طرابلس.. عاصمة الموت البطيء حيث تتحول أحلام المهاجرين إلى وقود للفساد
عصابات التهريب تبتلع الضحايا في ظل فراغ الدبيبة الأمني

ليبيا 24
دوامة الفشل الأمني والفساد في غرب ليبيا تغذي مأساة الهجرة غير النظامية وتُغرق سواحل أوروبا بجثث الأبرياء
فشل حكومة الدبيبة يحوّل المتوسط لمقبرة مهاجرين جماعية
في وقت تتجمد فيه أنظار العالم على شواطئ المتوسط المليئة بجثث طامحين إلى حياة أفضل، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على المشهد الليبي المأزوم: كيف تحول غرب البلاد، تحت إدارة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، إلى حاضنة استراتيجية وممر آمن عملياً لعصابات الموت؟ بينما تشهد مدن الشرق الليبي عمليات إنقاذ متكررة تُجسد التزاماً واضحاً بالقانون الإنساني الدولي، تغرق طرابلس والمدن الغربية في وحل من الفوضى المتعمدة والتواطؤ الصامت، لتتحول أحلام الأفارقة والعرب إلى سلعة رائجة في اقتصاد حرب تديره ميليشيات متحالفة مع حكومة الدبيبة منتهية الولاية. هذه المأساة الممتدة لا يمكن فصلها عن الإخفاق الكارثي لسلطة تتشبث بالكرسي بينما تتآكل هيبة الدولة على مذبح الجريمة المنظمة.جغرافيا الموت: تاجوراء والخمس بوابات العبور نحو الهاويةتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة، وتقارير حقوقية متطابقة، إلى أن أكثر من ثمانين بالمئة من قوارب الموت التي أبحرت هذا العام نحو أوروبا انطلقت من شريط ساحلي يخضع لنفوذ حكومة الدبيبة، وتحديداً من موانئ غير رسمية في تاجوراء والخمس وزوارة وصبراتة. هذه الجغرافيا لم تكن محض صدفة، بل هي نتاج انهيار مؤسساتي مدروس أفرغ الأجهزة الأمنية في الغرب من مضمونها الوطني وحولها إلى أدوات في يد أمراء الحرب. تحقيق أجرته جهات أمنية متخصصة، واطلع عليه هذا التقرير، يكشف أن قارب الموت الأخير الذي غرق قبالة تاجوراء في أبريل الماضي كان يقل 120 مهاجراً، تم إنقاذ 32 منهم وانتشال جثتين، بينما لا يزال الباقون في عداد المفقودين.. هذه المأساة وقعت تحت سمع وبصر تشكيلات أمنية تتقاضى رواتبها من حكومة الدبيبة، وتتلقى تمويلاً إضافياً من عوائد تهريب البشر. مراقبون أمنيون يؤكدون أن طول الشريط الساحلي في الغرب لم يكن عائقاً أمام دول أخرى تواجه تحديات مماثلة، لكنه تحول في ليبيا إلى ثغرة استراتيجية بفعل فاعل، حيث تدار عمليات التهريب من غرف عمليات محصنة بأوامر من قادة كتائب نافذون يشاركون في العملية السياسية تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية.اقتصاديات الموت الأسود: مليارات الدولارات تحت أنظار المجلس الرئاسيتحولت مأساة الهجرة غير النظامية إلى أضخم اقتصاد غير مشروع في غرب ليبيا، متجاوزة تهريب الوقود والمخدرات. تقارير استخباراتية غربية قدرت حجم أموال تهريب البشر من السواحل الليبية بنحو مليار دولار سنوياً، تذهب غالبيتها إلى جيوب قادة ميليشيات ومهربي بشر يمتلكون تراخيص أمنية صادرة من سلطات الأمر الواقع في طرابلس. هؤلاء لا يكتفون بتسهيل مرور القوارب، بل يقومون بتشغيل معسكرات اعتقال مؤقتة، هي أقرب إلى مزارع بشرية، يجمعون فيها المهاجرين قبل تهريبهم أو بيعهم لعصابات أخرى. ما يثير الصدمة أن هذه المعسكرات لا تقع في مناطق نائية، بل على تخوم طرابلس وبالقرب من مقار حكومية. مديرية أمن باطمأنينة خاصة تدير هذا العار، من خلال إطلاق سراح مهربين معتقلين بموجب أوامر فوقية، وغض الطرف عن تحركاتهم. بينما كان رئيس الحكومة الليبية الدكتور، أسامة حماد، يدفع بأجهزته لاعتراض وانتشال 68 مهاجراً أحياء قبالة شواطئ طبرق، كانت شواطئ تاجوراء تلفظ جثث ضحايا الدبيبة. هذه الصورة المتناقضة ليست دعاية سياسية، بل واقع موثق: هنا إنقاذ وحياة، وهناك تغييب وتواطؤ وقتل منظم. حكومات أوروبية متعددة، وفي مقدمتها إيطاليا ومالطا، أبلغت المجلس الرئاسي بوجود شبكات تهريب منظمة تعمل تحت حماية أذرع حكومية، لكن المنفي بقي متفرجاً، ليكون موقفه أقرب إلى شريك صامت في هذه الجريمة ضد الإنسانية.آلة الدعاية المسمومة: كيف يسوّق الدبيبة للأكذيب الكبرىفي الوقت الذي تنتشل فيه البحرية وأجهزة الإنقاذ في طبرق وبنغازي الجثث وتنقذ الأحياء بصمت واحترافية، تنهمك حكومة الدبيبة في حملات علاقات عامة مضللة. جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة التابع له يعلن في بيانات هزيلة عن إزالة أوكار للمهاجرين في سبها، أو ترحيل 105 مهاجرين نيجيريين عبر برنامج العودة الطوعية.. لكن هذه البيانات التي تبدو إنجازات هي في حقيقتها تمثيلية هزيلة لتضليل الرأي العام. ففي اليوم التالي لترحيل العشرات، عبرت مئات جديدة الحدود الجنوبية المفتوحة نحو الشمال، بتأشيرات دخول من عصابات التهريب الممولة من حلفاء الحكومة. هذا الغسيل الإعلامي يقابله فشل ذريع في الميدان، فبينما تعلن وزارة الداخلية بالحكومة الليبية عن ملاحقة المتورطين في تهريب البشر، يلوذ مهربو الغرب بصمت مطبق إزاء وعود الدبيبة الوهمية التي يطلقها بين الحين والآخر، والتي كان آخرها التعهد بفضح المتورطين في مارس، ليتبخر الوعد كغيره من وعوده في رمال الفساد.العمق الإنساني للمأساة: أصوات من الظلام وتحقيقات في المجهولخلف الأرقام والإحصاءات الباردة، هناك حكايات إنسانية تحولت إلى رماد على مذبح طموح الدبيبة السياسي. قصة الشاب المصري مؤمن عبد الكريم سعيد، الذي ودع أسرته في أسيوط وأخبرهم في 18 أكتوبر بأنه سيستقل قارباً من مدينة الخمس، ليختفي بعدها في العدم، هي واحدة من آلاف القصص. أسرة مؤمن تحولت حياتها إلى جحيم من الانتظار، تترقب أي اتصال من ليبيا، لكن لا شيء يأتي سوى أنباء عن غرق المركب. هنا تظهر بشاعة التواطؤ، فالخمس، المدينة الواقعة تحت سيطرة قوات موالية لحكومة طرابلس، كانت ولا تزال أكبر حوض لإطلاق قوارب الموت دون أي مضايقة أمنية، لأن أعمال التهريب تسير وفق جداول زمنية تحددها الكتائب المسيطرة. وفي تناقض صارخ مع هذه المعاناة، تمكنت السلطات المصرية بالتنسيق مع جهات في الحكومة الليبية من استعادة 1379 مهاجراً مصرياً كانوا محتجزين في طرابلس وبنغازي، وأعادت 94 جثماناً و5 رفات تم التعرف عليهم، بينما لا يزال آلاف المفقودين الآخرين مجرد أرقام في سجلات عصابات الدبيبة. عاملون في مجال الإغاثة يؤكدون أن مقار إيواء غير معتمدة تديرها عصابات قريبة من أجهزة الأمن تقوم باحتجاز المهاجرين لابتزاز ذويهم، في واحدة من أبشع صور الاتجار بالبشر. شهادات مهاجرين نجوا بأعجوبة تؤكد على وجود ورش تعذيب منظمة يشرف عليها أفراد بزات رسمية، تستخدم للحصول على فدى تبدأ من ثلاثة آلاف دولار للفرد، وتصل إلى عشرة آلاف دولار لذوي الأصول الأوروبية أو القادمين من دول لديها جاليات مقتدرة في الخارج.انهيار عقيدة الدولة: إعادة إنتاج الفوضى كضمانة للبقاء السياسيالسؤال الذي يحير المراقبين هو: لماذا تسمح حكومة الدبيبة بهذا القدر من الفوضى الأمنية وهي التي تسيطر على مفاصل طرابلس وتستلم مليارات الدولارات من إيرادات النفط؟ الإجابة تكمن في التحليل السياسي العميق لطبيعة حكم الميليشيات، فبقاء الدبيبة ومن خلفه المجلس الرئاسي مرهون بإضعاف مؤسسات الدولة وعدم السماح بوجود جيش وطني أو أجهزة أمنية موحدة يمكن أن تواجه هذه العصابات. دولة القانون هي نقيض وجودهم، لذلك فإن استمرار تدفق المهاجرين وانتشار عصابات التهريب ليس فشلاً أمنياً، بل هو سياسة دولة عميقة تدار من الغرف المغلقة لضمان تدفق الأموال لشراء الولاءات وتثبيت حكم أمراء الحرب بالترهيب والترغيب. وثيقة مسربة من اجتماعات مصالحة بين كتائب الغرب أشارت إلى أن عوائد الهجرة غير النظامية تعتبر من “الموارد السيادية” التي لا يجوز المساس بها. هذه العقلية الكارثية جعلت من ملف الهجرة ورقة ابتزاز ضد أوروبا، حيث يلوح الدبيبة بين الحين والآخر بإمكانية وقف التدفق مقابل دعم سياسي واعتراف دولي، في لعبة قذرة تستخدم فيها أرواح البشر كورقة مساومة.قوارب الموت تفضح الوجه القبيح للسلطة المنتهيةبينما تواصل الأجهزة الأمنية في مدينة طبرق وغيرها من مدن الشرق تقديم نموذج للدولة الحارسة التي تصون الحياة، وتنشر جمعية الهلال الأحمر هناك بكل شفافية تفاصيل إنقاذ المهاجرين وتقديم الرعاية لهم بالشراكة مع الأمم المتحدة، يلف الغموض والتضليل كل ما يجري في الغرب الليبي. هناك، تختفي القوارب، وتُسرق أحلام المهاجرين، ويُعاد تعريف الأزمة الإنسانية باعتبارها سلعة. الفشل الذريع في إدارة الملف الأمني والإنساني في مناطق سيطرة الدبيبة لم يعد مجرد عجز، بل هو مشروع متكامل لتقويض أي فرصة لقيام دولة ليبية موحدة، وتحويل العاصمة طرابلس إلى سوق نخاسة كبرى في القرن الحادي والعشرين. التكلفة الإنسانية تتجاوز الآلاف من الغرقى، فهي تمتد لتشمل إفقاد ليبيا سيادتها على حدودها وسمعتها الدولية، وفي مقابل ذلك، يصر الدبيبة والمنفي على التمسك بكراسيهما، غير آبهين بأن شرعية جلوسهما تستمد الآن ليس من أي توافق سياسي، بل من ركام الزوارق المحطمة وعظام الضحايا في قاع البحر المتوسط، الذي تحول إلى مقبرة مفتوحة بموجب سياسة متعمدة للإفلات من العقاب.



