إدريس احميد يكتب: ليبيا بين الطاولة المصغّرة والتحركات الدولية… هل اقتربت لحظة الحسم؟
ليبيا بين الطاولة المصغّرة والتحركات الدولية… هل اقتربت لحظة الحسم؟
ليبيا 24
نواصل البحث وتتبع المشهد السياسي في ليبيا، في محاولة للوصول إلى رؤية واضحة أو مخرج واقعي للأزمة التي طال أمدها. خمسة عشر عاماً من المراحل الانتقالية لم تنجح في إنتاج استقرار دائم، بل كرّست حالة من الانقسام والتعقيد، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الحل الممكن، وحدود الدورين الداخلي والخارجي في رسم ملامح المرحلة القادمة.
خمسة عشر عاماً مرّت منذ 2011، والمشهد السياسي الليبي لا يزال يدور في دائرة مغلقة من التجارب الانتقالية غير المكتملة. بدأت بانتخابات المؤتمر الوطني العام التي كان يُفترض أن تؤسس لمرحلة دستور واستقرار، لكنها انحرفت مبكراً، ثم جاءت انتخابات 2014 لتعمّق الانقسام، قبل أن تُلغى محطة مفصلية في 24 ديسمبر 2021، لتدخل البلاد بعدها في مرحلة أكثر تعقيداً، اتسمت بتصاعد الخلافات السياسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفساد.
وعلى امتداد هذه السنوات، تعاقب على الملف الليبي عدد من المبعوثين الدوليين، نجح بعضهم في إنتاج اتفاقات مهمة، مثل اتفاق الصخيرات عام 2015، الذي قاده برناردينو ليون، ثم محاولة تطبيقه من قبل مارتن كوبلر، وصولاً إلى مخرجات جنيف. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، لم تتمكن من إنهاء الانقسام أو فرض استقرار دائم، لتبقى الأزمة الليبية قائمة في جوهرها.
أزمة واضحة… وإرادة غائبة
المفارقة أن أسباب الأزمة في ليبيا لم تعد غامضة:
انقسام سياسي، سلاح خارج إطار الدولة، ضعف المؤسسات، وتدخلات خارجية.
لكن السؤال الحقيقي لم يعد “ما المشكلة؟” بل: هل توجد إرادة حقيقية للحل؟
هل الأطراف السياسية مستعدة فعلاً للذهاب إلى انتخابات تُنهي المراحل الانتقالية؟
هل يقبل الليبيون باستمرار انتشار السلاح خارج شرعية الدولة؟
هل يمكن بناء ديمقراطية دون بيئة مستقرة ومؤسسات فاعلة؟
الواقع يشير إلى أن الأزمة لم تعد في غياب الحلول، بل في غياب التوافق على تنفيذها.
بين الداخل والخارج
لا يمكن فصل المشهد الليبي عن تأثير العوامل الخارجية، ولا عن دور الأمم المتحدة التي تحوّل دورها، في نظر كثيرين، من حل الأزمة إلى إدارتها.
في المقابل، برزت في الفترة الأخيرة عودة أوضح لـ الولايات المتحدة إلى المشهد، في ظل تنافس دولي على النفوذ، ورغبة في إعادة ترتيب التوازنات في منطقة المتوسط وشمال أفريقيا.
الدور الأمريكي… جدية مشروطة أم إعادة تموضع؟
في خضم التحركات الأخيرة، يبرز تساؤل جوهري حول مدى جدية الولايات المتحدة في الدفع نحو حل فعلي للأزمة الليبية، بعد سنوات من التخبط الدولي وإدارة الأزمة دون إنهائها. الواقع يشير إلى أن الحضور الأمريكي اليوم أكثر وضوحاً، لكنه لا يعكس بالضرورة تحولاً جذرياً بقدر ما يعكس إعادة تموضع تفرضها متغيرات دولية أوسع، أبرزها التنافس مع روسيا والصين، والحاجة إلى ضبط التوازنات في مناطق تعتبر أقل أولوية لكنها ذات أهمية استراتيجية.
من هذا المنطلق، تنظر واشنطن إلى ليبيا كملف استقرار، وليس كمشروع حل نهائي سريع، حيث تتركز أهدافها في الحد من الفوضى، وتأمين تدفقات الطاقة، وتقليص نفوذ القوى المنافسة، أكثر من سعيها لفرض تسوية سياسية شاملة. وبالتالي، فإن أي حديث عن “حل أمريكي” يجب أن يُفهم في إطار المصالح، لا في إطار الالتزام المطلق.
أما داخلياً، فإن الموقف الليبي من هذا الدور لا يزال منقسماً بين من يراه فرصة لدفع الاستقرار، ومن يعتبره امتداداً للتدخل الخارجي. والحقيقة أن هذا الدور، رغم تأثيره، لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإرادة الوطنية، بل أداة يمكن توظيفها أو إهدارها.
وعليه، فإن الاستفادة من الحضور الأمريكي لا تكون بالارتهان له، بل بحسن توظيفه، عبر الدفع نحو توحيد المؤسسات، وربط أي دعم دولي بمسار زمني واضح نحو الانتخابات، مع الحفاظ على القرار الوطني كأولوية. فالتجربة أثبتت أن غياب الموقف الداخلي الموحد يحوّل أي تدخل خارجي إلى مجرد إدارة للأزمة، لا حلاً لها.
تحركات أمريكية… بين الواقع والطموح
التحركات الأخيرة تعكس توجهاً أمريكياً يقوم على:
الدفع نحو توحيد المسار الاقتصادي، خاصة الميزانية
دعم خطوات توحيد المؤسسة العسكرية
الانفتاح على مختلف الأطراف السياسية والعسكرية
التنسيق مع الأمم المتحدة لضمان غطاء دولي
هذا المسار يوحي بمحاولة الانتقال من إدارة الأزمة إلى ضبطها، تمهيداً لتهيئة بيئة أكثر استقراراً.
الطاولة المصغّرة (3+3)… اختبار جديد
في هذا السياق، جاء مقترح “الطاولة المصغّرة” (3+3)، كآلية تهدف إلى جمع الأطراف الأكثر تأثيراً، خصوصاً القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية، في محاولة لكسر الجمود السياسي.
الفكرة تقوم على الواقعية:
الاتفاق يجب أن يكون بين من يملك القرار على الأرض.
لكن هذه الخطوة تواجه تحديات:
رفض بعض الأطراف التي تخشى التهميش
استمرار وجود التشكيلات المسلحة خارج سيطرة الدولة
ضعف دور الأحزاب السياسية
غياب الثقة بين الفاعلين
فرص النجاح… هل تختلف هذه المرة؟
نجاح هذا المسار يرتبط بعدة عوامل:
توفر إرادة سياسية حقيقية
معالجة ملف السلاح خارج الدولة
دعم دولي فعّال يتجاوز البيانات إلى الضغط والتنفيذ
لكن التجربة الليبية خلال السنوات الماضية تدفع للتساؤل:
هل نحن أمام محاولة مختلفة، أم إعادة إنتاج لمسارات سابقة؟
نحو أي حل؟
السؤال الجوهري اليوم:
هل تنتظر ليبيا نضوج تجربة ديمقراطية كاملة، أم تحتاج أولاً إلى سلطة قادرة على فرض الاستقرار؟
الواقع يشير إلى أن بناء الديمقراطية لا يمكن أن يتم في بيئة من الفوضى، كما أن فرض الاستقرار دون توافق سياسي قد يعيد إنتاج الأزمة بشكل مختلف.
خاتمة
ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي:
إما الاستمرار في دوامة المراحل الانتقالية، أو الدخول في مسار جديد يقوم على الواقعية السياسية وتوحيد المؤسسات.
فالحل لن يكون داخلياً خالصاً، ولا خارجياً صرفاً، بل نتيجة توازن دقيق بين الإرادة الليبية والتفاهمات الدولية.
وفي النهاية، لن يكون السؤال: من يملك الشرعية؟
بل: من ينجح في بناء الدولة.



