كيف يواجه البرلمان الأوروبي مشروع “النفوذ الهادئ” للإخوان؟
البرلمان الأوروبي يصنف واجهات الإخوان تهديداً مؤسسياً لأوروبا
ليبيا 24:
ستراسبورغ ترسم خريطة طريق أوروبية لتفكيك نفوذ الإخوان
عندما يصبح العمل المدني قنينة أيديولوجية
في قاعة الجلسات العامة بالبرلمان الأوروبي في ستراسبورغ، لم يكن النقاش الذي انعقد أخيراً حول “تغلغل الإسلام السياسي واستراتيجية الإخوان” مجرد ندوة أكاديمية عابرة.
كان، في جوهره، لحظة مراجعة مؤسسية لأوروبا التي تجد نفسها اليوم أمام معضلة غير مسبوقة: كيف تتعامل مع خصم لا يحمل سلاحاً، ولا يعلن الحرب، لكنه يغيّر المعادلة الديموغرافية والثقافية من داخل صناديق الاقتراع، وقاعات المحاكم، وفصول التعليم؟
الجماعة التي تأسست في مصر عام 1928 على يد حسن البنا، لم تكن يوماً تنظيم دعوة فقط، ولا حتى حركة سياسية تقليدية.
هي، كما يصفها المحللون الأمنيون، “كيان شمولي متحرك” يمتلك قدرة فائقة على التكيف مع البيئات المختلفة.
في العالم العربي، عُرفت بتناوبها بين العنف والمشاركة الانتخابية، في أوروبا، اختارت مساراً أكثر دهاء: أدوات القانون، وغطاء حقوق الإنسان، واستراتيجية التراكم البطيء.
ما كشفته جلسة ستراسبورغ، التي شارك فيها نواب من عدة دول وتيارات، هو أن أوروبا بدأت تخرج من مرحلة الإنكار.
فلم يعد ممكناً التغاضي عن شبكة المنظمات الواجهة التي تمتد من لندن إلى بروكسل، ومن مرسيليا إلى برلين، والتي تعمل كرئة للجماعة الأم في المهجر.
تحذير فرنسي يمتد إلى القارة: من التقرير المصنف إلى الجلسة العلنية
كانت فرنسا أول من فتح ملف التغلغل بجدية، حين رُفع السرية عن تقرير حكومي داخلي وثق حجم الاختراق الإخواني للجامعات والمساجد والنقابات الطلابية.
ما كان يعرف داخل الأروقة الباريسية بـ”ملف الإخوان”، تحول اليوم إلى قضية أوروبية مشتركة.
في كلمته أمام البرلمان، وصف النائب نيكولا باي الجماعة بأنها “منظمة إسلامية متطرفة” لا تهدف فقط إلى نشر الإسلام، بل إلى قلب المجتمعات الأوروبية من الداخل.
لكن اللافت في خطابه لم يكن التصنيف، بل دقة التشريح الاستراتيجي، باي لم يتحدث عن “إرهابيين يضربون”، بل تحدث عن “محامين يمارسون الجهاد القانوني” وعن “منظمات تغطية” تقدم نفسها كجمعيات خيرية أو حقوقية، بينما مهمتها الأساسية خلق مناعة اجتماعية للفكر الإخواني.
وما يعزز قوة هذه التحذيرات أنها لا تأتي من مراكز أبحاث يمينية، بل من لجان تحقيق رسمية اطلعت على وثائق داخلية للجماعة، وعلى إفادات لمسؤولين سابقين انشقوا عنها.
هذه الوثائق تؤكد أن “استراتيجية أوروبا” للإخوان ليست وليدة الصدفة، بل هي وثيقة سياسية خطط لها منذ الثمانينيات، وطبقت على مراحل.
الإخوان في القارة العجوز: مشروع الدولة المظلة
لفهم جاذبية الإخوان في أوروبا، ينبغي تفكيك فكرة “الدولة المظلة” التي يروجون لها، بالنسبة للمهاجرين من الجيل الثاني والثالث، الذين يشعرون بالتمزق بين هوية آبائهم المسلمة وواقعهم الأوروبي، يقدم الإخوان رواية “الأنا القوية”: أنت أوروبي بحقوقك، لكن هويتك الحقيقية هي للأمة الإسلامية.
هذه الرسالة لا تُصدر كخطاب سياسي مباشر، بل تُضمر في اقتصادات رمزية: مدارس خاصة، جاليات رياضية، جمعيات ثقافية، مخيمات شبابية صيفية.
هذا هو الفخ الذي كشفت عنه التحقيقات الفرنسية والألمانية فبينما تذهب معظم الجمعيات الإسلامية المستقلة إلى تحسين دمج المسلمين في المجتمع الأوروبي، تعمل شبكات الإخوان على تعزيز الانغلاق والتفوق الثقافي، مع الحفاظ على واجهة “الحوار بين الأديان”.
تقرير صادر عن مركز الأبحاث البرلمانية الأوروبي أشار إلى أن أكثر من 60% من المساجد ومراكز التعليم القرآني في بلجيكا وهولندا تخضع لإشراف أو تمويل غير مباشر من كيانات مرتبطة بالإخوان.
هذه النسبة التي تبدو مرتفعة منطقياً، لأن التنظيم كان أسبق من الجميع في استثمار الفجوات القانونية المتعلقة بتمويل العبادة وحقوق الأقليات.
واجهات متعددة، قيادة واحدة: كيف تُدار الشبكة؟
ما يجعل مواجهة الإخوان صعبة هو أنهم ليسوا حزباً سياسياً واحداً بألوان واضحة. هم كونفدرالية من المنظمات التي تتبنى التبعية الفكرية دون التبعية القانونية.
تجدونهم في منتدى بروكسل، وفي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفي منظمات الإغاثة المتهمة بتحويل الأموال إلى فروع الجماعة في سوريا وليبيا.
البرلمانية سيلين إيمار استخدمت تعبيراً دقيقاً: “الزي المؤسسي للإخوان يبدو منضبطاً، لكن الجوهر الفكري متطرف”.
وهذا هو التحدي الدقيق أمام القضاء الأوروبي فإثبات أن المنظمة تتبع أجندة “تنظيم محظور” يحتاج إلى نية واضحة وتوجيه مباشر، وهو ما يصعب الحصول عليه لأن الجماعة تعمل بنظام “المركزية اللامركزية”.
كل منظمة تبدو مستقلة، لكن تقاريرها السنوية، وكوادرها، وحتى أولويات تمويلها، تتطابق بشكل مريب مع أولويات الهيئة الإخوانية في لندن واسطنبول.
لغة الأرقام تكشف جزءاً من الحقيقة. بحسب ملف استخباراتي أوروبي تم تداوله بين اللجان، فإن عدد الجمعيات المرتبطة بالإخوان في أوروبا يتراوح بين 350 و400 جمعية، بميزانية سنوية تقدَّر بنحو 180 مليون يورو، أغلبها يأتي من تبرعات أفراد ومؤسسات خيرية في الخليج، لا سيما قطر وبعض الكيانات الخاصة في تركيا.
أوروبا بين قيمها وثغراتها: لماذا تأخر الرد؟
ثلاثة عوامل تفسر لماذا احتاجت أوروبا عقوداً لفتح هذا الملف جادياً:
الأول: هو التباس مفهوم “حقوق الإنسان” بالصورة النمطية عن الإسلام السياسي. لعقود طويلة، تعامل اليسار الأوروبي والليبراليون مع أي انتقاد للإخوان على أنه هجوم على الحريات الدينية للمسلمين، أو خطاب يميني متطرف.
هذا التحالف غير المقدس بين تنظيم سياسي أصولي وشريحة من النخبة الأوروبية، جعل الإخوان في منأى عن المساءلة طالما كانوا يرفعون شعارات “التعددية” و”الحوار”.
الثاني: هو استغلال الجماعة للخلافات الداخلية بين دول الاتحاد. فبينما تتبنى النمسا وفرنسا وألمانيا موقفاً حازماً (فرنسا صنفت الجماعة ككيان يهدد الأمن الوطني منذ 2020، والنمسا حلت منظماتها رسمياً في 2021)، فإن دولاً مثل السويد وهولندا وبريطانيا (ما بعد خروجها) تفضل نهج “المراقبة من دون حظر”، بحجة أن التصنيف قد يدفع التنظيم إلى مزيد من السرية.
الثالث: هو قصور قانوني. فمعظم القوانين الأوروبية المصممة لمكافحة الإرهاب تستهدف الكيانات التي تستخدم العنف.
لكن الإخوان اختاروا أن يكونوا “تنظيماً مدنياً” في الخارج، حتى لو كانت فروعهم الأصلية في سوريا ومصر واليمن متورطة في أعمال عنف وإرهاب.
وهذا يجعل محامي الجماعة يصرون أن “الجماعة الأم في الخارج منفصلة عن الجمعيات في أوروبا”، وهو ادعاء تفضحه الوثائق الداخلية والاعترافات العلنية لقيادات سابقة.
من معاداة الغرب إلى الالتحام بالنظام: عبقرية الانتهازية
من أكثر سمات الإخوان دهاءً، قدرتهم على تغيير خطابهم حسب الجمهور. أمام الجمهور العربي، يظل شعارهم القديم “الإسلام هو الحل” و”الموت لأعداء الأمة”.
لكن عندما يخاطبون المؤسسات الأوروبية، تتحول اللغة إلى شيء آخر تماماً: “حقوق الأقليات”، “المناهضة للعنصرية”، “نحن شركاء في مكافحة التطرف”.
هذا ازدواج في الكلام ليس مجرد تاكتيك، بل هو جزء من عقيدة “المرونة الفقهية” عندهم، التي تجيز استخدام أساليب مختلفة حسب الموقف.
عدد من التقارير الاستخباراتية المغلقة تؤكد أن الإخوان في أوروبا لديهم تعليمات واضحة: لا تظهر أي انتماء سياسي، لا تعلن تأييداً صريحاً لحماس أو لتنظيم الدولة، ولا تشارك في أي عمل عنف على الأراضي الأوروبية لكن في المقابل، مهمتهم هي:
1. بناء قاعدة جماهيرية من أبناء الجالية المسلمة.
2. استقطاب النخبة المهنية (أطباء، محامون، أكاديميون).
3. التأثير في القوانين المتعلقة بالحريات الدينية لصالحهم.
4. تعزيز الروابط مع تركيا وقطر كقوتين داعمة للإسلام السياسي.
هذه المهام ليست سرية، بل هي جزء من دوريات النخبة الإخوانية التي تُوزع عناوينها على الكوادر في الغرب، وتتم مناقشتها في مؤتمراتهم السنوية تحت عناوين براقة مثل “الإسلام في الغرب: تحديات التمكين”.
السياسات المقترحة: كيف تواجه أوروبا الإخوان دون خنق الحريات؟
الخلاصة التي خرجت بها جلسة ستراسبورغ لم تكن “التحريم الشامل” الذي قد يخلق تأثيراً عكسياً، بل ثلاث مقاربات عملية:
أولاً: اعتماد قوائم مراقبة ذكية (Grey Lists) للمنظمات التي لم يثبت تورطها الجنائي بشكل قاطع، لكنها تتبنى خطاباً مناهضاً للقيم الأوروبية الأساسية (مساواة، علمانية، حقوق المرأة).
القوائم الرمادية تضع هذه المنظمات تحت رقابة مالية وعقوبات إدارية، دون أن تدفعها إلى التطرف.
ثانياً: إنشاء وكالة أوروبية لتمويل الجمعيات الإسلامية المعتدلة، لكسر احتكار الإخوان للمشهد الديني.
أوروبا تدفع اليوم مليارات اليورو لاستضافة اللاجئين، لكنها لم تخصص ميزانية حقيقية لنماذج إسلام أوروبي معتدل يخاطب الجيل الجديد بلغة انفتاحية، لا بلغة التفوق والعزلة.
ثالثاً: تفعيل مواد قانونية موجودة حول “منع التمويل الأجنبي للتأثير السياسي”، كل دولة أوروبية لديها قوانين تمنع التدخل الأجنبي في الحياة السياسية. لكنها لم تطبق بعد على حالة الإخوان التي تستقبل تمويلاً من قطر وأفراد خليجيين، وتوجهه لضرب مرشحين معينين أو التأثير في سياسات الحجاب والهجرة.
هذه المقاربات، رغم أنها تتطلب تنسيقاً غير مسبوق بين دول الاتحاد، تبدو أكثر فعالية من حظر شامل قد يمنح الإخوان أوراق ضغط قانونية أمام القضاء الأوروبي، الذي عادة ما يميل إلى حماية حقوق التنظيمات طالما لم تثبت تورطها في أعمال إرهابية مباشرة.
خاتمة: أوروبا في مواجهة تحدٍ وجودي بغطاء إنساني
ربما تكمن مأساة أوروبا في أنها تواجه خصماً يتقن استخدام حريتها المقدسة ضده. حرية تكوين الجمعيات، وحرية التعليم، وحرية التعبير، تحولت إلى أسلحة من قبل تنظيم لا يؤمن بها أصلاً، ولا يطبقها في الأماكن التي يسيطر عليها.
إنه الفارق الجوهري: الانفتاح الأوروبي يصطدم بانغلاق عقائدي، يرى في كل مؤسسة أوروبية فرصة للتمدد، وليس فرصة للاندماج.
جلسة ستراسبورغ لم تكن الحل، لكنها كانت نقطة تحول نفسي. وللمرة الأولى، بدا أن البرلمان الأوروبي مستعد لاستبدال السذاجة السياسية بحسابات استراتيجية باردة.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ستتحول التحذيرات إلى قرارات قبل أن يصبح تغلغل الإخوان أمراً واقعاً لا يمكن التراجع عنه؟
الوقت، كما تعلم الجماعة جيداً، عامل أساسي في استراتيجيتها وكل يوم تأخير في المواجهة هو تقدم إضافي لمنظومة تعمل بصبر الأحافير، وشمولية الأنظمة الشمولية، داخل قلب القارة التي تظن نفسها محصنة.



