والمصارف تمثلها حكومة الدبيبة منتهية الصلاحية.

الشرعية المفقودة: بين الوصاية الدولية وأوهام التمديد الذاتي

أحد أخطر ما كشفه تقرير الأمم المتحدة، والتصريحات التي تلته، هو التحول الخطير في مفهوم الشرعية في ليبيا. لقد أصبح واضحاً أن المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة لا يستندان في بقائهما إلى صناديق الاقتراع أو إلى إرادة الناخب الليبي التي جرى تعطيلها مراراً، بل إلى ما يمكن تسميته “الوصاية الدولية المرنة”.

وطالما أن المجتمع الدولي المنقسم على نفسه يرغب في إبقاء الوضع على ما هو عليه في غرب ليبيا لتأمين مصالحه المتعلقة بالهجرة والطاقة، فإن هاتين السلطتين ستظلان تتنفسان تحت جهاز التنفس الاصطناعي الأممي.

لكن المعضلة تكمن في أن استمرار هذا الوضع لا يعني الاستقرار. على العكس تماماً، إن تأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، وتعمّد بقاء حكومة فاقدة للتفويض الشعبي، يدفع المؤسسات إلى التآكل الذاتي.

 فالمجلس الرئاسي، الذي يصفه التقرير الأممي بأنه يعاني الشلل، هو انعكاس لهذه الأزمة الأوسع.

وعندما تضعف الشرعية الداخلية، يلجأ الفرقاء إلى الخارج بحثاً عن دعم، فيتحول البلد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية بالوكالة.

والدليل على ذلك هو العودة السريعة للتوتر الأمني في طرابلس. فالاتفاق الذي رعته تركيا لتهدئة الأوضاع في مطار معيتيقة، والذي قضى بإخراج المطلوب دولياً أسامة نجيم من رئاسة الشرطة القضائية، كان يهدف ظاهرياً إلى فرض الانضباط.

لكن بمجرد أن شعر الدبيبة بأن تنفيذ بنود الاتفاق سيضعف من قبضته على جهاز حساس مثل الردع، بادر إلى فرض مرشحه الخاص.

هذه المناورة تكشف بوضوح أن رئيس الحكومة منتهية الولاية لا يريد “دولة مؤسسات”، بل يريد “دولة ميليشيات موالية”.

فوجود شخص مثل أسامة نجيم أو من يدور في فلكه على رأس جهاز يدير السجون ويقبض على المطلوبين هو ضمانة لاستمرار منطق الإفلات من العقاب الذي يشكل ركيزة أساسية لبقاء هذه السلطة القائمة على الأمر الواقع.

الجانب الاجتماعي المنسي: ضحايا تحت أنقاض الصراع على الكراسي

بينما ينهمك السياسيون في فنزويلا طرابلس في صراع الصلاحيات والتعيينات، يدفع المواطن الليبي البسيط ثمن هذا العبث فاتورة باهظة.

إن تأخر تعيين السفراء ليس مجرد خلاف بروتوكولي، بل يعني حرمان آلاف الليبيين العالقين في الخارج من خدمات قنصلية فعالة، وتعطيل مصالح المستثمرين، وتمزيق صورة ليبيا في المحافل الدولية، والأخطر من ذلك هو تأثير هذا الصراع على الملف الأمني.

فالنزاع على رئاسة الشرطة القضائية لا يعني إلا شيئاً واحداً للمواطن العادي: عودة الاغتيالات والتصفيات الجسدية بين الكتائب المسلحة التي تتنافس على “كعكة” الأموال والنفوذ في طرابلس.

إن التقرير الأممي، رغم دبلوماسيته، يوجه ضربة قاضية للسردية التي يحاول الدبيبة والمنفي تسويقها عن وجود “حكومة وحدة وطنية” مستقرة.

إن ما يجري هو محاكاة ساخرة للدولة لدينا مجلس رئاسي مشلول القرار، ورئيس حكومة يمارس الحكم بمنطق زعيم الميليشيا لا بمنطق رجل الدولة، وكلاهما يفتقران إلى الشرعية الدستورية.

والأسوأ من ذلك، أن استمرار هذا المسرح الهزلي إنما يكرس واقع الانقسام، ويدفع البلاد نحو سيناريوهات أكثر قتامة. فالحل، كما أشار المحللون، ليس في ترقيع شرعيات بائدة أو في تبادل أدوار هامشية، بل في إعادة السلطة إلى الشعب.

لكن يبدو أن من أمسكوا بزمام الأمور في طرابلس، سواء في المجلس الرئاسي أو الحكومة، باتوا يرون في بقاء المرحلة الانتقالية الأبدية ضمانة لبقائهم في السلطة، ولو على حساب جثث المؤسسات وأحلام الليبيين في دولة آمنة ومستقرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى