غيث: ضخ الدولار نقداً مسكن مؤقت والأزمة تحتاج إصلاحاً
غيث: لا يمكن ضبط السوق الموازية والإصلاح الجذري غائب
ليبيا 24
في اللحظة التي يخرج فيها الليبي العادي باحثاً عن رغيف خبز لا يبتلعه تضخم قاتل، وفيما تسجل العملة المحلية انهياراً غير مسبوق أمام الدولار في دهاليز السوق الموازية، تنفجر بين الحين والآخر شهادات من قلب مؤسسةٍ يفترض أن تكون حارسةً للسيادة النقدية، لكنها تحولت إلى غرفة عمليات لإدارة البقاء السياسي لحكومة منتهية الولاية.
هذه المرة، تأتي الكاشفة من مصرف ليبيا المركزي نفسه، وتحديداً من عضو مجلس إدارته السابق مراجع غيث، الذي رسم، بتصريحاته الأخيرة، خارطة واضحة المعالم لأزمةٍ يُراد لها أن تبقى مستعصية كي تظل مراكز النفوذ قادرة على إعادة إنتاج ذاتها على حساب المواطن المطحون.
غيث يفكك وهم الضخ النقدي: مسكنات لا تلامس جذور الأزمة
لم يخرج غيث عن سياق التحليل الرصين حين قال إن توفير الدولار نقداً قد يحد من ارتفاع سعره في السوق الموازية، لكنه أردف سريعاً بما يشبه التحذير الموجع: «يبقى ذلك مرتبطاً بقدرة المصرف على الاستمرار في هذه السياسة». هي عبارة تختصر مأساة بلد يملك أكبر احتياطيات نفطية في أفريقيا ولا يستطيع أن يضمن لنفسه استمرارية إمدادٍ عادي من العملة الصعبة.
فسياسة ضخ النقد الأجنبي التي روّجت لها حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية، بالتواطؤ مع إدارة مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، ليست أكثر من بنجٍ موضعي تكرر تحت مسميات مختلفة: «النقد الأجنبي للأغراض الشخصية»، و«تغطية الاعتمادات المستندية»، و«دعم سعر الصرف». لكن النتيجة واحدة: ارتفاعات جنونية تعقب كل جولة ضخ، وشعورٌ متراكم بأن السوق السوداء وحدها من يربح في لعبة الكر والفر هذه.
السوق الموازية عصية على الحساب: اقتصاد الظل يبتلع السيولة والمواطن يدفع الثمن
أخطر ما ورد على لسان غيث هو اعترافه الضمني بأن صانع القرار النقدي يقف عاجزاً أمام طبيعة السوق الموازية نفسها. فهو يقر بأن «تحديد حجم الطلب فيها يكاد يكون مستحيلاً» بسبب تعدد الفئات التي تطلب الدولار وعدم ظهورها بشكل واضح.
وفِي مقابل إمكانية تقدير طلب التجار النظاميين استناداً إلى بيانات سابقة، تغوص السوق الموازية في عتمة اقتصاد الظل؛ هناك المضاربون، وهناك بعض المتعاملين الذين يتحركون خارج كل إطار قانوني، ومن بينهم – وهذا هو المُرّ – «المهربون وتجار العملة».
لقد صرّح المسؤول السابق بما يعرفه كل ليبي ولا تجرؤ البيانات الرسمية على النطق به: إن أزمة سعر الصرف في ليبيا ليست مجرد اختلال بين العرض والطلب، بل هي انعكاس لاقتصاد سياسي مشوه، تديره شبكات متشابكة من الميليشيات المسلحة ومهربي الوقود والبشر وتجار المخدرات، الذين وجدوا في تجارة الدولار ملاذاً آمناً وأداةً لتبييض الثروات.
وفي وسط هذا المستنقع، تأتي حكومة الدبيبة منتهية الولاية لتعلن كل بضعة أسابيع عن حزمة جديدة من الدولار النقدي، لتذهب الحصة الأكبر منها، بحسب شواهد الميدان، إلى جيوب هذه الشبكات التي تعيد ضخها في السوق نفسها بسعر أعلى. هكذا تصير السياسة النقدية أداةً لتغذية الريع لا لمكافحته.
حكومة بلا شرعية تتحكم في المركزي: إيرادات النفط رهينة للبقاء السياسي
منذ انتهاء ولايتها بموجب خارطة الطريق التي انبثقت عن ملتقى الحوار السياسي الليبي، ظلت الحكومة برئاسة الدبيبة تتشبث بالسلطة عبر ابتزاز مزدوج: ابتزاز المجتمع الدولي بتهديد الاستقرار الهش، وابتزاز الداخل الليبي بالسيطرة على مصرف ليبيا المركزي وإيرادات النفط.
وتحت شعار «ضمان استمرارية الخدمات»، مُنحت إدارة المصرف في طرابلس غطاءً لإدارة السياسة النقدية وفق أولويات ليس من بينها الحفاظ على قيمة الدينار، بل تمويل آلة المحاصصة والولاءات المسلحة.
غيث نفسه أشار، بما يُشبه التبرؤ، إلى أن غياب العمل المؤسسي والاعتماد على الاجتهادات الشخصية يجعل من الإجراءات النقدية مجرد مسكنات مؤقتة.
والمقصود بالاجتهادات الشخصية هنا ليس فقط اجتهادات المحافظ أو مجلس الإدارة، بل قرارات تُتخذ في غرف مغلقة بين قيادات المصرف ودوائر ضيقة في حكومة الدبيبة، بعيداً عن أي رقابة تشريعية حقيقية.
لم يعد خافياً أن الانقسام النقدي، حيث يدير مصرف موازٍ في بنغازي السياسة النقدية في الشرق، يضاعف المأساة؛ لكن الأكثر إيلاماً أن المصرف المركزي في طرابلس، وهو الطرف المعترف به دولياً، صار جزءاً من الأزمة لا جزءاً من الحل حين وظّف موارده لتمديد أمد حكومة تتآكل شرعيتها يوماً بعد آخر.
غيث يطالب بالاعتذار: قول الحقيقة تهمة في زمن الفساد
في ختام حديثه، ذهب غيث إلى أبعد من مجرد التحليل الاقتصادي، حين اعتبر أن «تعميم المصطلح خطأ يضره ويطالبه بالاعتذار لشرفاء صفه». ورغم أن التصريح لم يفصّل ماهية المصطلح، إلا أن السياق لا يترك مجالاً للشك: فقد جرى في الآونة الأخيرة إطلاق سيل من الاتهامات والتوصيفات الجاهزة، من قبيل «المضاربين» و«المندسين» و«العاملين ضد استقرار العملة»، في حق كل من يجرؤ على انتقاد أداء المصرف المركزي أو فضح تواطئه مع الحكومة منتهية الولاية.
هذه ليست مجرد حكاية شخصية لمسؤول سابق يُطالب برد اعتباره؛ إنها إشارة إلى المناخ القاتل الذي يُمارس فيه العمل العام في ليبيا، حيث يُقابل كل صوت مهني أو نقدي بحملات تشويه وتخوين، لتظل الحلقة الضيقة المستفيدة من نهب العملة الصعبة بعيدة عن المساءلة. ورسالة غيث، بهذا المعنى، هي أن من وصفوه بتلك المصطلحات هم أنفسهم من يجلسون على كناني الفساد ويُمعنون في إفقار الليبيين.
المواطن المطحون: بين مطرقة التضخم وسندان غياب المؤسسات
بعيداً عن لعبة المصطلحات وأروقة المصارف، يعيش المواطن الليبي كابوساً يومياً لا تحتمله أي معادلة اقتصادية. لقد بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية مستويات تعني أن راتب الموظف الحكومي لا يشتري أكثر من مئة دولار شهرياً، في بلد يستورد كل شيء تقريباً.
وحده رغيف الخبز ما زال مدعوماً بشكل مشوه، أما الدواء والوقود والمواصلات واللحوم فقد تحولت إلى سلع ترفيهية لشريحة واسعة من السكان. وفي كل مرة يُعلن فيها المصرف المركزي عن خطة جديدة لضخ الدولار، يخرج آلاف المواطنين ليقفوا في طوابير مذلة أمام المصارف التجارية، ثم يعود أغلبهم خائبين لأن الحصة المعلنة تبخرت قبل أن تصل إلى مستحقيها الحقيقيين.
ما كان ينبغي لغيث أن يُذكرنا بأن هذه الإجراءات لا تمثل معالجة جذرية، فالليبي البسيط يعرف ذلك من قرقرة معدته. لكن أهمية الشهادة أنها تأتي من داخل المؤسسة التي من واجبها الدفاع عن العملة، لتُدين بالدليل القاطع سياسة تدمير القوة الشرائية مقابل استرضاء مراكز قوى تنتعش بالفوضى.
الإصلاح المفقود: لماذا تتعمّد حكومة الدبيبة إجهاض كل حل حقيقي؟
شدد غيث على ضرورة تبني إصلاح شامل يشمل السياسات التجارية والنقدية والمالية، إلى جانب إعادة بناء المؤسسات على أسس الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة. وبالنظر إلى المشهد السياسي، تبدو هذه الوصفة وكأنها تنتمي إلى كوكب آخر.
ذلك أن أي إصلاح نقدي جذري – من توحيد سعر الصرف، وإلغاء الدعم العيني للمحروقات الذي يُهرّب بالجملة، وإعادة هيكلة المصرف المركزي بعيداً عن الوصاية الحكومية، وفرض رقابة حقيقية على الاعتمادات المستندية، وتفكيك سوق القطع الموازية – سيضرب مباشرة اقتصاد الحرب الذي تتغذى عليه حكومة الدبيبة والجماعات المسلحة الحليفة لها.
لا مصلحة لحكومة منتهية الولاية في وجود مصرف مركزي قوي ومستقل، لأن استقلاله سيعني وقف نزيف الموارد لتمويل مشاريع الولاء وشراء السلم الاجتماعي الهش. وبالمثل، لا مصلحة للإدارة الحالية للمصرف في الانصياع لإصلاحات صندوق النقد الدولي أو خبراء الأمم المتحدة، لأن ذلك سيُخضعها لآليات تدقيق تكشف كيف تُدار مزادات النقد الأجنبي ولمصلحة من. هذه المعادلة الخبيثة هي التي تجعل من كل جولة ضخ نقدي مجرد إعادة تدوير للازمة نفسها، بعد أن تلتهمها الأفواه الكبيرة نفسها.
نحو الانهيار الشامل أم فرصة أخيرة؟
ما يقوله غيث بصراحة هو أن المصرف المركزي، الذي يُفترض أن يكون الملاذ الأخير لليرة الليبية المنهارة، صار يُدير الأزمة بمنطق «المسكنات المؤقتة» التي تفقد فعاليتها مع مرور الوقت. وهذه مسكنات لا تُعطى للمريض، بل تُعطى لحراس المرض كي يستمر المسرح قائماً.
تظل الحقيقة الماثلة أن لا حل دون تفكيك نظام الريع القائم على استغلال الانقسام النقدي، وتوحيد المصرف المركزي تحت مظلة حكومة موحدة ذات شرعية انتخابية. وأي إجراء أقل من ذلك – سواء أكان ضخاً نقدياً أم خطاباً مسكوكاً بالوعود – لن يكون سوى شرعنة جديدة لسلب المواطن آخر ما تبقى من قيمة مدخراته وأحلامه.
في غضون ذلك، سيبقى صوت مراجع غيث، القادم من عمق المأسورة النقدية، شاهداً على حقبة تختبئ فيها الأزمة وراء مصطلحات مبهمة، بينما يُترك المواطن الليبي المطحون وحده في مواجهة سوق موازية لا ترحم، وحكومة لا ترى في بقائها سوى مبرر لاستمرار العبث بمصير أمة بأكملها.



