المرعاش: مبادرة “4+4” ولدت من رحم الدفع الأمريكي وحل ليبي-ليبي
المرعاش: المسار الجديد ليس معادلة صفرية وواشنطن تقود التغيير الحاسم
ليبيا 24:
واشنطن تعيد تشكيل المشهد الليبي: مبادرة “4+4” تتجاوز الجمود الأممي وتراهن على ثنائية الحكومة والجيش
في خضم الجمود الذي خيم على المشهد الليبي لسنوات، يبرز مسار جديد لا يحمل توقيع البعثة الأممية بقدر ما يعكس بصمات القيادة الأمريكية المباشرة.
إنها مبادرة “4+4” التي يصفها المحلل السياسي كمال المرعاش بأنها “وليدة المبادرة الأمريكية للسلام”، في إشارة إلى تحول استراتيجي في طريقة التعاطي الدولي مع الملف الليبي، حيث تنتقل الكرة من ملعب الوساطة الدولية التقليدية إلى ملعب القوى الفاعلة التي تدفع نحو حل يفرز واقعاً جديداً على الأرض.
جنازة الحوار المهيكل وولادة المسار الجديد
لم تخفِ التحليلات السياسية حقيقة أن المسارات السابقة قد لفظت أنفاسها الأخيرة. فقد أوضح المرعاش أن ما يعرف بـ “الحوار المهيكل” وصل إلى طريق مسدود، مما شكل دافعاً للبعثة الأممية لتبني مقاربة مختلفة.
لكن هذه المرة، لا تقف البعثة وحدها في المشهد، بل إن المبادرة الجديدة تستند إلى إشراك الطرفين الرئيسيين في الصراع الليبي ضمن طاولة واحدة، في اعتراف ضمني بأن الحلول السابقة التي حاولت توسيع قاعدة المشاركين وتفتيت الكتل الصلبة، لم تفضِ إلا إلى مزيد من الانسداد.
ومع أن الاجتماع الأول لهذا المسار قوبل بعاصفة من الانتقادات والتوقعات المتشائمة بالفشل قبل أن ينضج، إلا أن المرعاش يرى في ذلك اندفاعاً غير مبرر.
وبرأيه، فإن إطلاق الأحكام النهائية على أساس جولة حوار واحدة يمثل “تكهنات غير منطقية”، مشدداً على أن لجنة الحوار لم تستكمل أعمالها بعد، وأن طبيعة الحلول المعقدة تتطلب سلسلة من الاجتماعات المتتابعة حتى تتبلور إلى رؤى واقعية قادرة على اختراق جدار الأزمة السميك.
تحول في الموقف الأممي تحت المظلة الأمريكية
يكشف المرعاش عن متغير جوهري في الديناميكيات الدولية، يتمثل في توجه البعثة الأممية نحو دعم خيار “الحل الليبي-الليبي”.
لكن هذا التوجه لا ينبع فقط من قناعة بضرورة الحلول الداخلية، بل هو نتاج تغيرات عميقة في الظروف الدولية، وفي مقدمتها الدعم الأمريكي المباشر وغير المسبوق لهذا المسار.
ويذهب المحلل إلى وصف دور واشنطن بأنها “القوة الدافعة الأساسية”، مؤكداً أن المبادرة “ليست أممية كما يُشاع، بل هي مبادرة أمريكية تدفع باتجاهها واشنطن بشكل مباشر”.
هذا الموقف الأمريكي الصلب لا يقف في فراغ، بل تحيط به تحالفات إقليمية متغيرة. ويلفت المرعاش الانتباه إلى التحول اللافت في موقف تركيا، التي انتقلت من حالة السلبية في السابق إلى تقديم دعم إيجابي للمبادرة الحالية.
ويرى في هذا التحول عاملاً مهماً يعزز فرص نجاح المسار الجديد، مقارنة بسابقاته التي افتقرت إلى هذا الزخم الإقليمي والدولي المتزامن.
وفي مقابل هذه القوة الدافعة، يبدو دور البعثة الأممية هامشياً، بل إنها، وفق التحليل، “ستجد نفسها مضطرة للتكيف مع المسار الجديد” بعد فشلها في تحقيق أي نتائج ملموسة طوال السنوات الماضية.
تفكيك “المعادلة الصفرية”: الجيش الوطني في مواجهة المجموعات المنقسمة
في قلب الجدل الدائر حول المبادرة، يقف اتهام خطير يصفها بأنها “معادلة صفرية” تهدف إلى دفع الليبيين إلى صراع محسوم.
لكن المرعاش يرفض هذا التوصيف بصرامة، معتبراً أنه “غير واقعي وغير دقيق”، وبدلاً من فكرة “ضرب الليبيين بعضهم البعض” كما يروج البعض، يؤكد أن “الليبيين يريدون السلام ولا يتقاتلون”، وأن رسالة المبادرة الحقيقية هي تحريك حالة الانسداد السياسي، لا خلق صراع داخلي جديد.
ولتوضيح المشهد بشكل أكثر دقة، يرسم المرعاش خارطة للقوى الفاعلة على الأرض. فهو يشير إلى وجود “جيش وطني يسيطر على أغلب الجغرافيا الليبية ويتمتع بهرمية وقيادة قادرة على إدارة القوة”، في مقابل “مجموعات مسلحة أخرى تسيطر على مناطق في غرب ليبيا وتعاني من انقسامات داخلية حادة”.
ويلفت إلى أن القوى الأكثر تسليحاً من هذه المجموعات مرتبطة بحكومة عبد الحميد الدبيبة وبالتالي، فإن المبادرة تتعامل عملياً مع طرفين رئيسيين لا ثالث لهما: الحكومة والجيش الوطني.
هذا التقليص لعدد الفاعلين يهدف، من وجهة نظره، إلى إظهار “الفرق بين جيش نظامي محترف ومجموعات مسلحة غير منضبطة”.
تغيير المجلس الرئاسي ومستقبل التشكيلات المسلحة
لا تقف أهداف المبادرة عند حدود تنظيم انتخابات جديدة، بل تمتد لتشمل إعادة هيكلة جوهرية للسلطة التنفيذية.
يكشف المرعاش أن المسار يتضمن تغييرات في المجلس الرئاسي، باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الترتيبات السياسية القادمة.
وهذا التغيير المنتظر لن يكون بروتوكولياً، بل سيؤثر بشكل مباشر على طبيعة القرارات المتعلقة بالقوات المسلحة في غرب البلاد.
ويشرح السيناريو المتوقع بقوله إن التعامل مع بعض التشكيلات المسلحة التي قد توصف بـ”الخارجة عن الشرعية” سيأخذ أحد مسارين: إما تسريحها وإنهاء وجودها سلمياً، أو مواجهة أي محاولات مقاومة، ليس فقط بقوة الجيش الوطني والقوى المؤيدة للمسار السياسي، بل أيضاً بدعم من أطراف إقليمية ودولية، تتصدرها الولايات المتحدة.
وهكذا، تسعى المبادرة في جوهرها إلى “فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة” تنهي حالة السيولة الأمنية المزمنة.
إشراك النائب العام: البحث عن مخرج توافقي من بوابة القضاء
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، تطرح المبادرة إشراك النائب العام في اختيار قيادة المفوضية العليا للانتخابات. ويرى المرعاش أن هذا الطرح لا يجب أن يُقرأ كإقحام للمؤسسة القضائية في لعبة السياسة، بل هو إجراء يهدف إلى البحث عن “آلية تضمن الحياد والثقة” في عملية طالها الشك والخلاف.
ويشدد على أن “القضاء مؤسسة ليبية مستقلة، ولا يوجد ما يمنعه من المساهمة في إيجاد حلول توافقية تخدم الدولة”.
ويوضح المحلل السياسي أن النائب العام، بحكم وظيفته القانونية التي تمارس دوراً رقابياً ومحاسبياً، يحظى بثقة مؤسسية تجعله مؤهلاً للعب هذا الدور.
لكنه في الوقت ذاته لا يغفل الواقع، مشيراً إلى أن النائب العام “غير معزول عن الضغوط السياسية في الواقع الليبي”.
ويبقى الهدف الأساسي من هذه المقترحات كلها هو “الخروج من حالة الانسداد” التي أنهكت البلاد.
ويعتبر البدء بالمفوضية العليا للانتخابات بمثابة “الحلقة الأسهل” في سلسلة التسوية، إلا أنها تبقى خطوة ضرورية لتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية شفافة تمثل مدخلاً لا غنى عنه لإخراج ليبيا من نفقها المظلم.
نظام تدريجي في مواجهة أصوات الرفض
في ختام قراءته، يقر المرعاش بوجود أصوات رافضة للمبادرة، واصفاً إياها بأنها “مرتفعة حالياً”، لكنه يتوقع أن “تتراجع عندما تتقدم العملية السياسية” وتفرز وقائع جديدة على الأرض.
ويرى أن المرحلة المقبلة ستكشف عن مقترحات “أكثر تفصيلاً وواقعية”، في إطار مسار تدريجي لا يسعى إلى حل الأزمة دفعة واحدة، بل يهدف إلى تهيئة الظروف للانتقال إلى خطوات سياسية أكثر عمقاً في المستقبل القريب.
هكذا، تقف المبادرة الحالية على مفترق طرق، تحمل في طياتها رهاناً أمريكياً واضحاً، وتحالفاً إقليمياً متجدداً، ومحاولة لإعادة تعريف معادلة الصراع عبر اختزال أطرافه وتحجيم دور الأمم المتحدة.
وبينما تتوالى جلسات الحوار، يبقى السؤال المعلق فوق رؤوس الجميع هل يكتب لهذا المسار ما عجزت عنه سابقوه، أم سيكون فصلاً جديداً من فصول الأزمة الليبية التي لا تنتهي؟



