ليبيا

أطفال خلف الأسلاك: مأساة القاصرين المهاجرين في غرب ليبيا… احتجاز بلا حماية واتهامات لحكومة الدبيبة بالتقاعس

زنزانة المنفي والدبيبة: مذبحة طفولة على أعتاب أوروبا

ليبيا 24

المنفي والدبيبة يتركان أطفال المهاجرين رهائن للانتهاكات في ليبيا

في زنزانة لا تتجاوز مساحتها أمتاراً أربعة، تتكدس أجساد عشرات الأطفال المهاجرين، بعضهم لم يتجاوز الثالثة عشرة، وسط رائحة العفن والرطوبة وغياب أي أثر لرعاية إنسانية أولية. ليس المشهد مقتطعاً من شريط وثائقي عن مآسي العبودية الحديثة، بل هو واقع يومي موثّق بشهادات ناجين ومنظمات إغاثة في مراكز احتجاز تديرها أجهزة أمنية تتبع حكومة الدبيبة منتهية الولاية، بينما يكتفي المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي بدور المتفرج على انتهاكات تُرتكب باسم الدولة الليبية التي فقدت شرعيتها الانتخابية.
بعد إغلاق مركز «أبو سليم» سيئ السمعة، لم تختفِ معاناة القاصرين، بل انتقلت إلى مواقع أكثر تخفياً وعنفاً، في مشهد يعمّق فشل السلطات القائمة ويكشف تواطؤاً صامتاً من القمة السياسية التي تتقاسم المسؤولية عن إدارة هذا الملف الكارثي.

أطفال بلا أوراق في أقبية الاحتجاز

لم يكن إغلاق مركز أبو سليم قبل أشهر سوى بداية فصل جديد أكثر قتامة. فقد أكد مسؤول في إحدى المنظمات الإنسانية المستقلة، طلب عدم الكشف عن هويته خشية الطرد من البلاد، أن «إغلاق المركز جرى في ظل غياب أي خطة بديلة، فاختفت مئات الحالات عن الرصد الرسمي، بينهم عشرات الأطفال غير المصحوبين الذين نعتقد أنهم نُقلوا إلى مخازن سرية تديرها شبكات التهريب أو إلى زنازين غير معلنة تابعة لأجهزة لا تخضع لأي مساءلة».
ويضيف المسؤول: «كنا نزور المركز سابقاً بصعوبة، أما اليوم فالوصول بات مستحيلاً. نسمع من ناجين عن أماكن يسمونها ’المخازن‘، وهي في الحقيقة أقبية تحت الأرض يُحتجز فيها أطفال مع بالغين، بلا ضوء ولا تهوية، ويُجبرون على العمل أو يستغلون في التسول».

وتفيد شهادات جمعتها هذه المنظمة بأن ما لا يقل عن ثلاثين طفلاً أعيدوا قسراً إلى ليبيا بعد اعتراضهم في البحر قبالة سواحل طرابلس خلال الشهرين الماضيين، ثم اختفت آثارهم عقب تسليمهم إلى جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية. ويقول أحد العاملين الإنسانيين: «هؤلاء الأطفال صاروا أشباحاً في السجلات، وهو وضع مريح للسلطات التي لا تريد أن يُعرف عددهم ولا أماكن وجودهم».

مسارات الموت والتهريب.. رحلة القاصرين نحو المجهول

لا يزال تدفق الأطفال عبر مسارات الهجرة البرية والبحرية والجوية مستمراً من دون أن يقابله أي إجراء حماية يُذكر. ويعبر القاصرون الصحراء الكبرى قادمين من دارفور وكردفان وتيغراي وأمهرة، ومناطق أخرى مزقتها الحروب، ليصطدموا في ليبيا بواقع أشد قسوة مما فروا منه.
وفي شهادة نادرة، يروي الفتى يوسف. أ (15 عاماً) من إريتريا، وقد التقت به مراسلنا عبر وسيط محلي قبل نقله إلى جهة مجهولة، تفاصيل رحلته: «غادرت بلدي وحدي بعد وفاة أمي، كنت أحلم بالوصول إلى أوروبا لأصبح طبيباً. في الصحراء شهدت موت رفاقي واحداً تلو الآخر عطشاً. عندما وصلت إلى ليبيا، قبض علينا رجال ملثمون وباعونا إلى ’الجهاز‘. لا أفهم لماذا يعتبرونني مجرماً وأنا مجرد طفل».

