دولى

رفض ترامب يطوي صفحة المبادرة الإيرانية والتصعيد يلوح في الأفق

مقترح من طهران لإنهاء الحرب وترامب يشترط ثمناً باهظاً

ليبيا 24

ترامب يرفض خطة طهران لوقف دائم ويؤكد مواصلة العمليات

في خطوة أعادت مسار التسوية بين واشنطن وطهران إلى نقطة الصفر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفضه القاطع للمقترح الإيراني الذي عُرض عبر وساطة إسلام آباد، واصفاً إياه بأنه «غير مقبول». التصريح الذي جاء خلال مقابلة مع هيئة البث الإسرائيلية الرسمية، دفع بالهدنة الهشة إلى حافة الانهيار وفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد العسكري في منطقة تعيش أحد أكثر فصولها تعقيداً منذ اندلاع الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.

ترامب يرفض المبادرة ويصفها بغير المقبولة
قال ترامب في مقابلته: «لقد درست المقترح الإيراني الجديد، وهو غير مقبول بالنسبة لي»، مضيفاً أن «الحملة العسكرية تسير بشكل جيد للغاية». وقبل يوم واحد من هذه التصريحات، كان الرئيس الأمريكي قد غرّد عبر منصته الخاصة قائلاً: «سأقوم قريباً بمراجعة الخطة التي أرسلتها إيران إلينا للتو، لكن لا يمكنني تخيل أنها ستكون مقبولة، لأنهم لم يدفعوا بعد ثمناً كبيراً بما فيه الكفاية». هذه اللغة تعكس توجهاً أمريكياً قوامه عدم الرضوخ لمبادرة لا تتضمن تنازلات نووية واضحة، وتربط أي إنهاء للحرب بحزمة شروط تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.

تفاصيل المبادرة الإيرانية ذات البنود الأربعة عشر
قدمت طهران عبر الوسيط الباكستاني مقترحاً من أربع عشرة نقطة يهدف إلى تحويل الهدنة الحالية إلى اتفاق دائم لوقف الحرب بدلاً من تمديدها. وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها وكالات أنباء شبه رسمية إيرانية بينها «نور نيوز» و«تسنيم»، يقوم المقترح على ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بجدول زمني مدته ثلاثون يوماً لإنهاء الأعمال العدائية بشكل كامل، يتضمن انسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران البحري، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة تدريجياً وفق سقف زمني محدد. كما يشمل وقفاً شاملاً لجميع العمليات القتالية في المنطقة، بما فيها العمليات الإسرائيلية في لبنان، مع آلية جديدة لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز تُتيح لإيران التحكم في فتح المضيق تدريجياً وإزالة الألغام مع إمكانية تقديم دعم فني أمريكي.
وتنص المرحلة الأولى من المبادرة على مبدأ تشكيل مرجعية دولية لضمان عدم العودة إلى الحرب، وتعهد أمريكي إيراني متبادل بعدم الاعتداء يشمل حلفاء الطرفين وإسرائيل. أما لجهة التعويضات، فأشارت التقارير إلى صيغة جديدة ومبتكرة لتعديل هذا البند من دون إفصاح عن تفاصيلها. وتشدد المرحلة الأولى على ضرورة إنهاء حالة التحشيد العسكري الأمريكي حول إيران ورفع الحصار عن الموانئ تدريجياً بما يتناسب مع فتح مضيق هرمز.

الملف النووي يعود إلى طاولة المفاوضات بضغط أمريكي
في المرحلة الثانية، يُطرح تجميد كامل لعمليات تخصيب اليورانيوم لسقف زمني قد يصل إلى خمسة عشر عاماً، على أن تعود إيران بعدها إلى التخصيب بنسبة ثلاثة فاصل ستة في المئة وفق مبدأ «صفر تخزين». ويرفض المقترح الإيراني تفكيك البنى التحتية النووية أو تدمير المنشآت، ويبحث في مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بين الترحيل إلى الخارج أو ترقيق النسبة. ويؤكد ضرورة وجود آلية واضحة لرفع العقوبات مقابل الإجراءات النووية، ما يمثل محاولة لمبادلة القيود على البرنامج النووي بحزمة تخفيف اقتصادي.
وجاء تحرك مبعوث ترامب، ستيف ويتكوف، لإعادة الملف النووي إلى طاولة التفاوض معبّراً عن تمسك واشنطن بهذا المسار، على الرغم من أن المبادرة الإيرانية لم تتضمنه في صيغتها الأولية. ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تريد اتفاقاً يضمن عدم امتلاك طهران سلاحاً نووياً ويفرض عمليات تفتيش صارمة، وهو ما تعتبره إيران تهديداً لسيادتها ما لم يقترن بضمانات اقتصادية كاملة ورفع دائم للحظر.

مستقبل الهدنة الهشة وآفاق التصعيد
أما المرحلة الثالثة فتقترح دخول طهران في حوار استراتيجي مع المحيط العربي والإقليمي لبناء نظام أمني يشمل المنطقة بأسرها، في إشارة إلى استعداد إيراني للانخراط في ترتيبات إقليمية ما بعد الحرب. لكن هذا المسار يصطدم بتعقيدات المشهد اليمني والعراقي واللبناني، وبوجود فاعلين إقليميين يرون في التمدد الإيراني تهديداً وجودياً.
ويزداد المشهد قتامة في ظل استمرار العمليات العسكرية الأمريكية على الرغم من سريان الهدنة في الثامن من أبريل. إذ لم تعقد سوى جولة واحدة من المحادثات المباشرة بين الجانبين في إسلام آباد، ولم يتم الاتفاق على إطار للجولة الثانية. وأفاد موقع «أكسيوس» بأنه في حال التوصل إلى اتفاق، فستبدأ بعد ذلك محادثات لمدة شهر إضافي في محاولة للتوصل إلى تفاهم حول البرنامج النووي، لكن رفض ترامب الحالي يجعل احتمال بلوغ هذه المرحلة بعيد المنال.

طهران ترد: خياران أمام واشنطن
في رد فعل متزامن، بث التلفزيون الرسمي الإيراني بياناً لمنظمة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري قالت فيه إن على ترامب الاختيار بين «عملية عسكرية مستحيلة أو صفقة سيئة مع الجمهورية الإسلامية». وأضاف البيان أن «مساحة المناورة أمام القرار الأمريكي تضاءلت»، في إشارة إلى أن طهران لن تقدم تنازلات جديدة. من جهته، صرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بأن «الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة لاختيار طريق الدبلوماسية أو استمرار النهج المواجه». وجاءت تصريحات نائب رئيس البرلمان الإيراني علي نيكزاد من جزيرة لارك الاستراتيجية القريبة من أضيق نقطة في مضيق هرمز، لتؤكد أن طهران لن تتراجع عن شروطها ولن تسمح بمرور أي سفن مرتبطة بأمريكا وإسرائيل إلا بعد دفع الرسوم.

تداعيات اقتصادية وعسكرية لجمود المسار الدبلوماسي
ينذر تعثر المفاوضات بانعكاسات اقتصادية عميقة. فارتفاع أخطار الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس النفط العالمي، يبقي أسواق الطاقة في حالة ترقب، وسط ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتغيير مسارات الشحن. وتهدد عودة التصعيد العسكري بتقويض جهود إعادة الإعمار في المناطق المتضررة، وتفاقم أزمة النازحين، وتعمق جراح الاقتصاد الإيراني المنهك أصلاً تحت وطأة العقوبات.
عسكرياً، تواصل واشنطن تحشيد قواتها في المنطقة، وتنشر حاملات طائرات وسفناً حربية قبالة سواحل الخليج وبحر العرب، في وقت تحاول طهران إظهار قدرتها على الصمود عبر مناورات بحرية وجوية.
ويرى محللون أن إدارة ترامب تراهن على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيجبر إيران على الرضوخ لاتفاق يلبي المطالب الأمريكية، فيما تعتقد طهران أن عامل الوقت والكلفة البشرية والمادية قد يدفعان واشنطن إلى قبول تسوية تحفظ ماء الوجه.

بين رفض أمريكي حازم وتصلب إيراني معلن، يبدو السلام في الشرق الأوسط بعيداً أكثر من أي وقت مضى. فشل المبادرة الباكستانية يلقي بظلاله على الهدنة الهشة التي لم ترسُ بعد على أرض صلبة، ويجعل شبح العودة إلى الحرب الشاملة أمراً لا يمكن استبعاده. وفيما يترقب العالم تحركاً دبلوماسياً جديداً قد تقوده قوى دولية أو إقليمية، يبقى الخياران المطروحان على الطاولة قاتمين: إما حرب طويلة الأمد تستنزف الجميع، أو صفقة تاريخية تتطلب تنازلات مؤلمة من الجانبين، لم يبدِ أي منهما استعداداً حقيقياً لها بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى