الحرس الثوري واقتصاد المقاومة يمنحان طهران قدرة استثنائية على الصمود
صواريخ إيران الباليستية وشبكات الوكلاء تربك تفوق التحالف الأمريكي–الإسرائيلي
ليبيا 24:
منذ اندلاع الحملة العسكرية المشتركة ضد إيران في مارس 2026، كان الافتراض السائد في واشنطن وتل أبيب أن ضربة جوية–بحرية مركزة كفيلة بشلّ الدولة الإيرانية خلال أيام.
لكن الواقع كشف عن فجوة كبيرة بين هذه التقديرات وبين قدرة طهران على تحويل البقاء إلى عقيدة مؤسساتية، وإعادة تعريف الردع من موقع المستهدف لا المهاجم.
صمود إيران لم يكن مجرد تعنّت أيديولوجي، بل حصيلة تراكم ثلاث طبقات متداخلة: عسكرية واقتصادية وجيو–إقليمية.
على المستوى العسكري، يبرز دور الحرس الثوري كجيش موازٍ للجيش النظامي، ما يجعل استهداف القيادة أو المقرات أقل فعالية.
كما أن الترسانة الصاروخية والمسيّرات الانتحارية مثل “شاهد” و”فاتح” شكّلت العمود الفقري لاستراتيجية الردع غير المتماثلة، حيث استهدفت قواعد أمريكية في الخليج وعمق إسرائيل، وأجبرت التحالف على تشتيت موارده عبر جبهات متعددة.
عقيدة “الدفاع المتقدم” التي بناها الحرس الثوري منذ عقود عبر شبكة الوكلاء في لبنان والعراق واليمن وسوريا، منحت إيران عمقاً استراتيجياً يصعب تجاوزه.
اقتصادياً، لم تنهار إيران رغم الحصار البحري وإغلاق مضيق هرمز. منذ أن صاغ المرشد خامنئي مفهوم “اقتصاد المقاومة”، تحولت العقوبات إلى محفّز للاكتفاء الذاتي.
أكثر من 80% من معدات القطاع النفطي باتت تُصنّع محلياً، فيما وفرت طرق بديلة عبر بحر قزوين وآسيا الوسطى وروسيا والصين صمام أمان ضد الانهيار الفوري.
ورغم التضخم الذي تجاوز 60% والبطالة المرتفعة، فإن النظام استطاع الاستمرار بفضل عوائد النفط والبتروكيماويات عبر أسطول “الظل” وعمليات التهريب، إضافة إلى استخدام الطاقة كسلاح لتعطيل الاقتصاد العالمي ورفع تكلفة الحرب على الخصوم.
على الصعيد الداخلي، تحوّلت الاحتجاجات السابقة إلى حالة “التلاحم حول الراية” مع تعرض البلاد لغارات أجنبية، ما منح النظام فرصة لتقديم نفسه كحامي السيادة.
القبضة الأمنية للحرس الثوري، والانتقال السلس للسلطة إلى مجتبى خامنئي بعد اغتيال المرشد، عززت من تماسك النظام ومنعت أي فراغ سياسي يمكن أن تستغله واشنطن.
إقليمياً، واصل حزب الله والحوثيون والحشد الشعبي لعب دور الوكلاء في تشتيت الخصوم، فيما وسّعت إيران نفوذها إلى أفريقيا لتأمين مسارات بديلة.
دول الخليج رفضت الانخراط المباشر في الحرب، ما قيّد قدرة واشنطن على التصعيد.
أما روسيا والصين فوفرتا دعماً براغماتياً، دون الوصول إلى تحالف عسكري مباشر، لكنهما ساعدتا في إطالة أمد الصمود الإيراني.
خلاصة المشهد أن فرضية “الضربة القاضية” لم تتحقق. إيران تنزف اقتصادياً وعسكرياً، لكنها في الوقت نفسه تجعل الولايات المتحدة وإسرائيل تنزفان أيضاً عبر استراتيجيات غير متماثلة.
السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف طويلة بلا نهاية واضحة، فيما يبقى السؤال مفتوحاً: هل يستطيع اقتصاد المقاومة أن يتحمل إلى ما لا نهاية، أم أن الضغوط الداخلية ستفرض على النظام إعادة حساباته؟