ويضيف يوسف بصوت مرتجف: «وضعوني في زنزانة مع رجال بالغين. كنا خمسين شخصاً في غرفة صغيرة. الليل لا يمر دون صراخ. رأيت صبياً في مثل عمري يضرب حتى فقد الوعي لأنه بكى طالباً أمه. الحراس يسخرون منا، يقولون لنا إن الحكومة لا تهتم، وإن سفن الاتحاد الأوروبي ستعيدنا إلى هنا إن حاولنا الهرب».

إن اعتراض قوارب المهاجرين في البحر المتوسط وإعادة ركابها إلى الداخل الليبي، غالباً بدعم لوجستي واستخباراتي غربي، يتم من دون ضمانات قانونية واضحة لحماية القاصرين أو لفصلهم عن البالغين. وتؤكد سيدة سودانية تدعى مريم، كانت تبحث عن طفليها المفقودين بعد عملية اعتراض قبالة صبراتة: «أعيدوا إلى الشاطئ وسلموهم إلى سيارة تابعة للداخلية. لم أرَ ولديّ منذ ذلك اليوم. كلما سألت يقولون لي لا توجد أسماء، لا توجد قوائم. كنت أظن أن ليبيا بلد قانون، لكن اتضح أن الأطفال فيها بلا قيمة».

مركز تاجوراء.. نموذج للانتهاك الصامت

يُعد مركز تاجوراء شرق طرابلس أحد أبرز النماذج التي تعكس حجم الأزمة، فهو لا يزال قيد التشغيل رغم الانتقادات الدولية المتكررة. وتؤكد تقارير المنظمات الحقوقية أن المركز يضم أطفالاً بين نزلاء بالغين من دون أي آلية للفصل أو الفرز النفسي والاجتماعي. وتقول ناشطة حقوقية زارت المركز قبل فرض السلطات قيوداً مشددة على الزيارات: «رأيت أطفالاً لا تتجاوز أعمارهم اثنتي عشرة سنة ينامون على الأرض الإسمنتية، بعضهم مصاب بالجرب والتهابات جلدية، ولا أحد يسأل عن أسمائهم أو جنسياتهم. هم مجرد أرقام في أفضل الأحوال، أما في معظم الأحيان فأرقام غير موجودة».

وتضيف الناشطة أن مدير المركز تذرع بأن وزارة الداخلية في حكومة الدبيبة لم تزوده بالموارد اللازمة لفصل القاصرين أو لتوفير رعاية بديلة. لكن تقارير لاحقة كشفت أن التمويل المخصص لتحسين أوضاع الاحتجاز من ميزانية الدولة وبعض برامج الدعم الأممية كان متاحاً، إلا أن سوء الإدارة والفساد حالا دون وصوله إلى مستحقيه. وبدلاً من بناء نظام رعاية مدنية، تُرك الأطفال تحت رحمة حراس غير مدربين يتبعون جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، وهو جهاز يُتهم بارتكاب انتهاكات جسيمة تصل إلى التعذيب والاختفاء القسري.

مراكز سرية وشبكات التهريب.. اقتصاد المأساة

المخاطر لا تقتصر على مراكز الاحتجاز الرسمية مثل تاجوراء أو ما تبقى من مرافق في مصراتة والزاوية، بل تمتد إلى معتقلات غير قانونية ومخازن سرية تديرها شبكات تهريب البشر بتواطؤ ضمني من بعض المسؤولين الأمنيين. وتشير تحقيقات إلى أن عصابات التهريب تستأجر مستودعات في ضواحٍ زراعية وأخرى قرب الموانئ النفطية، يحتجزون فيها القاصرين لابتزاز عائلاتهم أو بيعهم كعمالة قسرية، أو حتى إخضاعهم لعمليات نصب إلكتروني تُدار من داخل مراكز الاحتجاز نفسها بمعرفة الحراس.

يقول عمال إغاثة على دراية بهذه الشبكات إن الأطفال المحتجزين في هذه المواقع لا يظهرون في أي سجل رسمي، وبالتالي لا وجود لهم أمام القانون. وتكشف إفادة لأحد المهربين السابقين، ويدعى صالح (اسم مستعار)، حصلنا عليها: «أنا أعمل مع ضابط كبير في الداخلية. نُنسق معه استلام القاصرين الذين تُعيدهم دوريات خفر السواحل. يأخذ الضابط نصيبه ويترك لنا التصرف بهم. بعضهم نبيعه كخدم في المزارع، وبعضهم ننقله إلى ورش البناء أو إلى بيوت الدعارة. الأطفال بالنسبة لهم مجرد بضاعة، والغريب أن أحداً لا يحاسب الضابط أو يتابع الموضوع».

الحكومة منتهية الولاية.. إنكار المسؤولية وتقاعس متعمد

على وقع هذه الشهادات المروعة، تواصل حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي انتهت ولايتها بموجب خريطة الطريق التي أقرها ملتقى الحوار السياسي، ممارسة صلاحياتها وكأن شيئاً لم يكن، متحملةً المسؤولية المباشرة عن أداء وزارة الداخلية التي تدير مراكز الاحتجاز وتشرف عليها. ولم تنشر هذه الحكومة أي بيانات رسمية توضح عدد الأطفال المحتجزين أو أماكن وجودهم، ما يضع هذه الفئة الهشة خارج نطاق الحماية القانونية والرقابة الإنسانية بشكل ممنهج.

وقال مصدر قضائي مطلع، فضّل عدم نشر اسمه، إن النيابة العامة تلقت عشرات البلاغات عن تعذيب واحتجاز تعسفي لقاصرين، لكن «التعليمات السياسية من أعلى هرم السلطة التنفيذية حالت دون فتح تحقيقات جدية، إذ يتم تصنيف الملفات على أنها ’تتعلق بالأمن القومي‘ وتُحفظ بشكل آلي».
ويضيف المصدر: «حكومة الدبيبة تتعامل مع ملف الهجرة كورقة ضغط للابتزاز المالي والسياسي، مستغلةً مخاوف الأوروبيين من موجات الهجرة. وفي هذا السياق، يصبح الطفل مجرد رقم في صفقة، ومأساته مجرد تفصيل صغير في مفاوضات أكبر».

وزارة الداخلية، التي يفترض أن تكون الجهة الراعية لحقوق المقيمين على الأراضي الليبية، لا تملك سجلاً موحداً للأطفال المحتجزين، ولا آلية رقابة داخلية على مراكز الاحتجاز، وتفتقر إلى أي قدرة على تمييز القاصر غير المصحوب عن البالغ، ما يخالف أبسط قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والاتفاقيات التي تُعد ليبيا طرفاً فيها، وأهمها اتفاقية حقوق الطفل.

المجلس الرئاسي.. صمت يخفي تواطؤاً

إذا كانت حكومة الدبيبة تتحمل المسؤولية التنفيذية المباشرة، فإن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، بصفته رأس الدولة رمزياً وصاحب الولاية على ملفات السيادة وحقوق الإنسان، يتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية لا تقل خطورة. فالمجلس لم يصدر أي إدانة علنية لانتهاكات مراكز الاحتجاز، ولم يمارس صلاحياته الدستورية في متابعة أداء الحكومة أو مطالبتها باحترام الالتزامات الدولية. وعلى العكس من ذلك، ظل المنفي يشارك في مؤتمرات إقليمية ودولية متحدثاً باسم الشعب الليبي، بينما يُحتجز مئات الأطفال في ظروف مهينة تحت سلطة أجهزة تمولها خزينة الدولة نفسها.

