منوعات

جبل أركانو حلقة بركانية عملاقة تتحدى التفسيرات النيزكية

جبل أركانو تكوين بركاني دائري نادر يرصده رواد الفضاء

ليبيا 24

عين الصحراء الحارقة.. حين ترصد مدارات الفضاء قلوبًا بركانية خفية

من فوهة نيزك وهمية إلى شهادة جيولوجية نادرة

في مشهد يختزل مئات الملايين من السنين في إطار واحد، انزاحت ستائر الغموض عن تكوين صخري دائري عملاق في أقصى جنوب شرق ليبيا، بعدما التقطته عدسات محطة الفضاء الدولية وأعادت وكالة ناسا نشره بوصفه «صورة اليوم» في الثامن والعشرين من نوفمبر عام ألفين وخمسة وعشرين. الصورة التي تعود إلى يوم الثالث عشر من سبتمبر من العام ذاته، بدت للوهلة الأولى كأنها فوهة ارتطام نيزكي هائل، لكن الحقيقة الجيولوجية التي تختزنها تلك الحلقات المتداخلة تروي قصة مختلفة تمامًا، قصة تعود إلى أعماق القشرة الأرضية وغضب الصهارة المتسللة عبر الدهر.
يقع هذا المعلم، المُسمى جبل أركانو، في منطقة مقفرة من الصحراء الكبرى قرب الحدود الليبية المصرية، داخل أحد أكثر بقاع الكوكب جفافًا وقسوة. يبلغ قطره نحو خمسة وعشرين كيلومترًا، ويرتفع قرابة ألف وأربعمئة متر فوق سطح البحر، أي ما يزيد على ثمانمئة متر فوق السهول الرملية والكثبان المحيطة. من المدار الأرضي المنخفض، تبدو حلقاته الصخرية المتراكبة كما لو أن طابعًا دائريًا غائرًا قد خُتم على أديم الصحراء، ما أثار حيرة علماء الأرض لعقود قبل أن تكشف الدراسات الميدانية وبيانات الاستشعار عن بعد حقيقته البركانية.

تشريح التكوين: حلقات صهارية تعلو السهول القاحلة

يصنف جبل أركانو ضمن ما يعرف علميًا بالمجمعات الحلقية النارية، وهي بنى جيولوجية نادرة تنشأ عندما تقتحم الصهارة القشرة الأرضية على دفعات متعاقبة، متبعة مسارات الصدوع والتشققات، فتبرد متحولة إلى صخور نارية صلبة تشكل أقواسًا وحلقات متراكبة. ويتألف الجبل أساسًا من صخور البازلت والجرانيت، فيما يظهر في شماله غطاء رسوبي مؤلف من الحجر الرملي والحجر الجيري والكوارتز، وكأن الطبيعة قررت أن تضع غطاءً زمنيًا فوق البراكين القديمة.
وتشير تقارير مرصد الأرض التابع لناسا إلى أن «اقتحامات صهارية متكررة أدت إلى تشكيل حلقات متراكبة، مع محاذاة مراكزها باتجاه الجنوب الغربي تقريبًا». ويعني ذلك أن النشاط البركاني لم يكن حدثًا واحدًا، بل سلسلة من النبضات الصهارية فصلت بينها فترات زمنية شاسعة، نحتت كل منها حلقة جديدة إلى جوار سابقتها، أو داخلها. هذه الديناميكية هي المسؤولة عن المظهر المتعدد الطبقات الذي يخطف أبصار رواد الفضاء، ويجعل أركانو يبدو أقرب إلى تصميم هندسي عملاق منه إلى عمل جيولوجي طبيعي.

ليس نيزكًا ولا ارتطامًا كونيًا.. البراكين تكتب سيناريو النشأة

منذ أن شوهدت الدوائر الصحراوية الغامضة من الجو، راودت علماء الفلك والجيولوجيا فرضية أن نيزكًا ضخمًا هو من حفر هذا التجويف المثالي. لكن الدراسات الميدانية التي أجرتها بعثات علمية في المنطقة، والتي استندت إليها ناسا في تحليلاتها، قطعت الشك باليقين: لا وجود لرواسب الارتطام، ولا للمعادن المنصهرة تحت ضغط هائل، ولا لبنى التصدع المخروطية التي تميز الفوهات النيزكية الحقيقية. وبدلًا من ذلك، برزت دلائل الصخور النارية الجوفية وشبه الجوفية، والأنسجة البلورية التي لا تتشكل إلا في بيئات تبريد بطيء تحت سطح الأرض.
وجاء في تقرير مرصد الأرض أن «التفسيرات العلمية تؤكد أن الصهارة صعدت عدة مرات عبر القشرة الأرضية، وتسللت بين الصخور القديمة، ما أدى إلى تكوين سلسلة من الحلقات المتراكبة». هكذا، تحول جبل أركانو من «فوهة ارتطام محتملة» إلى مختبر طبيعي مفتوح لدراسة العمليات البركانية العميقة التي لا تزال أعمارها الدقيقة غير محددة، وتُعامل بوصفها أثرًا محفوظًا لفصل جيولوجي قديم للغاية.

في أكثر بقاع العالم جفافًا.. شريط أخضر يتحدى القحط

تقع منطقة جنوب شرق ليبيا ضمن نطاق مناخي يُعد من الأشد جفافًا على الإطلاق؛ إذ لا تتجاوز معدلات الهطل المطري السنوي، وفقًا لبيانات مهام رصد الأمطار المدارية عبر الأقمار الاصطناعية، حدود المليمتر الواحد إلى خمسة مليمترات في العام. وفي بعض المواقع المجاورة، قد ترتفع هذه المعدلات بالكاد إلى ما بين خمسة وعشرة مليمترات. تحت هذه الأرقام، يفترض المرء ألا تعمر الأرض بأي غطاء أخضر، لكن الصور الفضائية تحكي واقعًا مغايرًا.
فعلى امتداد الحلقات الصخرية لجبل أركانو، تتناثر بقع من الأعشاب والشجيرات، بل وُثقت في أحايين نادرة جيوب صغيرة من الأشجار المتفرقة. وتُرجع ناسا هذا التناقض إلى تأثير الرفع التضاريسي، حيث تجبر الكتل الجبلية المرتفعة الهواء على الصعود فتبرد رطوبته الشحيحة وتتكثف سحبًا متواضعة تسوق قطرات مطر عابرة. كما تؤدي الجدران الصخرية العمودية إلى خلق ظلال تمتد ساعات طوالًا، تقلل من التبخر ومن وطأة الإشعاع الشمسي المباشر، فتنشأ بيئات ميكروية أكثر رطوبة وتسامحًا مع الحياة. في صحراء تبتلع كل شيء، يصبح الجبل ملاذًا مناخيًا مصغرًا، شاهدًا على قدرة الحياة على التشبث بأهداب المستحيل.

أودية جافة تحفر في جسد الدائرة

لا تقتصر ملامح التآكل على الرياح وحدها. تخترق جبل أركانو مجارٍ موسمية تعرف بالوديان الجافة، تظهر في الصور الملتقطة من المحطة الدولية كخطوط داكنة تقطع الحلقات وتصل بين المركز والمحيط. هذه القنوات لا تجري فيها المياه إلا حين تسمح السماء بزخات نادرة للغاية، ربما مرة كل أعوام عديدة. لكن السيول العابرة التي تندفع بقوة لفترات قصيرة، تلتقط فتات الصخور وتنحتها، فاتحةً ممرات في الجوانب الأضعف من الصدوع، ومرسبةً الطمي والرمال في القيعان.
وعبر آلاف السنين المتعاقبة، عملت هذه السيول الموسمية على إعادة تشكيل المشهد الطبيعي بشكل متواصل، لتؤكد أن الجيولوجيا لم تتوقف عند التبلور البركاني الأول، بل إنها عملية ديناميكية لم تهدأ، تُعيد كتابة التفاصيل مع كل عاصفة نادرة تنهمر فوق العمق الصحراوي.

شواهد بشرية تعود إلى فصول مطيرة منسية

لم يكن جبل أركانو مجرد معلم جيولوجي على مر العصور. ففي المناطق القريبة، وتحديدًا في جبل العوينات، عُثر على نقوش صخرية بديعة تنتمي إلى فترات ما قبل التاريخ، تصوّر مشاهد من حياة يومية اندثرت منذ آلاف السنين. وتشمل هذه النقوش رسومًا لأبقار ذات قرون طويلة، وزرافات تتنقل بين نباتات لم تعد موجودة، إضافة إلى أشكال بشرية في أوضاع رعي وطقوس.
الباحث أندرش زبوراي، الذي وثّق الفن الصخري في الصحراء الكبرى على مدى عقود، يُعد هذه النقوش من بين الشواهد الأكثر تكرارًا على فترات الرعي القديمة، حين كان المناخ أشد رطوبة، وتحولت المنطقة من صحراء قاحلة إلى سهول سافانا تعج بالحياة. وتشير الدراسات التي نقلها زبوراي وغيره من المستكشفين إلى أن هذه الرسومات لا تمثل مجرد زينة بدائية، بل هي أرشيف بصري لتغيرات مناخية وجيولوجية وبشرية ضخمة، تروي فصولًا من تاريخ كوكبنا لم تدونها الكتابة بعد.

ملاجئ الرعاة ومداخل مسدودة بالحجارة

إلى جانب النقوش، تحتفظ الذاكرة الاستكشافية بتفاصيل لافتة عن استخدام البشر لهذه التكوينات في أزمنة أقرب إلينا. ففي أوائل القرن العشرين، دوّن مستكشفون عرب وأوروبيون، من بينهم الرحالة المصري أحمد حسنين باشا خلال رحلته الشهيرة إلى العوينات، أن الرعاة المحليين كانوا يلجأون إلى الكهوف والتجاويف الطبيعية في الجبال الصحراوية لحماية قطعانهم من العواصف الرملية ومن شمس الظهيرة الفتّاكة.
والأكثر إثارة للدهشة، أن بعض هذه الملاجئ أُغلقت مداخلها عمدًا بجدران حجرية منخفضة لمنع الماشية من الهرب ليلًا، في مشهد يعكس تلاقيًا حميميًا بين الإنسان والجيولوجيا، إذ توفر التضاريس المأوى وتُسخر لخدمة الاقتصاد الرعوي البسيط. وبذلك، يتحول جبل أركانو إلى سجل مزدوج: طبقات من الصهارة والصدوع في باطنه، وطبقات من الفحم والنقوش والذكريات البشرية على سطحه.

حين تلتقط العدسة الزمن الجيولوجي

اللقطة التي جرى تداولها على نطاق واسع في أروقة ناسا والمجتمع العلمي، ليست مجرد صورة جميلة من الفضاء. إنها اختزال بصري لتفاعل الجيولوجيا والمناخ والتاريخ. ففي إطار واحد، يرى المشاهد التكوينات البركانية الدائرية التي تشهد على غليان باطن الأرض في عهود سحيقة، ويرى الكثبان الرملية الزاحفة كألسنة صفراء تحاول ابتلاع الصخر، ويرى الأودية الجافة المنحوتة بفعل مياه لم تعد تأتي، ويرى أخيرًا تلك النقاط الخضراء الشاحبة التي تهمس بأن ثمة أملًا في مكان لا ينبغي أن يكون فيه أمل.
ومع أن الصورة قد توحي للمتابع العادي ببنية صناعية من صنع حضارة قديمة، أو بفوهة نيزكية يمكن تمييزها بيسر، إلا أن التفاصيل التي أفصحت عنها الأبحاث لا تترك مجالًا للخيال غير العلمي: إنها حلقات نارية داخلية، طبعت المكان بطابعها وظلت طي الكتمان حتى اختلسها رواد الفضاء من على ارتفاع مئات الكيلومترات.

الجيولوجيا تجيب وتترك أسئلة معلقة

يبقى جبل أركانو، على الرغم من التفسيرات الواثقة التي تقدمها ناسا والمجتمع الجيولوجي، محتفظًا بقدر كبير من الغموض. فعمره المطلق ما زال مجهولًا، إذ لا تتوفر تحاليل نظيرية دقيقة تمنحه تاريخًا قاطعًا. وهذا يفتح الباب واسعًا أمام التأويلات الزمنية، ويجعل منه لغزًا مطروحًا على طاولة البحث المستقبلي.
كذلك، يدفع هذا التكوين إلى إعادة النظر في خرائط المخاطر الجيولوجية والثروات المعدنية المحتملة في الإقليم. فعلى الرغم من وقوعه في منطقة نائية تخلو من البنى التحتية، فإن فهم آليات تشكله قد يساعد في تتبع مقدرات باطن الأرض في الصحراء الشرقية الكبرى، سواء تعلق الأمر بخامات فلزية مصاحبة للمجمعات الحلقية، أو بمكامن المياه الجوفية العميقة التي تستفيد من الكسور والصدوع الحلقية لتكوين خزانات طبيعية.

من الفضاء إلى المختبرات.. رحلة مستمرة عبر طيف العلوم

مع تقدم تقنيات الاستشعار عن بعد، لم تعد دراسة المعالم الجيولوجية القصية حكرًا على البعثات الميدانية الشاقة وحدها. فالأقمار الاصطناعية التي تلتقط صورًا فائقة الدقة، ومقاييس الطيف التي تحلل المعادن عن بُعد، والرادارات المخترقة للرمال، كلها أدوات صارت تتيح للعلماء تقشير طبقات الزمن دون أن تطأ أقدامهم الموقع.
وقد أظهرت مقارنات سريعة أجراها باحثون في علوم الأرض بين صور أقمار متعددة التوقيتات، أن أنماط الغطاء النباتي الهش حول أركانو تتغير بشكل طفيف بين السنوات الأكثر جفافًا وتلك التي تشهد زخات شتوية نادرة، ما يمنح علماء البيئة مادة دسمة لدراسة حدود احتمال الأنظمة البيئية تحت وطأة التغير المناخي. وفي هذا السياق، يتحول جبل أركانو إلى مختبر طبيعي عالمي لرصد الكيفية التي تستجيب بها النظم الجافة لأضعف التغيرات المناخية.

واحة جيولوجية في مداد الفضاء

في المشهد الإعلامي لعلوم الكواكب والأرض، غالبًا ما تخطف الفوهات النيزكية والبراكين الهائلة الأضواء. لكن جبل أركانو يذكّر بأن الأرض تخفي في تضاريسها دروسًا لا تقل إبهارًا عن أي جرم سماوي آخر. حلقاته المتداخلة تشبه بصمات أصابع عملاقة، كل واحدة منها تعود إلى نبضة صهارية مختلفة. ووحدها العين المدارية هي التي تستطيع رؤية الصورة الكاملة، وتقديم الدعوة للبشرية لتأمل ذلك النسيج المدهش.
وحين اختار مرصد الأرض التابع لناسا هذا التكوين ليكون صورة اليوم، لم يختر مجرد إطار جميل. بل اختار وثيقة بصرية تختزل نظرية علمية كاملة، رسالة مفتوحة من باطن الأرض إلى سكان القرن الحادي والعشرين، تقول لهم: «انظروا، فهنا تحت الرمال ما هو أعمق من الرمال، وهنا فوق الجفاف ما هو أبقى من الجفاف».

خاتمة: صورة واحدة، آلاف الحكايات

من البراكين الخامدة في عمق الصحراء الليبية إلى أجهزة الاستشعار على متن محطة الفضاء الدولية، تتشابك خيوط الجيولوجيا والمناخ والآثار والتكنولوجيا في حبكة واحدة. جبل أركانو ليس مجرد جبل، بل شهادة على قدرة القوى الداخلية للأرض على نحت معالم تخطف الأبصار وتتحدى التفسير. وبينما يستمر الباحثون في فك شيفراته العمرية، تبقى عين المحطة الدولية معلقة بالسماء، تترقب الغيمة النادرة التي قد تمنح الدائرة العظيمة ثوبها الأخضر العابر، في واحدة من أندر مصادفات الكون.
إنها حكاية الجيولوجيا بعيون الفضاء، مكتوبة بحبر الصهارة، ومجلدة برمال الصحراء، ومهداة لكل من يجرؤ على التساؤل: ماذا يحدث حقًا تحت أقدامنا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى