نزيف التحويلات يلتهم احتياطيات الدولة والسلطة غارقة في صراع البقاء
ارتفاع الدولار يكشف فراغ الخطة والسلطة تتفرج على النزيف
ليبيا 24
تحويلات المهاجرين تبتلع ضخ المركزي والدولة عاجزة عن التشخيص
في المشهد الليبي، حيث تتصارع مراكز القوى على شرعية هشة وتوازنات منهارة، لم تعد الأزمة مجرد انهيار في سعر صرف الدينار أمام الدولار، بل تحولت إلى عرض مرَضي لحالة سياسية واقتصادية واجتماعية فشلت فيها النخبة الحاكمة، بقيادة رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، في قراءة خريطة الألم الحقيقية. وبينما تنشغل دوائر صنع القرار بتوزيع جرعات مسكنة عبر المصرف المركزي، يطل من زاوية أخرى صوت تحليلي بات يزعج منظومة التعتيم الرسمية، مجرداً الأزمة من قشورها الدعائية ومقدماً تشخيصاً صادماً قد يكون الأقرب إلى الحقيقة.
اقتصاد الظل: المصرف المفتوح بلا زبائن
تتناقض تصريحات المسؤولين الحكوميين حول “فتح الاعتمادات” و”ضخ الدولار” مع واقع ميداني يرويه الليبيون يومياً. تقول الدكتورة ريم البركي، الإعلامية والباحثة في شؤون الأمن والهجرة، في تحليل لافت على منصات التواصل الاجتماعي، إن الإشكالية ليست في غياب الدولار عن المصارف فحسب، بل في المفارقة الصادمة: “المصرف مفتوح وفيه دولار ومافيش زباين”. إنها جملة تختزل انهيار الثقة بين المواطن والمنظومة المصرفية، وتفضح السياسة المالية لحكومة الدبيبة التي تقدم وعوداً لا تصمد أمام اختبار الواقع.
المواطن الذي يجد العملة الصعبة في البنك بسعر 6.72 دنانير يضطر، بدافع من انعدام اليقين، إلى شرائها من السوق الموازية بسعر 7.99 دنانير نقداً. إنه سلوك اقتصادي لا يمكن تفسيره إلا في سياق دولة فقدت بوصلتها، حيث تتآكل الثقة في المؤسسات بشكل أسرع من تآكل قيمة العملة.
ثقب أسود بقيمة 3 مليارات دولار شهرياً
تطرح البركي، فرضية تشكل صفعة للخطاب الحكومي المطمئن. فبينما يضخ المصرف المركزي ملايين الدولارات أسبوعياً لتلبية الاحتياجات، يتم “ابتلاعها فوراً” وفق تعبيرها، دون أن ينعكس ذلك على سعر الصرف. السبب، في تحليلها، ليس مجرد مضاربات أو تهريب تقليدي، بل وجود اقتصاد موازٍ عملاق يديره ما يقدر بنحو ثلاثة ملايين مهاجر وعامل وافد يعمل معظمهم خارج سوق العمل الرسمي.
وتكشف البركي عن رقم ينم عن كارثة صامتة: “قيمة ما يتم تحويله شهرياً من العمالة الوافدة والمهاجرين غير الشرعيين تتجاوز 3 مليار دولار”. هذا الرقم، الذي يغض الطرف عنه صانعو القرار في حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، يعني أن أي محاولة لإنعاش الدينار عبر ضخ العملة الصعبة محكوم عليها بالفشل الذريع، لأن الأموال تتسرب عبر قنوات غير رسمية إلى الخارج بسرعة تفوق أي تدخل حكومي. إنها حقيقة، كما تؤكد البركي، “يعلمها خبراء الاقتصاد والمركزي لكنهم يخفونها”.
جرعات المورفين: سياسة المسكنات المؤقتة
في وصف بليغ للحالة الليبية، تشبه البركي إجراءات المصرف المركزي تحت إدارة غير قادرة على رسم سياسة نقدية مستقلة، بطبيب يشفق على مريض ينزف بشدة، فيستخدم “جرعات مورفين عالية حتى يسكن الألم قليلاً ويتوقف عن الصراخ”. هذا التشبيه يصلح مدخلاً لفهم طبيعة الحكم في عهد الدبيبة والمنفي، حيث يتم التعامل مع القضايا المصيرية بمنطق رد الفعل لا الفعل، وبأدوات ترقيعية لا استراتيجية.
ارتفاع الدولار ثلاثين قرشاً دفعة واحدة، في غضون يوم واحد، رغم ضخ النقد، يثبت أن المشكلة هيكلية لا يمكن حلها بتوزيع العملة على الأغراض الشخصية. إنه دليل إدانة لإدارة اقتصادية تدير شؤون البلاد بعقلية التاجر الذي يبيع ويشتري في عملة لا يثق بها، لا بعقلية دولة تعمل على حماية مدخرات مواطنيها.
التعديل الحتمي: الاعتراف بالعجز
عندما تخلص البركي إلى أن “لا مفر من تعديل سعر الصرف مجدداً لحدود 7.80″، فهي لا تقدم وصفة سحرية، بل تقرأ الواقع بعيداً عن الشعبوية الحكومية. هذا الاعتراف الضمني من خبيرة مستقلة بأن الرقم الحالي وهمي، يوجه ضربة لشرعية مؤسستي الدبيبة والمنفي اللتين بنيتا جزءاً من خطابهما على تحسين القدرة الشرائية للمواطن.
تقول البركي بصراحة إن هذا الإجراء ليس “لأنه الصح، لكن لأنه لا توجد خطة”. إنه اتهام صريح للسلطة بأنها تفتقر إلى أي تصور استراتيجي لإدارة الأزمة، وتكتفي بتأجيل الانهيارات الكبرى على أمل حدوث معجزة سياسية أو مالية. أما قصة المواطن الذي يبيع “عشرين ألف دولار حواش عمره ويحتفظ بها نقداً إلى جانبه”، فهي الصورة المصغرة لبلد يعيش سكانه في حالة طوارئ نفسية، حيث تحول الاحتفاظ بالدولار السائل إلى بوليصة تأمين ضد غموض المستقبل الذي تصنعه حكومة تتصارع على البقاء في السلطة بدلاً من التخطيط للخروج الآمن من النفق.
ثلاثة ملايين مهاجر: الملف الغائب عن رادار الرئاسي
بينما تتحدث البركي عن ملايين المهاجرين الذين يتسول عدد منهم في الطرقات، بينما يحول آخرون ألف دولار شهرياً على الأقل لأسرهم، يتكشف حجم الغياب الكارثي للدولة.
إن هذه الظاهرة ليست مجرد مشكلة أمنية أو إنسانية، بل هي ثغرة مالية وسيادية هائلة تتسرب منها مليارات البلاد سنوياً دون أن تترك أثراً في الاقتصاد الوطني سوى ضغط تضخمي على العملة.
تفسيرات البركي تضع حكومتي الدبيبة والمنفي أمام سؤال الوجود: كيف لدولة عاجزة عن السيطرة على تدفقات مالية بهذا الحجم أن تدعي السيادة؟ إن صمت المؤسسات الرسمية عن هذه القضية ليس بريئاً، بل يعكس إما تواطؤاً مع شبكات تستفيد من السوق السوداء، أو عجزاً مزمناً عن ممارسة أبسط أدوات الحوكمة. وعندما تختم البركي تحذيرها بالقول: “بلاد ما تودها لظالم”، فإنها تختصر الغضب الشعبي المتراكم ضد طبقة سياسية ترى في استمرار الفوضى المالية ضمانة لاستمرار نفوذها.
ما بعد التشخيص: جراحة مؤجلة في زمن الأطباء المتقاتلين
الخلاصة التي تقدمها البركي قاسية لكنها صادقة: الاقتصاد الليبي في غرفة إنعاش، والإجراءات الحالية مجرد مسكنات، والجراحة الحقيقية تتطلب إرادة سياسية لا تتوفر في سلطة منقسمة على نفسها، غارقة في شرعنة وجودها أكثر من انشغالها بإصلاح ما خربته سنوات الفوضى.
إن حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي، بقيادة الدبيبة والمنفي، يقفان اليوم عاريين أمام سؤال الكفاءة؛ فإما أن يقدما خطة إنقاذ وطنية تعترف بحقائق الأرقام التي تكشفها أصوات خبراء مثل البركي، وإما أن يستمر النزيف حتى يفقد الجسد الليبي آخر نقاط قوته، ليجد الجميع أنفسهم أمام انهيار شامل لا تسعف معه أي جرعات مورفين.



