النواب ينفي دمج الرقابة والمحاسبة وسط جدل دستوري متصاعد
شكشك يحصن الديوان بدستورية الاختصاص ويرفض أي مساس بالصلاحيات
ليبيا 24
نواة الأزمة: تسريب يضرب المشهد الرقابي
في توقيت يشهد تدافعا محموما بشأن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة، انفجرت في الأفق الليبي شائعة سرعان ما تحولت إلى مادة للاستقطاب الحاد، بعد أن تداولت منصات التواصل وثائق غير رسمية تزعم وجود مشروع قرار يُحال إلى مجلس النواب يقضي بدمج هيئة الرقابة الإدارية في ديوان المحاسبة.
الادعاء، الذي تناقلته دوائر إعلامية بقدر من التهويل، اصطدم فورا بجدار نفي صلب من أعلى هرم السلطة التشريعية، ليضع المشهد أمام اختبار حقيقي لمدى مناعة الأطر الدستورية في وجه محاولات إعادة تشكيل الخارطة الرقابية.
هدية يضع النقاط على الحروف
خرج رئيس لجنة الأجهزة الرقابية بمجلس النواب، زايد هدية، بتصريح مقتضب حمل في طياته رسالة حاسمة، مؤكدا أن لا وجود لأي مشروع قرار معروض على المجلس من قريب أو بعيد.
لغة هدية لم تحتمل التأويل؛ فهي تضع حدا فاصلا بين ما يُتداول في الغرف المغلقة لمنصات التواصل وما هو قيد التداول الفعلي تحت قبة البرلمان.
وفي مسعى لقطع الطريق على أي محاولة لتغذية الفوضى المؤسسية، شدد المسؤول التشريعي على أن ما يُروّج “لا أساس له من الصحة”، في إشارة واضحة إلى أن ثمة جهات تقف وراء تسريب هذه المواد بهدف قياس نبض الشارع السياسي أو خلق واقع افتراضي يسبق أي تحرك قانوني.
شكشك يرفع سقف المواجهة بالدستور
لم يتأخر الرد من الجهة المعنية بشكل مباشر، حيث دخل رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك، على خط الأزمة بتصريح حمل أبعادا دستورية عميقة. شكشك لم يكتف بنفي الفكرة من زاوية عدم جدواها العملية، بل تجاوز ذلك إلى وصفها بأنها “غير قابلة للتطبيق دستوريا”.
هذا التوصيف ينقل المعركة من مربع الجدل السياسي إلى مربع المحظور القانوني، حيث ذكّر شكشك بأن المساس باختصاصات الديوان يتطلب تعديلا صريحا للإعلان الدستوري، وهو ما يضع أي محاولة للدمج أمام جدار صلب لا يمكن اختراقه إلا بتوافق سياسي يستعصي تحققه في الظرف الراهن.
وأكد رئيس الديوان أن العمل الرقابي الأمثل يفترض أن يسير في إطار تكاملي تحكمه تشريعات واضحة تمنع التضارب، معتبرا أن إثارة فكرة الدمج تخلق إرباكا في الصلاحيات بدلا من تعزيز كفاءة مؤسسات الدولة.
حصانة المادة 28… سيف الدستور المسلط
يكتسب موقف شكشك قوته من المادة 28 من الإعلان الدستوري، التي تحصّن ديوان المحاسبة بصفته الجهاز الأعلى للرقابة المالية والإدارية. هذه المادة، التي صيغت بعناية لتشكل درعا واقيا للعمل الرقابي، لا تجيز المساس باختصاصات الديوان أو إنقاصها إلا عبر آلية تعديل دستوري صريحة ومعقدة، مما يحوّل أي حديث عن دمج أو إعادة هيكلة إلى نوع من الترف السياسي غير القابل للتنفيذ في غياب إرادة دستورية جامعة.
وتكشف هذه الحصانة عن بعد نظر المشرّع الدستوري الذي أدرك أن استقلالية الجهاز الرقابي الأعلى تمثل ركيزة أساسية في بنية الدولة، لا يمكن تركها عرضة لتقلبات المزاج السياسي أو الصفقات التشريعية.
قراءة في التوقيت والأهداف
يثير تزامن هذه الشائعة مع حراك تشريعي موسع في ملفات أخرى تساؤلات حول الغرض من تسريبها. فإما أنها محاولة لاختبار ردود فعل الأوساط الدبلوماسية والمؤسسات المالية الدولية التي طالما شددت على ضرورة الحفاظ على استقلالية الأجهزة الرقابية العليا، وإما أنها بالون اختبار لمعرفة مدى تماسك الجبهة الداخلية داخل مجلس النواب نفسه.
وفي الحالتين، جاء النفي المزدوج من هدية وشكشك ليؤكد أن أي إعادة رسم لخريطة المؤسسات الرقابية لا يمكن أن تمر عبر التسريبات أو الجسّات التشريعية، بل تحتاج إلى مسار دستوري طويل ومعقد يبدأ من تعديل وثيقة الحكم ذاتها، وهو مسار يبدو شبه مستحيل في ظل الانقسام السياسي القائم.
خلاصة المشهد
أثبتت الساعات الماضية أن المؤسسات الرقابية الليبية، رغم كل التحديات، لا تزال تمتلك من العدة الدستورية ما يمكنها من الصمود في وجه محاولات الاحتواء أو الإضعاف.
وبين نفي البرلمان القاطع وإصرار الديوان على دستورية اختصاصاته، تبدو فكرة الدمج أقرب إلى السراب الإعلامي منها إلى أي واقع سياسي أو تشريعي ملموس، لتظل المعركة الحقيقية هي الحفاظ على ما تبقى من استقلالية العمل الرقابي في مشهد تتآكله التجاذبات.