يرى مراقبون أن صمت المجلس الرئاسي ليس مجرد تقاعس، بل هو تبنٍ غير معلن لسياسة الاحتجاز التعسفي كأداة للضغط على المجتمع الدولي. وفي هذا الصدد، يقول أستاذ القانون الدولي بجامعة بنغازي، الدكتور فتحي الأوجلي: «المنفي يتحمل المسؤولية التضامنية عن أي انتهاك جسيم لحقوق الإنسان يحدث في ليبيا، بصفته رئيس المجلس الرئاسي الذي يمثل وحدة الدولة أمام العالم. صمته إزاء احتجاز الأطفال يُعد موافقة ضمنية، بل وشراكة في المسؤولية الجنائية المحتملة أمام المحاكم الدولية».

شهادات من وراء القضبان.. وجوه لا تُنسى

في محاولة لتوثيق البعد الإنساني للأزمة، تمكنّا من جمع شهادات إضافية عبر وسطاء محليين. تحدث إلينا فتى من تشاد يدعى آدم (14 عاماً)، وهو محتجز حالياً في مركز قرب تاجوراء: «لا أعرف أين أنا تماماً. أسمع فقط أصوات سيارات وصرخات. الجدران رطبة. أحياناً يوزعون علينا قطعة خبز واحدة طوال اليوم. حلمي الوحيد أن أرى وجه أمي مرة أخرى، لكنهم يقولون إنني سأبقى هنا إلى أن أموت أو أشتري حريتي بمال لا أملكه».

ونقل محامٍ متطوع عن قاصر آخر من الصومال يدعى عبدي (16 عاماً) أنه تعرض لاعتداء جنسي متكرر على أيدي زملاء في الزنزانة تحت أنظار حراس لم يحركوا ساكناً. ويقول المحامي: «عبدي حاول الانتحار ثلاث مرات بشريحة حادة من علبة سردين. في إحدى المرات أنقذه أحد النزلاء، لكن لم يُعرض على طبيب نفسي. هو الآن في حالة انعزال تام عن العالم. هذه الحكومة، وهذا المجلس الرئاسي، يعلمان بكل هذه التفاصيل ولا يفعلان شيئاً».

الحماية البديلة.. مطلب أممي لا يجد آذاناً صاغية

لطالما دعت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية إلى وقف فوري وكامل لاحتجاز الأطفال، والامتناع عن استخدام أي مراكز احتجاز مخصصة للقاصرين، وإحالة الأطفال بشكل عاجل إلى بدائل غير احتجازية تشمل أنظمة الرعاية البديلة، مثل الكفالة الأسرية أو الإيواء المجتمعي المفتوح تحت إشراف مدني. لكن هذه الدعوات تصطدم بجدار رفض من السلطات الليبية القائمة التي ترى في نظام الرعاية المدنية تقويضاً لسيطرتها على ملف الهجرة.

وتُظهر وثائق اطّلعت عليها وكالتنا أن مسؤولين في وزارة الشؤون الاجتماعية بحكومة الدبيبة أعدوا خطة لإنشاء ثلاثة مراكز إيواء مفتوحة للأطفال المهاجرين في طرابلس ومصراتة والزاوية، بالتعاون مع منظمات إنسانية، إلا أن الخطة جُمّدت بتوجيهات من مكتب رئيس الحكومة بحجة «عدم توفر الاعتمادات المالية»، رغم أن ميزانية الدفاع والأمن تشهد تضخماً غير مسبوق. ويقول موظف في الوزارة لوكالتنا: «طلبوا منا التوقف عن الحديث في هذا الموضوع نهائياً. قالوا لنا إن الأطفال سيبقون في مراكز الاحتجاز لأن هذا هو ’النظام المعمول به‘، وأي تعديل سيفتح الباب لمزيد من التدفق».

غياب الشفافية.. أرقام مخفية وسجون سرية

يكاد يكون الغياب التام للشفافية السمة الأبرز في هذا الملف. فالحكومة منتهية الولاية لا تصدر إحصاءات محدثة، وأي أرقام تُتداول تأتي من تقديرات المنظمات الدولية التي تواجه عراقيل هائلة في الوصول. هذا التعتيق المتعمد يجعل من المستحيل رسم صورة دقيقة عن عدد الأطفال المحتجزين، حالتهم النفسية والصحية، وأسباب احتجازهم. بل إن معظم هؤلاء الأطفال لا يملكون أوراقاً ثبوتية، ما يضاعف خطر اختفائهم القسري أو الاتجار بهم دون أي إمكانية للتتبع.

ويشير باحث مستقل في مجال الهجرة، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إلى أن «المنظومة الحالية صُممت خصيصاً لتعمل في الظل. لا وزارة الداخلية ولا المجلس الرئاسي يرغبان في وجود آلية توثيق مستقلة. أي شفافية ستعني كشف حجم الانتهاكات وقد تصل إلى المحاكم الدولية، وهو ما تخشاه هذه السلطات أكثر من أي شيء آخر. بالتالي يفضلون بقاء الأطفال مجرد أشباح».

الالتزامات الدولية.. ماذا تبقى من تعهدات ليبيا؟

ليبيا طرف في اتفاقية حقوق الطفل وفي البروتوكولين الاختياريين الملحقين بها بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة وبيع الأطفال وبغاء الأطفال واستخدامهم في المواد الإباحية. كذلك صادقت ليبيا على الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم، وألزمت نفسها طوعاً بالاستعراض الدوري الشامل أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث تعهدت مراراً بحماية الفئات الهشة.

إلا أن الواقع على الأرض يناقض هذه التعهدات بشكل صارخ. فالاحتجاز الإداري للأطفال بحكم أوضاعهم المرتبطة بالهجرة يشكل انتهاكاً صارخاً للمادة 37 من اتفاقية حقوق الطفل التي تنص على ألا يحرم أي طفل من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية، وأن يكون الاحتجاز إجراءً أخيراً ولأقصر فترة زمنية مناسبة. كما يخالف المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأطفال غير المصحوبين التي تحظر احتجازهم وتعطي الأولوية للمصلحة الفضلى للطفل.

إن عدم احترام هذه الالتزامات يتحمل تبعاته أيضاً المجلس الرئاسي، الذي يمثل الدولة الليبية في اجتماعات الجمعية العامة ومجلس حقوق الإنسان، حيث يلقي المسؤولون خطباً يعرضون فيها صورة ليبيا الملتزمة، فيما يناقض الواقع تلك الصورة تماماً.

فشل المنظومة القضائية وتواطؤ السلطة التشريعية المترهلة

الحديث عن المسؤولية لا يكتمل دون التوقف عند حالة الشلل التي أصابت الجهاز القضائي، والذي يقع جزء من مسؤوليته على التجاذبات السياسية بين حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي من جهة، وبين المؤسسات الموازية في الشرق الليبي من جهة أخرى. لكن التقاعس في فتح تحقيقات حقيقية في جرائم التعذيب والاحتجاز غير القانوني للأطفال يظل خياراً واعياً من السلطات القائمة في الغرب الليبي.

وتقول القاضية السابقة بمحكمة استئناف طرابلس، أمينة البرعصي، التي أُحيلت إلى التقاعد المبكر بعد انتقادها لتعامل السلطات مع ملفات حقوق الإنسان: «القضاء مُكبّل بإرادة سياسية واضحة. أي محاولة لفتح ملف يتعلق بمراكز الاحتجاز تُقابل بضغوط هائلة. وبوجود رئيس حكومة منتهية الولاية ورئيس مجلس رئاسي لا يمارسان أي دور رقابي، يصبح الطفل المهاجر عديم الحقوق تماماً. نحن أمام جريمة منظمة ترتكبها الدولة وتستر عليها أجهزتها».

المسؤولية المجتمعية وصوت النخبة

لا يمكن إغفال المسؤولية المعنوية لنخب المجتمع الليبي التي التزمت الصمت إزاء هذه الانتهاكات. فباستثناء تقارير متفرقة لبعض المنظمات المحلية، يغيب الغضب الشعبي إزاء ما يحدث للأطفال المهاجرين. وهنا يقول الكاتب الصحفي الليبي سالم الحجاجي: «صحيح أن المواطن الليبي يعاني أوضاعاً صعبة، لكن هذا لا يبرر تجاهل مأساة تحدث على بُعد كيلومترات منه. النخبة السياسية والثقافية تتحمل جزءاً من المسؤولية لأنها لم تحرك الضمير الجمعي. لكن المسؤولية الكبرى تبقى على السلطة التي تحتكر القوة والقرار، أي حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي. إنهما يضحيان بأطفال أفريقيا على مذبح المفاوضات مع أوروبا».

الحلول الممكنة.. خارطة طريق للخروج من المأزق

في مقابل هذا المشهد القاتم، يطرح مختصون ومحامون حزمة إجراءات يمكن أن تشكل مخرجاً إنسانياً وقانونياً، شرط توفر الإرادة السياسية التي تبدو غائبة بالكامل. وتتصدر هذه الإجراءات:

· الوقف الفوري والكامل لاحتجاز الأطفال لأي سبب مرتبط بالهجرة، وإصدار قرار من المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة منتهية الولاية بإغلاق أقسام الأحداث داخل مراكز الاحتجاز وتحويلها إلى مرافق رعاية مدنية.
· إنشاء آلية وطنية لتسجيل ورصد جميع الأطفال غير المصحوبين بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، على أن تكون مستقلة عن وزارتي الداخلية والدفاع وعن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية.
· الإفصاح الشفاف عن أعداد الأطفال المحتجزين وأوضاعهم القانونية والصحية، مع تمكين المنظمات المستقلة من الوصول المنتظم وغير المشروط إلى جميع أماكن الاحتجاز، بما في ذلك المواقع غير الرسمية التي تُستخدم كمخازن للبشر.
· فتح تحقيقات جنائية جدية ومستقلة في كل حالات التعذيب والاختفاء القسري والاتجار بالأطفال، وإحالة المتورطين من ضباط وموظفين مدنيين ومهربين إلى القضاء دون أي حصانة.
· إنشاء نظام رعاية بديلة قائم على الكفالة الأسرية والبيوت المجتمعية المفتوحة، تديره وزارة الشؤون الاجتماعية وهيئات مدنية بعيداً عن الأجهزة الأمنية، مع تخصيص ميزانية طارئة من صندوق دعم الاستقرار بدلاً من تمويل التشكيلات المسلحة.

إفلات من العقاب يهدد جيلاً بأكمله

إن استمرار الوضع الراهن لا يشكل تهديداً خطيراً للحقوق الأساسية للأطفال المهاجرين وطالبي اللجوء فحسب، بل يقوض أي ادعاء بوجود دولة قانون في ليبيا، ويُظهر سلطات الأمر الواقع وكأنها حارسة لحدود أوروبا لا راعية لشعبها والمقيمين على أرضها. حكومة عبد الحميد الدبيبة، وقد انتهت ولايتها ولم تعد تملك تفويضاً شعبياً، تستخدم الأطفال رهائن في صفقة البقاء في السلطة. والمجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، الذي يقدّم نفسه ممثلاً للشرعية، يشارك في هذه الجريمة بصمته المدوي ورضاه الضمني بتحويل ليبيا إلى سجن كبير للمستضعفين.

تظل الكلمات التي ختم بها الفتى يوسف شهادته ماثلة: «عندما أكبر وأصبح طبيباً، لن أنسى أن حكومة اسمها الدبيبة ومجلساً اسمه المنفي تركا طفولتي تموت هنا». هذه الشهادة، ليست مجرد رواية عابرة، بل هي وثيقة اتهام أخلاقي وقانوني لسلطات أثبتت، مرة تلو الأخرى، أنها لا تصلح لحكم بلد، ولا تستحق الاعتراف الدولي الذي يحميها من المحاسبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى