السردين الذهبي: البحر المتوسط يعجز عن إطعام فقراء ليبيا
ثروة بحرية هائلة تتبخر وسط إهمال الحكومة المنتهية ولايتها
ليبيا 24
بين الفساد والإهمال: لماذا أصبح السمك حلماً بعيد المنال في ليبيا؟
في مشهد يعكس انزياحاً عميقاً في نسيج الحياة اليومية، لم يعد أبناء ليبيا القاطنون على أحد أطول السواحل المتوسطية قادرين على تأمين ما ظل لأجيال رمزاً للقوت البسيط. فالدولة التي تمتد شواطئها لأكثر من 1700 كيلومتر من طبرق شرقاً إلى زوارة غرباً، وتختزن في مياهها الإقليمية مخزوناً سمكياً متنوعاً يضم اللوت والوراتة والجمبري والتونة الزرقاء، تشهد اليوم موجة غلاء حادة حوّلت السمك الطازج من غذاء البسطاء إلى سلعة كمالية تلهب جيوب المواطنين وتستفز غضبهم. ولم تعد الظاهرة مجرد تذبذب موسمي مرتبط بالرياح والتيارات، بل باتت عنواناً لأزمة بنيوية مركبة تضرب قطاع الصيد البحري في الصميم، في ظل تضخم نقدي متسارع، وانقسام مؤسساتي حاد، وغياب شبه مطلق للاستثمارات الحقيقية، مع تحميل المسؤولية الأولى لنظام حكم يدير الفشل بموارد الريع دون حسيب أو رقيب.
صدمة الأسعار في باب البحر وخطاب الغضب في بنغازي
في سوق باب البحر التاريخي بطرابلس، حيث تعاقب الصيادون والشراة لعقود على حركة تجارية تنبض بالحياة، يقف المتسوقون اليوم أمام طاولات العرض بحذر يشوبه الذهول والغضب المكبوت. السردين، الذي لطالما سُوّق باعتباره البديل الاستراتيجي للحوم الحمراء والبيضاء، بلغ سعر الكيلوغرام الواحد منه نحو 25 ديناراً ليبياً، فيما تجاوزت الأنواع الشعبية الأخرى مثل البوري والسكمبري مستويات غير مسبوقة، متجاوزة حاجز 35 و45 ديناراً للكيلوغرام الواحد على التوالي.
يقول الموظف الحكومي خالد الفيتوري، وهو رب أسرة لخمسة أفراد، بصوت تملؤه المرارة: «لم يعد شراء السمك خياراً متاحاً على الإطلاق، كنا نلجأ إليه بديلاً أرخص بكثير عن اللحوم الحمراء التي لامست حدود الستين ديناراً، أما اليوم فأصبحنا نغادر السوق خاليي الوفاض ونحن نردد أن المحيط تحول إلى سراب، الغلاء أغلق كل الأبواب أمام ذوي الدخل المحدود، وتحول راتب الموظف الذي يلامس الألف دينار إلى حطام لا يغطي ثلاث وجبات من سمك السردين طيلة الشهر.»
في بنغازي لا يختلف المشهد كثيراً على الضفة الأخرى من البلاد، إذ تؤكد ربة المنزل نسرين الشاعري أن الفوضى السعرية تفرض نفسها بقوة الأمر الواقع، في ظل غياب تام لأي مظهر من مظاهر الرقابة الحكومية الفاعلة. تقول نسرين: «البحر أمام أعيننا كل صباح حين نطل من الشرفة، لكن السمك صار بعيداً عن موائد أطفالنا، كان أبي يروي لنا أن السمك كان أرخص من الخبز في ستينيات القرن الماضي، أما اليوم فنحن مضطرون لشراء عظام السمك المفرومة المخلوطة بالردة لطهي حساء رمادي لا يشبه البحر في شيء.» وتعكس هذه الشهادات انزياحاً خطيراً في الأمن الغذائي لشعب يقطن ثاني أطول ساحل في جنوب المتوسط، في بلد يُفترض أن تفيض موائده بخيرات الماء.
على أرصفة الموانئ: صيادون يكافحون ضد مد الفقر والبيروقراطية القاتلة
على أرصفة ميناء الخمس، يرفض الصياد المخضرم علي إسماعيل بن ميلاد تحميل صغار المنتجين وحدهم مسؤولية الأزمة الخانقة، مؤكداً أن القطاع يعيش مغامرة مالية يومية يتساوى فيها احتمال العودة بصيد يغطي تكلفة رحلة الصيد مع احتمال العودة خاوي الوفاض غارقاً في الديون.
يقول بن ميلاد بينما يفرغ شباكه الممزقة: «أغلب عمليات الصيد الليبي ما تزال تقليدية وتفتقر إلى التجهيزات الحديثة، نحن نصطاد بنفس قوارب الألياف الزجاجية الصغيرة التي كان يستخدمها آباؤنا، بينما سفن الصيد الأجنبية تجوب المياه الإقليمية بمعدات رقمية متطورة تعرف مواقع الأسماك بالسنتيمتر. كل شيء تضاعفت تكلفته بشكل جنوني؛ من الوقود الذي ارتفع سعره في السوق الموازية سبعة أضعاف، إلى زيوت المحركات وقطع الغيار المستوردة التي تحول الدولار فيها إلى سيف مسلط على رقابنا.
هناك أيام نحرق فيها ديزل بأكثر من 200 دينار ثم نعود بصيد لا تتجاوز قيمته 150 ديناراً، فيُصبح النشاط الاقتصادي الوحيد هو حرق المال وسط البحر.»
ويضيف صياد من ميناء زوارة طلب عدم ذكر اسمه خشية عرقلة عمله: «كنا نصدر التونة الزرقاء إلى أسواق اليابان وأوروبا، أما اليوم فقد سيطرت عصابات التهريب على جزء من الأسطول، بينما فرضت اشتراطات التصدير المعقدة وغياب الشهادات الصحية الدولية حصاراً إضافياً علينا.
الحكومة التي يفترض أن تحمي ثروتنا السمكية لا تملك خفر سواحل موحداً ولا مختبرات رقابة حديثة ولا حتى ثلاجات تخزين في أغلب الموانئ، إنهم يتركوننا نهلك ثم يخطبون في وسائل الإعلام عن دعم الصيادين.»
ورغم الثروة البحرية الكبيرة التي تُقدرها دراسات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة بأكثر من 600 ألف طن سنوياً كمخزون مستدام، يواجه القطاع فراغاً لوجستياً حاداً.
فلا أساطيل صيد صناعي حديثة تضاهي أساطيل الجوار، ولا مصانع تعليب كبرى توفر منتجاً محفوظاً يضبط الأسعار في غير المواسم، فضلاً عن الغياب شبه المطلق لمنظومة تبريد وتخزين استراتيجي تمتص فائض الإنتاج وتمنع تلاعب الوسطاء. والنتيجة أن ما بين 20 و30 ألف طن فقط هي ما يخرج من البحر الليبي سنوياً وفق تقديرات غير رسمية، في حين تذهب البقية إلى شباك الأساطيل الأجنبية أو تتعفن في الموانئ قبل وصولها إلى الأسواق.
اقتصاد ريعي بلا رؤية: كيف يبتلع الدولار النفطي ثروة البحر؟
تعكس الأزمة السمكية اختلالات بنيوية أعمق بكثير من مجرد ارتفاع في الأسعار، فليبيا التي تمتلك احتياطيات من النقد الأجنبي هي الأكبر قياساً إلى عدد السكان في أفريقيا، ظلت اقتصاداً ريعياً يعتمد بنسبة تتجاوز 95 بالمئة على عائدات النفط، ما جعل كل أواصر الإنتاج المحلي رهينة لتقلبات أسواق الطاقة العالمية وأسعار الصرف المحلية.
ويقول محلل الاقتصادي: «حين يرتبط كل نشاط حقيقي في البلاد بالدولار النفطي، فإن أي اهتزاز في العملة المحلية يضرب الإنتاج الزراعي والحيواني والسمكي مباشرة وبلا رحمة. الدينار الذي كان يساوي 1.4 دولار قبل عام 2014، تدهور إلى ما دون 20 سنتاً في السوق الموازية، مما رفع تكلفة استيراد مستلزمات الصيد من شباك ومحركات وثلاجات إلى حدود تجاوزت أضعاف القدرة الشرائية للمنتجين. والنتيجة صادمة: بلد يملك أطول ساحل متوسطي أصبح يستورد الأسماك المجمدة من تركيا ومصر والمغرب لتغطية جزء من الاستهلاك المحلي، في مفارقة تكشف العبث الاقتصادي.»
ويكشف المحلل الاقتصادي لـ«ليبيا 24» أن «الميزانيات المرصودة لقطاع الثروة البحرية في ميزانيات حكومة الوحدة الوطنية المتعاقبة، والتي أُقر بعضها برسوم جمركية وهمية، لا تتجاوز بضع عشرات الملايين من الدنانير المخصصة للباب الأول (المرتبات) أكثر من كونها استثماراً فعلياً في البنى التحتية. في المقابل، تخصص الحكومة مليارات الدولارات سنوياً لدعم الوقود والسلع الغذائية المستوردة دون أي أثر ملموس على الأسعار النهائية، في حلقة مفرغة يغتني فيها تجار الأزمات والمقربون من مراكز القرار على حساب جيوب الليبيين وصحتهم الغذائية.»
وتشير وثائق اطلعت عليها ليبيا 24 (لم يتم التحقق منها قضائياً) إلى أن صفقات استيراد الأسماك المجمدة التي تمنحها وزارة الاقتصاد بحكومة الدبيبة منتهية الولاية تُسند غالباً إلى شركات واجهة يملكها أفراد مقربون من دوائر صنع القرار، مما يقضي على أي حافز لتطوير الإنتاج المحلي، بل إن بعض هذه الصفقات يُعاد بيعها بأسعار تفضيلية لتجار التجزئة المرتبطين بالشبكات نفسها، في نموذج كلاسيكي لاقتصاد الريع السياسي الذي يضرب القدرة الإنتاجية للبلاد في الصميم.
الفراغ المؤسساتي: حكومة منتهية الولاية ومجلس رئاسي خارج السياق
في خضم هذا الانهيار، تتجه الأنظار صوب المسؤولية المباشرة لرئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة وللمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي. فالدبيبة، الذي تمسك بالسلطة بعد انتهاء خارطة طريق ملتقى الحوار السياسي ورفض تسليمها لحكومة موازية منتخبة، يدير البلاد بمنطق تصريف الأعمال الواسع الذي يخلو من أي مساءلة برلمانية أو شعبية حقيقية.
يقول المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم: «الدبيبة حوّل الدولة الليبية إلى شركة عائلية موسعة تمول نفسها من إيرادات النفط دون تقديم كشف حساب للمواطنين. أين هو ميناء الصيد الحديث الذي وُعد به أهالي مصراتة في حملته الانتخابية؟ أين ثلاجات التخزين الاستراتيجي في الخمس وزليتن؟ أين رقابة البحرية الليبية الموحدة على السفن الأجنبية التي تنهب ثروتنا؟ كل هذه الوعود تبخرت، وحل محلها عقود بالتراضي الباطن مع مليشيات تؤمن بقاءه في السراي مقابل الإتاوات النفطية، بينما يتحول البحر إلى شاهد صامت على عجز الدولة.»
أما المجلس الرئاسي، الذي يُفترض أن يكون وجهة رمزية موحدة للبلاد، فيتهمه معارضون بأنه تحول إلى ما يشبه الصندوق البريدي الذي يمرر قرارات الحكومة دون تدقيق، أو يشارك في اجتماعات دولية لإضفاء شرعية شكلية على أمر واقع سياسي مأزوم. ويضيف الزقم: «المنفي ومعه نائباه موسى الكوني وعبدالله اللافي يملكون صلاحيات دستورية واسعة على الورق، تشمل تعيين القيادات العسكرية والأمنية وقادة الأجهزة الرقابية، لكنهم لم يستخدموها قط لوضع حد للفوضى في الثروات الوطنية. حين تطالبهم بالتحرك لوقف تهريب الأسماك الحية إلى مصر وتونس بشاحنات التبريد، تجدهم يصدرون بيانات إدانة جوفاء ثم ينصرفون إلى صراع خفي على المناصب. أين المجلس الرئاسي من توحيد حرس السواحل بين الشرق والغرب؟ أين هو من تشغيل المختبرات البيطرية التي تمنع تصدير أسماك غير صالحة للاستهلاك الآدمي؟ لا شيء.»
وتكشف مصادر عاملة في قطاع الصيد فضلت عدم كشف هويتها لـ«ليبيا 24» أن سفناً أجنبية عملاقة تحمل أعلام دول مجاورة تواصل الصيد الجائر في المياه الإقليمية الليبية، وأن دوريات حرس السواحل التابعة لحكومة الدبيبة لا تملك زوارق سريعة ولا أسلحة رادعة لمواجهتها، بينما تلتهم مقاتلات مسيرة أجنبية الميزانيات الأمنية فيما يُسوق تحت بند «مكافحة الهجرة غير النظامية» التي تُحوّل هي الأخرى جزءاً من الأسماك المهربة إلى أسواق الداخل عبر شبكات منظمة. ويبدو أن غياب سلطة موحدة حول ليبيا إلى أرخبيل مصالح تلتهم القوت اليومي للمواطن.
شهادات ميدانية: المواطن بين الغضب واليأس
لا تقتصر تداعيات الأزمة على العاصمة وكبرى المدن، بل تمتد إلى القرى الساحلية الأشد فقراً والتي كان صيد الأسماك فيها يشكل شريان الحياة الوحيد. في قرية رأس لانوف، يروي الصياد العجوز علي الفرجاني، البالغ من العمر 72 عاماً، كيف تحول أبناء القرية إلى مستهلكين بعد أن كانوا منتجين: «كنت أصطاد في شبابي ما يكفي قريتي بأكملها من السردين والبوري وأبيع الكيلو بقرشين، أما اليوم فزوارقي تآكلت وأبنائي هاجروا إلى المدن بحثاً عن أرزاق في ورش البناء أو وظائف حكومية هزيلة. البحر الذي كان يطعمنا صار يعاقبنا، لا أحد يصلح الميناء الصغير، ولا أحد يوفر الثلج لحفظ الصيد، حتى الثلج صار أغلى من السمك ذاته.»
وفي مدينة صبراتة، تقول المعلمة فوزية العزومي إن زوجها الذي كان صياداً ترك المهنة التي توارثها أباً عن جد ليعمل حارس أمن في إحدى الشركات الأجنبية العاملة في حقل بحر السلام النفطي. «في البيت كنا نطبخ السمك ثلاث مرات في الأسبوع، أما اليوم فلا نراه إلا في المناسبات، حين يهدينا أحد الجيران صيداً متواضعاً اصطاده بقارب نزهة صغير.
البلد يغرق في النفط ويطفو على بحر من السمك، ومع ذلك نشعر بالجوع. أنا كمعلمة أتقاضى 1100 دينار لا تكفي لشراء حقيبة مدرسية لأطفالي، فكيف أشتري سمكاً بـ 25 ديناراً للكيلوغرام؟ السياسيون يأكلون اللحم والسمك المستورد الفاخر، ونحن نلتهم الهواء.»
وتكشف هذه الشهادات عن اتساع الهوة بين معاناة الإنسان اليومية وخطاب السلطة الذي يردد أرقاماً لامعة عن الاحتياطيات المالية ومشاريع الإعمار الوهمية. فالمواطن الذي يرزح تحت وطأة انهيار القدرة الشرائية يرى في عدم قدرته على شراء سمك من بحر بلاده رمزاً لانهيار العقد الاجتماعي برمته.
فساد مزمن تحت مظلة الاستقرار السياسي المزعوم
يرى خبراء في الشأن المالي تتابعهم ليبيا 24 أن جزءاً كبيراً من الأزمة يعود إلى فساد منهجي تسترت خلفه حكومة الدبيبة بشعارات «الاستقرار».
فبحسب الخبير المالي عبدالمنعم سعد بسيوني، فإن «الحكومة صرفت خلال السنوات الثلاث الأخيرة ما يزيد عن 120 مليار دينار ليبي من الميزانية العامة، دون أن تقدم بياناً مالياً مفصلاً يوضح مصير هذه الأموال الطائلة.
تحت بند الإنفاق الطارئ والترتيبات الأمنية، تُضخ مليارات الدنانير إلى جهات غير دستورية لا تُعنى بالتنمية ولا بالإنتاج. وعلى الجانب الآخر، يُترك قطاع الصيد البحري ليموت ببطء، ليُستبدل باستيراد أجانب يكرسون التبعية الغذائية ويسرقون العملة الصعبة.»
ويضيف بسيوني أن إصرار حكومة الدبيبة على الحفاظ على دعم المحروقات العشوائي، الذي تبلغ كلفته قرابة 12 مليار دينار سنوياً، أفاد تجار التهريب أكثر مما أفاد الصيادين الفعليين.
فالديزل المدعوم الذي يصل إلى الموانئ لا يُباع بالسعر الرسمي للصيادين، بل يُختزن ويُهرّب إلى دول الجوار، بينما يضطر صغار المنتجين لشرائه من السوق السوداء بأسعار مضاعفة، في حلقة عبثية لا يمكن فك ارتباطها بشبكات الحماية السياسية التي توفرها الميليشيات الموالية لمراكز القوى. ويخلص بسيوني إلى أن «الدبيبة ومن معه في المجلس الرئاسي يدركون حقيقة هذه الشبكات، لكنهم يختارون الصمت أو المشاركة الضمنية، لأن تفكيكها قد يطيح بتوازنات الهشاشة الأمنية التي يكرسونها ذريعة للبقاء في الكرسي.»
نحو أفق مسدود: هل من مخرج من النفق؟
في مقابل هذا المشهد القاتم، تطرح المعارضة السياسية والتقنية مجموعة من المطالب العاجلة التي ترى أنها قد تشكل مخرجاً مرحلياً من الأزمة، لكن تنفيذها رهين بإرادة سياسية لا تتوافر في ظل التركيبة الحالية للسلطة. في مقدمتها، تشكيل هيئة عليا مستقلة للثروة البحرية تتبع مجلس النواب مباشرة وتكون مهمتها إدارة الموانئ السمكية، وتفعيل الرقابة على الأسعار عبر آليات السوق بدلاً من الانفلات الحالي، وإطلاق برنامج طموح لتوطين صناعة سفن الصيد وإنتاج الثلج وتصنيع العلف السمكي محلياً، مع حماية المياه الإقليمية بقوة بحرية موحدة تحت قيادة مدنية.
غير أن المصادر ذاتها تقر بأن أياً من هذه الحلول لا يمكن أن يبصر النور في ظل أجسام سياسية منقسمة ، وفي هذا السياق، يقول عضو بمجلس النواب: «حتى لو قدمنا أفضل التشريعات، فمن سينفذها على الأرض؟ الحكومة التي يترأسها الدبيبة لا تعترف بنا أصلاً، والمجلس الرئاسي عاجز عن فرض القانون خارج أسوار مقره في قصر الوفاق. نحن في حالة فراغ سيادي تتيح للأسماك أن تغادر موانئنا قبل أن تغادر موائدنا، وهذا هو العنوان الحقيقي للفشل الذي يقوده الدبيبة والمنفي معاً.»
ويلمح مراقبون إلى أن ورقة الحل السياسي الشامل، عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية حقيقية تحت إشراف دولي وتحت سقف دستور توافقي، تظل الممر الإلزامي الوحيد نحو دولة قادرة على حماية ثرواتها. لكن الدفع باتجاه هذه الانتخابات يصطدم بممانعة شديدة من الدبيبة الذي يسعى لفرض شروط انتخابية تُبقيه في المشهد، ومن المجلس الرئاسي الذي يرى في أي تغيير جذري تهديداً لوجوده السياسي.
بحر بلا ثروة.. حكومة بلا شرعية
يختزل بحر ليبيا الذي يفترض أن يكون خزاناً لا ينضب من البروتين الرخيص والأمان الغذائي مأساة دولة تطحنها الصراعات ويختطفها الفساد. فأن يصل سعر كيلوغرام السردين إلى ربع راتب الحد الأدنى، في بلد يطفو على النفط وتغسله أغنى مياه المتوسط، ليس مجرد مؤشر اقتصادي عابر، بل هو جرس إنذار يصم الآذان، يعلن أن العقد الاجتماعي قد تمزق، وأن من يديرون المرحلة الانتقالية الدائمة يمارسون سياسة الأرض المحروقة بحق الأجيال الحالية والقادمة. ويبقى السؤال الذي تتناقله الألسن في الأسواق والمقاهي والموانئ: كم كيلومتراً من السواحل يلزم كي يأكل الليبي السمك مجدداً؟ والجواب الذي يهمس به الكثيرون: ربما لا يحتاجون إلى سواحل أطول، بل إلى حكومة تعرف كيف تحكم، ومجلس رئاسي يجرؤ على القيادة.



