المنفي يوجه ضربة استباقية للدبيبة.. والحكومة منتهية الولاية تتمسك بسلطة زائلة
صراع الصلاحيات يعصف بالغرب الليبي والمجتمع الدولي يراهن على الميزانية

ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم
المنفي يطيح بوزير خارجية الدبيبة والخلاف يهدد وحدة التمثيل الدولي
طرابلس في قبضة ازدواجية القرار السيادي
دخلت الأزمة السياسية الليبية منعطفا جديدا بالغ الخطورة، بعد أن أصدر رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي قرارا مفاجئا بإيقاف وزير الخارجية المكلف في حكومة الدبيبة منتهية الولاية طاهر الباعور عن مباشرة أي مهام تتعلق بالتمثيل الخارجي أو الاتصالات الدبلوماسية.
وجاء القرار، الذي وصفه مراقبون بأنه أشبه بضربة استباقية موجهة إلى صلاحيات رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة، ليكشف مجددا عن الهوة العميقة التي تفصل بين مؤسسات السلطة التنفيذية في طرابلس، ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن البلاد ما زالت أسيرة لحالة من الفوضى الدستورية التي تسمح بازدواجية القرار في أعلى مستويات الدولة.
واستند المنفي في مسوغات قراره إلى ما وصفه بالإطار القانوني المنظم لعمل السلطة التنفيذية، مستندا إلى أحكام الإعلان الدستوري ومخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف.
واعتبر المجلس الرئاسي أن وزارة الخارجية تندرج ضمن الحقائب السيادية التي يتطلب التعيين فيها تشاورا إلزاميا بين الأطراف المعنية، وأن أي تكليف إداري لا يستوفي متطلبات المشروعية لا يعتد به في هذا السياق. وذهب المجلس إلى أبعد من ذلك حين أكد أن الأعراف الدبلوماسية المستقرة تنص على أن التمثيل الخارجي والاتصال الرسمي مع الدول لا يتم إلا عبر جهات تمتلك الصفة القانونية الكاملة، محذرا من أن أي إجراء منفرد من شأنه إرباك القنوات الدبلوماسية وتعريض الموقف السيادي للدولة للالتباس.
حكومة بلا ولاية تواصل فرض الأمر الواقع
لكن المشهد في طرابلس لا يبدو مهيئا لأي تراجع من جانب حكومة الدبيبة، التي دأبت على تجاهل المطالبات المتكررة بتسليم السلطة منذ انتهاء ولايتها القانونية في ديسمبر 2021. فعلى الرغم من أن المجلس الأعلى للدولة أعلن صراحة في مايو 2025 أن حكومة الدبيبة فقدت شرعيتها سياسيا وقانونيا وشعبيا، فإن رئيسها لا يزال متمسكا بموقعه متكئا على شبكة معقدة من التحالفات مع التشكيلات المسلحة في المنطقة الغربية.
وقد تجاوز الدبيبة كافة التحذيرات التي أطلقها المجلس الرئاسي بشأن التعديلات الوزارية التي تعتزم حكومته إجراءها، معتبرا أن من حقه التنفيذي إعادة تشكيل فريقه الوزاري دون الحاجة إلى تشاور وطني واسع، في خطوة يراها خصومه محاولة مكشوفة لترسيخ نفوذه وتوسيع دائرة الموالين له قبيل أي استحقاق سياسي مقبل.
وكان المجلس الرئاسي قد حذر مرارا من أن حكومة الدبيبة أصبحت حكومة تصريف أعمال بموجب خارطة الطريق التي أقرها ملتقى الحوار السياسي، وبالتالي لا يحق لها اتخاذ قرارات مصيرية أو تعديلات جوهرية في هيكل السلطة التنفيذية. غير أن رئيس الحكومة منتهية الولاية يتبنى قراءة مختلفة تماما للنصوص القانونية، مفادها أن حكومته ستستمر في أداء مهامها كاملة إلى حين تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة، وهو ما لم يتحقق بعد بسبب تعثر المسار الانتخابي. وهكذا، باتت ليبيا تعيش حالة من الفراغ الدستوري المزمن، حيث تتسع الفجوة بين النصوص القانونية والممارسة الفعلية للسلطة يوما بعد يوم.
دوافع خفية وراء صراع الصلاحيات
لكن خلف الواجهة القانونية والدستورية لهذا الصراع، ثمة دوافع خفية لا تقل أهمية عن النقاش الدائر حول الصلاحيات. فقد كشفت مصادر مطلعة أن قرار المنفي بإيقاف الباعور جاء على خلفية رفض الأخير التمديد لعدد من السفراء المحسوبين على رئيس المجلس الرئاسي، وهو ما اعتبره المنفي تجاوزا لصلاحياته ومساسا مباشرا بنفوذه داخل السلك الدبلوماسي. ويرى محللون أن هذا التطور يكشف عن أن الخلاف بين الرجلين لا يتعلق فقط بحدود السلطة التنفيذية، بل يمتد إلى محاولة كل طرف تثبيت موطئ قدم له داخل مؤسسات الدولة التي تحولت إلى ساحة للتنافس على النفوذ والموارد.
والأمر الأكثر إثارة للقلق أن هذا النزاع يتقاطع مع سجل مثقل بالاتهامات التي طالت البعثات الدبلوماسية الليبية خلال السنوات الماضية، حيث تشير تقارير رسمية إلى قضايا فساد مالي ضخمة وتعيينات عشوائية وسلوكيات غير مهنية داخل السلك الدبلوماسي. وهكذا، فإن الخلاف على من يملك حق تعيين السفراء وإعفائهم لا يدور في فراغ، بل يندرج ضمن سياق أوسع من تآكل المؤسسات وانهيار آليات الرقابة والمساءلة.
الميزانية الموحدة: بارقة أمل وسط العاصفة
وفي تناقض لافت مع أجواء التوتر السياسي في طرابلس، برزت في الأفق بارقة أمل تمثلت في إعلان توقيع أول ميزانية وطنية موحدة للبلاد منذ أكثر من ثلاثة عشر عاما. ففي الحادي عشر من أبريل الجاري، أعلن محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى عن اتفاق تاريخي بين مجلسي النواب والدولة لتوحيد الإنفاق العام بين شرق البلاد وغربها، بعد سنوات طويلة من الانقسام المالي والإنفاق المزدوج الذي استنزف موارد الدولة وأضعف قيمة الدينار.
وقدرت الميزانية الموحدة بنحو 190 مليار دينار ليبي، مع توزيع الإنفاق على قطاعات متعددة تشمل الرواتب والدعم والمشروعات التنموية. وسارعت قوى دولية فاعلة إلى الترحيب بهذه الخطوة، حيث أصدرت عشر دول بيانا مشتركا اعتبرت فيه أن هذه الميزانية تمثل خطوة أساسية لتعزيز التنسيق الاقتصادي بين القادة الليبيين في الغرب والشرق، مؤكدة أن تنفيذها الكامل من شأنه تعزيز الاستقرار المالي والمحافظة على قيمة الدينار والقدرة الشرائية للمواطنين.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن لهذه البادرة الاقتصادية أن تصمد في وجه العاصفة السياسية التي تهب على طرابلس؟ وهل بإمكان الأطراف الليبية أن تتعاون في إدارة المالية العامة بينما هي عاجزة عن التوافق على إدارة أبسط شؤون الحكم؟
المجتمع الدولي بين دعم الميزانية والقلق من الانقسام
يعكس البيان المشترك الذي أصدرته الدول العشر موقفا دوليا متطورا إزاء الأزمة الليبية، حيث بدأت القوى الغربية والإقليمية على حد سواء في توجيه رسائل أكثر وضوحا إلى الفرقاء الليبيين مفادها أن استمرار حالة الانقسام لم يعد خيارا مقبولا. وحث البيان جميع الأطراف المعنية على الاستفادة من خارطة الطريق التي أعدتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، داعيا إلى دفع عملية سياسية بقيادة ليبية تفضي إلى مؤسسات حكم موحدة وإجراء انتخابات وطنية.
وتجدر الإشارة إلى أن خارطة الطريق التي قدمتها تيتيه في أغسطس 2025 ترتكز على ثلاث نقاط رئيسية، في مقدمتها توحيد المؤسسات من خلال حكومة جديدة موحدة تمهد لإجراء انتخابات وطنية. غير أن هذه الخارطة تواجه عقبات جمة، لا سيما في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتزايد التدخلات الخارجية التي حولت ليبيا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
أزمة الشرعية تتفاقم والدعوات إلى التغيير تتصاعد
وفي خضم هذا المشهد المعقد، تتزايد الدعوات إلى إسقاط حكومة الدبيبة وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة تحظى بتوافق وطني واسع. فقد شهدت طرابلس في مايو 2025 مظاهرات حاشدة طالبت برحيل الحكومة منتهية الولاية، واتهمها المحتجون بالفشل في توفير الخدمات الأساسية وتعميق الأزمة الاقتصادية. كما أعلن خمسة وزراء في حكومة الدبيبة استقالتهم احتجاجا على سياسات رئيس الحكومة، في خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرا على تصدع الجبهة الداخلية للحكومة.
وذهب المجلس الأعلى للدولة إلى أبعد من ذلك حين وجه خطابا رسميا إلى مجلس النواب للتواصل الفوري مع رئيسه من أجل البدء في إجراءات تكليف شخصية وطنية تتولى مهام رئاسة حكومة مؤقتة خلال مدة لا تتجاوز ثماني وأربعين ساعة، بهدف ضمان استمرارية المؤسسات وتفادي الفراغ التنفيذي إلى حين التوافق على حكومة موحدة تشرف على الانتخابات.
نحو انسداد سياسي شامل
أيا تكن نتائج الصراع الدائر بين المنفي والدبيبة، فإن الثابت الوحيد في المشهد الليبي هو أن البلاد تتجه نحو مزيد من الانسداد السياسي والتآكل المؤسسي. فالانقسام امتد ليشمل مؤسسات السلطة في طرابلس نفسها، حيث يتنازع المسؤولون الصلاحيات بينما تتردى الأوضاع المعيشية للمواطنين وتتفاقم الأزمات الاقتصادية.
ويرى محللون أن المجتمع الدولي، الذي يراهن على الميزانية الموحدة كخطوة أولى نحو إنهاء الانقسام، سيكون مضطرا عاجلا أم آجلا إلى إعادة النظر في استراتيجيته إزاء ليبيا. فالتعامل مع حكومة منتهية الولاية كما لو كانت حكومة شرعية كاملة الصلاحيات يشجع على مزيد من التمسك بالسلطة، ويرسل رسالة خاطئة إلى كل من يطمح إلى البقاء في منصبه خارج الأطر الدستورية.
وفي المحصلة، يبدو أن ليبيا دخلت نفقا مظلما لا تبدو نهايته واضحة في الأفق القريب. فبينما يتصارع السياسيون على الصلاحيات والنفوذ، يواصل الشعب الليبي دفع ثمن هذا الصراع من قوته اليومي وكرامته واستقراره. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا: إلى متى ستظل البلاد رهينة لهذا النزاع العبثي الذي لا يخدم سوى مصالح فئة ضيقة من المتنفذين؟



