ليبيا

إدريس احميد يكتب: أولوية الأمن وصولًا إلى بناء دولة

ليبيا 24:

ليبيا ليست مجرد رقعة جغرافية في شمال أفريقيا، بل هي فضاء تاريخي عميق، تلاقت فيه حضارات متعددة، وتعاقبت عليه أمم وشعوب تركت بصماتها في ملامح الأرض والإنسان.

ومنذ العصور القديمة، كانت هذه الأرض ملتقى للبشر من مختلف الجهات، ما منحها تنوعًا ثقافيًا واجتماعيًا ظل حاضرًا في تكوين الشخصية الليبية حتى اليوم.

لقد شهدت ليبيا عبر تاريخها مراحل صعبة من الصراعات والاحتلالات الأجنبية، مرورًا بالحقبة العثمانية، ثم الاستعمار الإيطالي، وصولًا إلى التدخلات الدولية في العصر الحديث.

ورغم قسوة هذه المراحل، ظل الإنسان الليبي عنصر ثبات وصمود، قادرًا على التكيّف والمساهمة في بناء مجتمعه وفق ما تتيحه الظروف.

عند نيل الاستقلال عام 1951 بقرار من الأمم المتحدة، كانت ليبيا من أفقر دول العالم، تعاني من ضعف الإمكانيات، وانتشار الجهل، وتشتت السكان بين المدن والقرى والبوادي.

وكانت البلاد مقسمة إلى ثلاث ولايات: برقة، فزان، وطرابلس، لكل منها خصوصيتها الإدارية تحت تأثير إدارات أجنبية مختلفة.

ورغم هذه التحديات، بدأ الليبيون خطواتهم الأولى نحو بناء الدولة، بالاعتماد على موارد محدودة ودعم خارجي، إلى جانب إرادة داخلية هدفت إلى الانتقال من التشتت إلى بناء كيان وطني موحد.

وجاء توحيد الدولة عام 1963 تحت إطار المملكة الليبية كخطوة مهمة نحو لملمة البلاد وتوحيد إمكانياتها، مع التركيز على بناء الإنسان من خلال التعليم والصحة والثقافة والاقتصاد.

وقد شهدت تلك المرحلة وضع دستور مبكر، وإنشاء الجامعات، وبدايات التخطيط التنموي، إلى جانب جهود لترسيخ القيم الاجتماعية والقانونية.

ومع اكتشاف النفط عام 1963، دخلت ليبيا مرحلة جديدة من الإمكانيات الاقتصادية، ما أتاح إطلاق مشاريع تنموية في الإسكان والبنية التحتية والخدمات، رغم استمرار بعض التحديات السياسية والإدارية.

في عام 1969، دخلت ليبيا مرحلة سياسية جديدة، رافقها تفاؤل واسع بإمكانية تسريع التنمية في ظل الموارد النفطية المتزايدة، وشهدت البلاد تنفيذ عدد من المشاريع واستكمال أخرى، ما أعطى انطباعًا بوجود طفرة تنموية.

غير أن التحولات الجذرية التي بدأت في السبعينيات، وما تبعها من إعادة تشكيل للنظام السياسي والاقتصادي، أضعفت تدريجيًا المؤسسات، وقلّصت دور القانون، وأثرت على التوازن الإداري والاقتصادي، ما انعكس لاحقًا على بنية المجتمع والدولة.

ولهذا، فإن فهم ما بعد 2011 لا يمكن فصله عن هذا المسار الطويل من التراكمات، فبعد أحداث فبراير، دخلت ليبيا مرحلة انتقالية كان يُفترض أن تؤسس لدولة جديدة، وبدأت أولى محاولات الانتخابات في 2012، لكنها جرت في بيئة غير مستقرة، تتعدد فيها مراكز القوة والسلاح، وتتداخل فيها الاعتبارات المحلية والإقليمية، ما جعل المسار السياسي عرضة للتجاذب والانقسام.

تلا ذلك انقسام سياسي ومؤسساتي، وتعدد في مراكز القرار، وتدخلات خارجية، وحوارات متعددة لم تنجح في إنتاج تسوية نهائية مستقرة، وهو ما عمّق الإحساس العام بالحيرة حول جدوى المسارات السياسية المطروحة.

وفي خضم هذا الواقع، يبرز نقاش متزايد حول أولويات المرحلة: هل تكون الانتخابات والدستور هما المدخل المباشر للحل، أم أن الأولوية يجب أن تبدأ من تحقيق الأمن أولًا باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه الدولة؟

ففي ظل تعدد مراكز القوة وغياب احتكار الدولة للسلاح، يصبح الحديث عن انتخابات مستقرة أو دستور نافذ أمرًا بالغ الصعوبة.

من هنا يرى هذا الاتجاه أن الاستقرار الأمني، وبسط سلطة الدولة، وتوحيد المؤسسات الأمنية، يمثل شرطًا أوليًا قبل أي عملية سياسية شاملة.

وفي المقابل، يرى اتجاه آخر أن بناء الدولة لا يمكن أن يُختزل في القوة وحدها، لأن الاستقرار القائم على مركز واحد قد يحقق هدوءًا مؤقتًا، لكنه لا يضمن استمرارية الدولة أو التداول السلمي للسلطة، ما لم يُدعّم بإطار قانوني ومؤسسي واضح.

وبين هذين التصورين، تبقى الحقيقة أن الأزمة الليبية أعقد من أن تُحل عبر أداة واحدة، لأنها مرتبطة في جوهرها بغياب التوازن بين الأمن والسياسة والمؤسسات.

وفي هذا السياق، يتسع شعور عام لدى المواطن الليبي بأن الأولوية أصبحت اليوم مرتبطة بالأمن والخدمات والاستقرار المعيشي أكثر من النقاشات السياسية النظرية، نتيجة تراكم سنوات من التعطيل والانقسام.

ومع ذلك، فإن التجربة تُظهر أن الاستقرار الحقيقي لا يُقاس فقط بغياب الفوضى، بل بقدرة الدولة على الاستمرار عبر مؤسسات وقانون يضمنان عدم العودة إلى دوامة الأزمة.

ختامًا، فإن ليبيا، رغم كل ما مرت به من تحولات وأزمات، لا تزال تمتلك فرصة حقيقية للنهوض، لكن هذه الفرصة تتطلب رؤية متوازنة تبدأ من الأمن كمدخل ضروري، دون أن تتوقف عنده، وصولًا إلى بناء دولة مؤسسات حقيقية، تربط بين الاستقرار والتنمية، وتضع الإنسان الليبي في قلب المشروع الوطني باعتباره أساس أي مستقبل مستدام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى