ليبيا

تفشي الحمى القلاعية يدفع السلطات الليبية لإغلاق أسواق الماشية بالشرق والغرب والجنوب

إجراءات احترازية موسعة لاحتواء الوباء وسط مخاوف من انهيار الثروة الحيوانية

ليبيا 24

ليبيا تواجه كارثة وبائية.. وإخفاقات طرابلس تهدد بانهيار الثروة الحيوانية

أسواق الماشية تغلق أبوابها والمرض يفتك بالقطعان في ربوع البلاد

في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية لقطاع الثروة الحيوانية، توسعت دائرة الخطر الوبائي لتطال مدن الشرق والغرب والجنوب الليبي، وسط مخاوف حقيقية من تحول الحمى القلاعية إلى كارثة اقتصادية واجتماعية تهدد مصدر رزق آلاف المربين. وأقدمت السلطات المحلية في مختلف المناطق على إغلاق أسواق الماشية وفرض قيود مشددة على حركة نقل الحيوانات، في محاولة يائسة لاحتواء المرض الذي أثبتت التقارير البيطرية أنه لا يفرق بين قطعان الشرق والغرب.

ففي غرب البلاد، أغلقت السلطات سوق “سيدي الصيد” للمواشي في ترهونة، بعد الإعلان عن ظهور حالات إصابة مؤكدة في بلدية مسلاتة، حيث أكدت التحاليل المخبرية نفوق عشرين رأساً من الأغنام ورأس واحد من الماعز ورأس آخر من الأبقار. كما أعلن جهاز الحرس البلدي في قصر الأخيار إغلاق سوق المواشي ومنع عمليات البيع والشراء ونقل الحيوانات مؤقتاً، بينما فرضت الشرطة الزراعية في سرت حظراً على إدخال أو إخراج المواشي من المدينة وإليها.

وامتدت الإجراءات إلى شرق ليبيا، حيث قررت السلطات إغلاق أسواق المواشي في سلوق وقمينس، بعد تسجيل إصابات ونفوق أعداد من الماشية، مع تشكيل فرق للتقصي الوبائي ومتابعة الحالة الصحية للقطعان. كما تقرر إغلاق سوق المواشي في طبرق ووقف حركة نقل الحيوانات من وإلى البلدية، فيما أغلقت السلطات سوق الجمعة للمواشي في شحات، إلى حين تقييم الوضع الوبائي. وفي مدينة درنة، دعت مكاتب الصحة الحيوانية المربين إلى وقف نقل الأغنام والأبقار، وإغلاق سوق المواشي مؤقتاً، وذلك عقب ظهور حالات اشتباه في منطقتي قندولة ومراوة بالجبل الأخضر.

ولم تقتصر الإجراءات على شرق البلاد وغربها، بل شملت أيضاً الجنوب الليبي، حيث أعلنت بلدية أوجلة وقف سوق المواشي حتى إشعار آخر، فيما قررت السلطات في أوباري إغلاق سوق المواشي بمنطقة توش، ومنع نقل الحيوانات بين البلديات لفترة تتراوح بين عشرة وعشرين يوماً.

أرقام صادمة تكشف حجم الكارثة.. آلاف الإصابات والمئات نفقت

وكشفت المعطيات الرسمية عن حجم مأساوي للوباء، حيث أكد رئيس مركز الصحة الحيوانية، محمد العقاب، أن الحصيلة المسجلة حتى الآن تجاوزت ثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وستين رأساً مصاباً، مع نفوق مئتين وثلاثة وثلاثين رأساً من الأغنام وأربعة وأربعين رأساً من الأبقار، بالإضافة إلى اثنين وستين ألفاً وثلاثمائة وأحد وأربعين رأساً من الحيوانات المخالطة. وسُجلت الإصابات في بنغازي والمرج ومنطقة الجبل الأخضر، ما يؤكد أن الوباء بات يهدد عموم الثروة الحيوانية في البلاد.

إخفاقات حكومة الدبيبة.. وغياب الرؤية يضاعف الأزمة

في هذا السياق، يرى مراقبون أن تفاقم الأزمة الوبائية إنما يعكس الإخفاقات المتراكمة لحكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي ثبت عجزها عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الأمن الحيوي للبلاد. فبينما كانت حكومة الدبيبة منشغلة بترتيباتها السياسية ومحاولاتها البائسة للتمسك بالسلطة، كان فيروس الحمى القلاعية يضرب القطعان في صمت، مستغلاً حالة التراخي وضعف الرقابة التي ميزت أداء حكومة طرابلس.

فقد أكد الدكتور عبد الحميد الشريف، مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بالمركز الوطني للصحة الحيوانية في غرب ليبيا، أن التحدي لا يقتصر على ظهور بؤر جديدة، بل يرتبط أيضاً بتراكم مشكلات القطاع البيطري، وفي مقدمتها عدم انتظام حملات التحصين ونقص الإمكانات، وهو ما أسهم في تكرار موجات التفشي خلال السنوات الأخيرة. وأشار العقاب إلى أن جهود السيطرة تواجه تحديات، أبرزها صعوبة توفير اللقاحات قبل تحديد السلالة الفيروسية المنتشرة، محذراً من أن استخدام لقاح غير مطابق قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية إضافية.

ولم يخفِ العقاب إحباطه من نقص الدعم المالي واللوجستي المقدم لمركز الصحة الحيوانية، مشدداً على أن ضعف الإمكانات يعيق مواجهة الأزمة. وفي إشارة إلى حجم الإهمال، أوضح أن سنوات الانقسام السياسي أضعفت منظومة الصحة الحيوانية، وقلصت فاعلية برامج التحصين.

الحكومة الليبية في الشرق.. حضور فاعل واستجابة ميدانية

في المقابل، تبرز الصورة مختلفة تماماً في الشرق الليبي، حيث أظهرت الحكومة الليبية برئاسة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، حضوراً ميدانياً واستجابة سريعة للكارثة الوبائية. فبينما كانت إجراءات حكومة الدبيبة في الغرب تبدو متأخرة وارتجالية، تحركت الأجهزة التنفيذية في الشرق بحزم، حيث أغلقت أسواق المواشي في سلوق وقمينس وطبرق وشحات ودرنة، وشكلت فرقاً للتقصي الوبائي، ودعت المربين إلى التعاون والإبلاغ الفوري عن أي حالات اشتباه.

كما أظهرت الحكومة الليبية قدرة على التنسيق بين الأجهزة الأمنية والبيطرية، ما يعكس وجود رؤية واضحة للتعامل مع الأزمات، على النقيض من حالة التخبط والارتباك التي تسود غرب البلاد. ويدعو المراقبون إلى ضرورة توسيع نطاق عمل الحكومة الليبية ليشمل ملف الصحة الحيوانية على المستوى الوطني، خاصة في ظل العجز الواضح الذي أبدته حكومة الدبيبة في حماية الثروة الحيوانية، التي تمثل شريان حياة لآلاف الأسر الليبية.

تداعيات اقتصادية واجتماعية تلوح في الأفق

ويحذر مختصون في الصحة الحيوانية من أن الحمى القلاعية، رغم أنها لا تتسبب عادة في نسب نفوق مرتفعة بين الحيوانات البالغة، إلا أنها تؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة انخفاض إنتاج الحليب والإجهاض والهزال، فيما ترتفع معدلات نفوق المواليد من الحملان والعجول بشكل ملحوظ بسبب إصابة عضلة القلب. ويتوقع أن تؤثر هذه التداعيات على ارتفاع أسعار اللحوم والألبان، ما يزيد من معاناة المواطن الليبي الذي يعاني أصلاً من تردي الأوضاع المعيشية.

وبينما تواصل الفرق البيطرية أعمال التقصي الوبائي وسحب العينات لمتابعة تطورات الوضع، يظل السؤال الأهم: هل ستتمكن السلطات من احتواء الوباء قبل أن يتحول إلى كارثة إنسانية واقتصادية؟ أم أن إخفاقات حكومة الدبيبة ستجعل من هذا الوباء فصلاً جديداً في سلسلة إخفاقاتها؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى