“لن نُدفن أحياء”.. صرخة ضمور العضلات في طرابلس: احتجاج غاضب يفضح الإهمال الحكومي
شبح القرار 25 يدفع ذوي الإعاقة لانتفاضة الكرامة الثلاثاء
ليبيا 24:
تحت أنقاض “التضامن” المنسي.. غضب مرضى ضمور العضلات يفجر انتفاضة ضد حكومة الدبيبة والمنفي
قبل أن تشرق شمس يوم الثلاثاء الموافق الخامس من مايو لعام 2026، ستكون أروقة منطقة الهضبة في طرابلس على موعد ليس مع احتجاج عابر، بل مع مرآة مكبرة تعكس صدعاً عميقاً في أساس الدولة التي تديرها حكومة عبدالحميد الدبيبية منتهية الولاية، وتحت المظلة السياسية الهشة لمجلس رئاسي يرأسه محمد المنفي.
هناك، أمام المقر الرئيسي للهيئة العامة لصندوق التضامن الاجتماعي، لن يتجمع موظفون أو نقابيون، بل جيش من المنهكين؛ مرضى ضمور العضلات وأهاليهم، الأرامل والمطلقات، وكل من حفرت فيهم بيروقراطية الدولة جرحاً لا يلتئم.
إنها ليست وقفة احتجاجية عادية، بل هي ترجمة ميدانية لعقد من الإهمال تحول فيه “التضامن” من مفهوم إنساني إلى كابوس بيروقراطي يطحن العظام.
هذه المادة الصحفية تستند إلى شهادات حية من قلب الشارع الليبي، وأصوات المرضى الذين اختاروا كسر جدار الصمت، ليس فقط للمطالبة بمستحقات مالية متأخرة، بل لإدانة نظام حكم كامل، يراوح مكانه بين شرعيات منتهية وقرارات جائرة، وعلى رأسه يقف الدبيبة والمجلس الرئاسي، كطرفين يتنصلان من المسؤولية فيما يدفع الأبرياء الفاتورة.
تشريح الأزمة: عندما يتحول المال إلى سراب
للوهلة الأولى، قد يظن المتابع أن المشكلة تتلخص في تأخر صرف مرتبات أو إعانات لكن ما ينكشف تحت سطح هذه الأزمة هو أكثر قتامة؛ إنها هندسة اجتماعية معكوسة تنتج الفقر والمعاناة بقرارات إدارية موقعة من سلطة تفتقر إلى الشرعية الدستورية والأخلاقية.
الأرقام التي يرددها المحتجون ليست مجرد بيانات محاسبية، بل هي لوائح اتهام. يقول خالد المسماري، وهو شاب ثلاثيني يعاني من ضمور العضلات ويعيل أسرة كاملة: “يتحدثون عن 650 ديناراً كمعاش شهري. هذا الرقم لم يعد مرتباً، بل صار شعاراً للسخرية.
هل تكفي 650 ديناراً لشراء أكياس البول اللازمة لشهر واحد، ناهيك عن الإيجار أو الدواء؟ الحكومة تتعامل معنا وكأننا نموت ببطء ويجب ألا نزعجهم بآلامنا”.
هذه الشهادة ليست معزولة ففي عمق الأزمة، تكمن فضيحة الإعانات المنزلية المحتجزة والمتأخرة منذ عام 2018 وحتى 2024. الإعانات التي كان من المفترض أن تسد رمق أسر بأكملها، تبخرت في أروقة الصندوق، تحت حجج إدارية واهية، كما يصر المحتجون.
في الوقت الذي تنشغل فيه حكومة الدبيبية بمعاركها السياسية من أجل البقاء، وتوزيع الميزانيات على بنود لا تمس المواطن الأكثر هشاشة، تتفاقم المأساة بصمت.
“القرار 25”: تشريع للألم تحت قبة المجلس الرئاسي
إذا كانت الإعانات المسروقة تمثل جرحاً مزمناً، فإن القرار رقم 25 لسنة 2025، الذي وقعه المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، يمثل طعنة جديدة في خاصرة الأمل.
يصفه المحتجون بأنه “الجائر الذي زاد القهر فوق القهر”، وهو توصيف تناقلته منصات التواصل الاجتماعي بقوة قبل الوقفة.
يوحد هذا القرار بين ضحاياه، من ضمور العضلات إلى الأرامل والمطلقات، في خندق واحد من الغضب.
تقول أمينة الفرجاني، أرملة وأم لأربعة أطفال اثنان منهم من ذوي الإعاقة: “كل يوم يمر بقرار صامت هو جريمة.
هذا القرار لم يسأل عنا، لم يدرس أثر علينا المجلس الرئاسي يتعامل معنا كأرقام في جداول بيانات، وليس كبشر لهم كرامة.
الدبيبة يعد بالتنمية ونحن ننتظر الموت، والمنفي يصدر قرارات تدفننا وهم يتبادلون الابتسامات في اجتماعات لا تعنينا”.
هذا المزج بين الفشل التنفيذي لحكومة الدبيبة والتشريع الكارثي من المجلس الرئاسي، هو جوهر الأزمة الذي لن تفلح أي تصريحات علاقات عامة في إخفائه.
تصاعد الغضب في الشارع ليس موجهاً فقط ضد صندوق التضامن ككيان بيروقراطي، بل ضد الرأس السياسي الذي يتحكم في موارده وسياساته.
يتساءل المحتجون، كما ورد في أدبيات دعوتهم للوقفة: “أي ظلم هذا وأي ضمير يقبل بهذا العبث؟”.
هذا السؤال البلاغي يتحول إلى سؤال تحقيق: أين تذهب أموال صندوق التضامن التي يخصصها مصرف ليبيا المركزي؟ ولماذا تحتجز لسنوات بينما تعاني هذه الشريحة من نقص في أبسط المعدات التي تحفظ كرامة الإنسان، مثل الكراسي المتحركة اللائقة والمعدات التعويضية ذات الجودة؟
ميدان الطبقة المنسية: قصص من قلب المعاناة
بعيداً عن البيانات والتصريحات، في أزقة طرابلس الضيقة حيث تختنق الأحلام، يسكن الوجع الحقيقي. في منزل متواضع بمنطقة تاجوراء، تروي عائلة كاملة حكايتها مع الإهمال.
الأب المسن يعاني من ضمور العضلات، وابنته البالغة من العمر 14 عاماً ورثت المرض. المنزل، الذي يضم سبعة أفراد ثلاثة منهم من ذوي الإعاقة، يفتقر لأبسط مقومات التهيئة.
المداخل ليست مناسبة للكراسي المتحركة، ودورة المياه تشكل تحدياً يومياً مروعاً. يقول الأب، وقد أنهكه الصراخ في وجه جدار الصمت: “نحن لا نطلب القمر.
نطلب مرحاضاً يمكن استخدامه، وكرسيّاً متحركاً لا ينهار بعد شهر من استلامه لكن يبدو أن هذا كثير جداً على حكومة تنفق المليارات في أماكن أخرى لا نراها. أين أصواتنا من التأمين الصحي الذي مات قبل أن يولد؟”.
هذا الغياب الكامل للتأمين الصحي هو أحد العناوين الرئيسية للغضب. فمريض ضمور العضلات لا يحتاج فقط إلى راتب شهري، بل إلى منظومة صحية مستدامة تشمل العلاج الطبيعي، والأدوية، والمتابعة الدورية.
لكن في ليبيا حكومة الدبيبة، حيث القطاع الصحي منهار وتعاني المستشفيات من نقص حاد، يتحول المرض إلى عقوبة بالسجن المؤبد. تسأل عائشة، وهي أم لطفلين مصابين بالمرض، وقد جهزت لافتتها للوقفة: “كيف تطلب منا الحكومة الصبر وهي لم تبنِ لنا مستشفى واحداً متخصصاً؟ أين تذهب ميزانية الصحة؟ هل تذهب كلها لرواتب مسؤولين لا يعملون؟”.
آراء الشارع الليبي: بين التضامن الإنساني والغضب السياسي
في جولة ميدانية سريعة أجرتها هذه الصحيفة في بعض مقاهي ومتاجر طرابلس، كان واضحاً أن قضية ذوي الإعاقة تحظى بتضامن شعبي عارم، يقابله سخط عارم على الطبقة الحاكمة.
يقول محمد القمودي، صاحب متجر صغير في منطقة الهضبة على مقربة من مكان الوقفة: “الناس تعبت.
كل يوم فيه محنة جديدة. الشباب (المحتجون) معهم حق. كيف يكون فيه صندوق اسمه تضامن ويحتجز فلوس الناس لسنوات؟ المسؤول اللي يسوي كذا لازم يتحاسب، من الموظف الصغير لين (حتى) الدبيبة والمنفي. هذا مو (ليس) إهمالاً، هذا اسمه سرقة منظمة”.
أما سالمة، وهي معلمة متقاعدة، فترى الأمر من زاوية أخلاقية أعمق: “كيف لدولة أن تنظر إلى أراملها ومرضاها بهذه القسوة؟ ثم يخرجون علينا ليقولوا إن ليبيا بخير.
أي ليبيا تتحدثون عنها؟ ليبيا التي لا تستطيع فيها أم أن تغير حفاضة ابنها البالغ لعدم توفر المستلزمات، أم ليبيا المؤتمرات والفنادق الفاخرة؟ هذا نفاق، والله لا يغفر لمن ينام شبعاناً وجاره جائع، فكيف بمن ينام وملايين الإعانات محتجزة في خزائنه بقرار أو بتقصير منه؟”.
هذا الغضب الشعبي يجد تعبيره السياسي في اتهام مباشر للدبيبة والمنفي بتعمّد إهمال هذه الفئة الهشة لأنها لا تمثل ثقلاً انتخابياً أو “ميليشياوياً”، ولأن صوتها لا يصل إلى غرف الإعلام المغلقة.
ثمة شعور سائد بأن حكومة تصارع من أجل شرعيتها في ظل انقسام سياسي حاد، قد ضحت بقطاعات كاملة على مذبح صراع البقاء، وأن المجلس الرئاسي، بدلاً من أن يكون مظلة لرعاية المصالح العليا وحقوق الإنسان، تحول إلى آلة لإصدار قرارات تزيد الأوضاع سوءاً.
البعد الصحي والحقوقي: جريمة متعددة الأوجه
من منظور طبي، تعتبر حالة مرضى ضمور العضلات في ليبيا كارثة إنسانية متكاملة الأركان. غياب الرعاية المتخصصة لا يعني فقط تدهور الحالة الجسدية، بل يؤدي إلى مضاعفات نفسية واجتماعية مدمرة.
المرضى يحتاجون إلى أجهزة تنفس مساعدة، علاج طبيعي مكثف، ودعم نفسي ولكن، ما يحدث هو تعذيب بطيء. ويعلق أحد الأطباء المتطوعين، طالباً عدم ذكر اسمه حفاظاً على سلامته الوظيفية: “ما يحدث أبعد من الإهمال.
الأطفال الذين يولدون بهذا المرض في ليبيا حُكم عليهم بالموت ليس بسبب عدم وجود علاج، بل بسبب عدم وجود إرادة سياسية.
أرى حالات يومياً يمكن أن تعيش حياة أفضل بكثير لو توفرت المخصصات المرصودة أساساً ولم تحتجز”.
حقوقياً، يمثل احتجاز الإعانات وإصدار القرارات الجائرة دون دراسة أثرها على الفئات الهشة، انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني وللقوانين الليبية التي كفلتها الدساتير والمواثيق.
المحتجون على حق تماماً عندما يرفعون شعار “حقوقنا ليست صدقة… حقوقنا حق قانوني كامل!”. إنه لمن العار، في دولة تنعم بموارد طبيعية هائلة، أن يتم التعامل مع الحقوق الأساسية للمواطنين الأكثر ضعفاً كمنّة أو صدقة.
في هذا السياق، يمثل صمت الجهات الرقابية، وعلى رأسها مكتب النائب العام، تواطؤاً مريباً يدفع باتجاه الشارع. فحين تنسد كل السبل القانونية والدبلوماسية، يصبح الاحتجاج هو اللغة الوحيدة المفهومة، وهو ما أدركه هؤلاء المرضى وأهاليهم عندما وجهوا سؤالهم المباشر: “هل سيتحرك مكتب النائب العام بعد الوقفة القادمة؟”.
سياسة دفن الألم الحي
إن ما يحاول الدبيبة والمجلس الرئاسي فعله هو تسييس الألم الإنساني. في لعبة الكراسي الموسيقية التي تعيشها ليبيا، حيث تتراشق الحكومات بالتهم والشرعيات، يقع المواطن البسيط، وخصوصاً المريض الفقير، ضحية لامبالاة نخبة سياسية تخوض صراعاً وجودياً لا مكان فيه للضمير.
إن تأخير الإعانات ليس مجرد خلل إداري، بل هو قرار غير مكتوب بتجويع فئة لا تستطيع الصراخ بقوة، حتى قررت اليوم أن تنتفض.
إصدار القرار 25 ليس مجرد خطأ في السياسة العامة، بل هو قمة الانفصال عن الواقع، وتجسيد لعقلية بيروقراطية ترى في تقليص الميزانيات على حساب الفقراء حلاً سهلاً للأزمة المالية، متجاهلة أن هذه السياسات تخلق أزمة إنسانية واجتماعية ستفجر الشارع في وجه الجميع.
الحكومة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي يتقاذفان كرة المسؤولية، لكن السؤال الذي يوجهه المحتجون غداً سيكون واضحاً وصاعقاً: من يملك أمر صرف هذه المخصصات؟ من يتحكم في موارد صندوق التضامن؟ من أصدر القرار 25؟ الإجابات المسبقة على هذه الأسئلة تشير كلها إلى الطرفين معاً: حكومة تدير المال العام بلا رقابة، ومجلس يصدر القرارات بلا مسؤولية.
لقد خلق هذا الثنائي (الدبيبة والمنفي) منظومة مثالية لإنتاج المعاناة وتوزيعها، منظومة تقوم على قمع الحلم وإدارة الأوجاع بدلاً من علاجها.
الوقفة الاحتجاجية ليوم الثلاثاء هي أكثر من مجرد تجمع بشري، هي إعلان فشل سياسي وأخلاقي. إنها تقول لمن في السلطة: “لن نُدفن أحياء تحت وطأة الإهمال!”، وتعلن أن الصبر قد نفد، وأن الصمت قد انكسر.
والذين سيقفون أمام صندوق التضامن، حاملين جثثهم الحية على كراسٍ متحركة متهالكة، إنما يوجهون أقسى لائحة اتهام لنظام سياسي بأكمله، نظام تتساوى فيه حكومة الدبيبية والمجلس الرئاسي في العجز، ويتفوقان في إدارة الفشل.
رسالة إلى صانع القرار
إلى عبدالحميد الدبيبة ومحمد المنفي، إن الأصوات التي سترتفع صباح الثلاثاء القادم من أمام هيئة التضامن الاجتماعي في طرابلس ليست مجرد صرخات غاضبة، بل هي شهادة وفاة لضمير دولة.
إنها تقول لكم إن 650 ديناراً هي جريمة، وإن احتجاز الإعانات هو سرقة، وإن القرار 25 هو وصمة عار في جبين كل من وافق عليه.
إن كنتم ترون في صمت ذوي الإعاقة والأرامل والمطلقات ضعفاً، فقد أخطأتم التقدير فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين ولا ينسى الصامتين.
وغداً، عندما تجتمع هذه الأصوات، سيكون سؤالهم واحداً: أين أموالنا؟ أين كرامتنا؟ وأين ضميركم؟ فإن لم تجيبوا اليوم، فستجيبون غداً تحت ضغط الشارع وغضب المظلومين، وستسجل عليكم هذه اللحظة في سجل الخزي السياسي إلى الأبد.



