المخاض الليبي يعود إلى مربع الصفر.. والقاهرة تراوغ لامتصاص الصدمة
تحذير ليبي من انتخابات برلمانية فقط تعيد الجمود
ليبيا 24
القاهرة تنسق ثلاثياً لإنقاذ مسار ليبي متعثر
في مشهد يعيد رسم خريطة التجاذبات السياسية في ليبيا، انقلبت تحركات الدبلوماسية المصرية خلال الأيام الماضية من دور الوسيط التقليدي إلى صانع أزمات وحلول في آن واحد. فبين اجتماع التنسيقية الثلاثية مع الجزائر وتونس، وزيارة مسؤولة أممية بارزة إلى القاهرة، بات المشهد الليبي أشبه بلوحة متحركة لا يعرف أحد أين يسقط فيها الفصل الأخير.
حذاقة مصرية وطعم مسموم
كشف النائب جبريل أوحيدة، عضو مجلس النواب، عن قراءة مختلفة تماماً لما يجري خلف الكواليس. فرغم الإعلان عن تأكيد التنسيقية الثلاثية على ضرورة تزامن الانتخابات الرئاسية والتشريعية، إلا أن الزيارة المفاجئة لهانا تيتيه إلى القاهرة حملت توقيعاً مختلفاً. وصف أوحيدة ذلك بـ”حذاقة الدبلوماسية المصرية”، في إشارة إلى قدرة القاهرة على المناورة بين الأطراف دون حرق أوراقها.
لكن اللافت هو تحذيره من أن بعض الأطراف المرتبطة بمجلس النواب قد “ابتلعت الطعم” – على حد تعبيره – وهو ما يعيد البلاد إلى مرحلة ما قبل نتائج لجنة “6+6”. فبدلاً من التوافق الجامع، يلوح في الأفق سيناريو يقسم الخصوم بدل أن يجمعهم.
مسار “4+4” بين المطرقة والسندان
يراهن مسعد بولس، راعي مسار “4+4″، على تفاهمات ضيقة قد لا تصمد أمام اختبار الميدان. أوحيدة لا يخفي تشككه: “لا أتوقع نجاح هذا المسار في الوصول إلى تسوية نهائية”. والأسباب ليست فنية بقدر ما هي سياسية محضة، تتعلق بمن يرغب فعلاً في انتخابات، ومن يريد فقط إدارة المشهد.
هنا تبرز المفارقة الأكبر: فإما أن تستمر البلاد في الوضع القائم دون تحميل أي طرف المسؤولية، أو يتم المضي نحو انتخابات برلمانية فقط وفق القانون رقم 10 لسنة 2014. وهذا الأخير لا يشترط تشكيل حكومة جديدة، ما يعني بقاء حكومة عبد الحميد الدبيبة في موقعها عملياً.
من يخدم من؟
القراءة التي يقدمها أوحيدة تحمل نبرة قاسية: أي انتخابات برلمانية فقط تصب في مصلحة الأطراف الداعمة لاستمرار الدبيبة. فبغياب حكومة جديدة، يظل الرجل في قمة الهرم التنفيذي، ويظل الإنفاق والسيادة بيده. وهذا ليس مجرد تحليل، بل خريطة طريق معكوسة يستفيد منها من لا يريد تغييراً حقيقياً.
من جهة أخرى، فإن العودة إلى مربع “ما قبل 6+6” تعني تفجير كل التوافقات السابقة، وإعادة فتح ملفات كانت تعتبر مغلقة. وهو سيناريو لا يستبعد أن تكون القاهرة قد أعدت له بديلاً موازياً، في لعبة شطرنج ليبي تزداد تعقيداً كل يوم.
الخلاصة: لا حلول وشيكة
ما يقدم عليه الوسطاء اليوم ليس حل الأزمة، بل إدارة تمددها. فالجميع يتحرك كمن يمشي على حبل فوق بركان. والأسوأ أن الليبيين أنفسهم لم يعودوا يعرفون من يتحدث باسمهم، ومن يريد لهم انتخابات حقيقية، ومن يكتفي بأن تكون الانتخابات غطاء لبقاء النفوذ ذاته.
في المحصلة، تبقى ليبيا رهينة صراع لا يظهر فيه غالب، ولا يعلن فيه مغالب الاستسلام. والقاهرة وحدها تعرف متى تسحب بساطها من تحت أقدام اللاعبين، أو متى ترمي بورقة جديدة تعيد خلط كل الأوراق من جديد.



