الاقتراح الذي أيقظ “أشباح” الدولة الليبية: أين اختفت عقول ليبيا؟.. منير عصر يقترح هيئة سيادية لإحياء بيوت الخبرة المنسية
دعوة لتشكيل مجلس استشاري من عقول الدولة المُهدرة
ليبيا 24:
في منشور مقتضب عبر صفحته الشخصية على منصة التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، فجّر وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق، منير عصر، قضية شائكة تتعلق بإهدار الطاقات الوطنية وهجرة العقول داخل الوطن الواحد.
لم يكن الطرح مجرد فكرة عابرة، بل كان أقرب إلى مشروع قانون طارئ يعيد الاعتبار لـ “جيش احتياطي” من الكفاءات التي لفظتها دهاليز السياسة، متسائلاً بصوت عالٍ: لماذا لا تستفيد الدولة ممن صنعوا القرار سابقاً؟
كتب عصر متسائلاً عن الضرر الذي قد يلحق بالدولة الليبية لو بادر مجلس النواب والحكومة إلى إعلان وتنظيم “مجلس استشاري” يضم تشكيلة فريدة من نوعها.
وتفصيلاً، حدد عصر هوية هذا الكيان المقترح بأن يكون مكوناً من جميع الأمناء السابقين (وهو المسمى الذي كان معتمداً لمنصب الوزير في حقبة سابقة)، والوزراء السابقين، والمدراء العامين السابقين، وعمداء الجامعات والكليات السابقين، والسفراء السابقين، إضافة إلى القضاة ورجال القانون المتقاعدين أو السابقين، هذه الترسانة البشرية، كما يصفها عصر، ليست مجرد متقاعدين، بل “بيوت خبرة” نائمة.
مأسسة الحكمة: أكثر من مجرد شرف رمزي
لم يقف الاقتراح عند حدود التكريم البروتوكولي أو الاستشارة الشكلية، بل ذهب إلى ضرورة بناء كيان موازٍ يمتلك ثقلاً مؤسسياً.
وألح الرجل على ضرورة تصنيف هذا الكيان باعتباره “شعبياً” بامتياز، على أن يُنظم عمله بقانون صارم يصدره البرلمان، وتُفصل إجراءاته عبر لائحة تنفيذية محكمة.
وفي خطوة تعكس حرصه على إخراج هذا المجلس من الغرف المغلقة إلى الفضاء العام، طالب بأن يمتلك الكيان مجلة شهرية تُعنى بشؤونه، وموقعاً إلكترونياً يوثق آراءه وتوصياته التي كثيراً ما تُدفن في الأدراج الحكومية.
إنها دعوة إلى إضفاء الطابع العلني على الخبرة في بلد أنهكته السرية والتجاذبات الإيديولوجية.
جدل “النافعين”: ثروة طُمرت تحت الركام
يتجاوز خطاب عصر فكرة “حكماء القبيلة” التقليديين، ليقترب من مفهوم الدولة العميقة الإيجابية؛ إنه يتحدث عن شريحة يصفها بـ “جلهم نافعون” بشرط إحسان توظيفها.
ويرى مراقبون أن هذه العبارة بالذات تمثل صفعة للبيروقراطية الليبية التي لطالما نظرت إلى من غادر الموقع الرسمي كحالة منتهية الصلاحية.
وفي تحليل أبعاد هذا الطرح، يتضح أنه يسد ثغرة هيكلية في الاقتصاد السياسي الليبي. أنظار العالم تتجه إلى ليبيا كحالة من عدم الاستقرار، ليس فقط بسبب السلاح، بل بسبب ضياع الذاكرة المؤسسية.
في دول تعاني من فوضى ما بعد الصراع، غالباً ما يكون أسرع طريق لانهيار الخدمات هو قطع الأجيال عن بعضها.
الاقتراح، وإن بدا نخبوياً، إلا أنه يقدم وصفة منخفضة التكلفة لاستعادة سلسلة القيادة المعرفية المفقودة.
فوجود وزير خارجية سابق في المجلس يعني استدعاء عقود من مسارات التفاوض، ووجود عميد جامعة سابق يعني استحضار خرائط إصلاح التعليم التي جُمّدت.
العقبة ليست في النص بل في التطبيق
يرى محللون أن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة القانون الذي يدعو إليه عصر، بل في تجاوز “أنانية” الأحزاب الحالية التي قد ترى في هؤلاء العائدين تهديداً لنفوذها.
ثم إن السؤال المطروح يبقى حول آليات الاختيار؛ فهل سيتحول هذا المجلس إلى كيان يضم كل من غادر المنصب بغض النظر عن أدائه، أم ستكون هناك معايير للتصفية؟ إن الفكرة في جوهرها محاولة جريئة لتحويل الخبرة الفردية المنسية إلى قوة ضغط مؤسسية قادرة على إلزام الحكومات المتعاقبة، في بلدٍ طالما عانى من ظاهرة أن كل وزير جديد يبدأ من نقطة الصفر، وكأن الدولة ليس لها ماضٍ.
ما بين الأمس والغد
في نهاية المطاف، وضع منير عصر إصبعه على الجرح الأعمق: الليبيون لا يفتقرون إلى العقول، بل إلى “مستودع” لحفظ هذه العقول.
بينما تتصارع الحكومات على المقاعد، تبقى أطنان من التقارير والدراسات والخبرات الدبلوماسية شاهداً على زمن مضى، يمكنها، لو خرجت من الأدراج إلى واجهة المجلات الإلكترونية والمواقع الرسمية التي اقترحها، أن توفر على ليبيا مليارات الدولارات من أخطاء لا تُحصى.
إنها دعوة من رجل خبر دهاليز الاقتصاد ليجد أن الحل ليس في المال، بل في استرجاع “الاحتياطي الاستراتيجي” للعقل الوطني.



