حريق يلتهم الأصابعة وغموض يُغلف المشهد وحكومة الدبيبة غائبة
أربعمئة وخمسون منزلاً تحولت رماداً في ليبيا دون تفسير
ليبيا 24
رماد الأصابعة: حين تصبح الكارثة البيئية مرآة لفشل الدولة
رائحة الحريق تخنق الأمل
لا تفارق رائحة الخشب المحروق والمواد البلاستيكية المذابة سماء مدينة الأصابعة، فقد تحولت إلى جزء كئيب من حياتها اليومية.
منذ فبراير من العام الماضي، لم تعد النيران مجرد حوادث عابرة، بل صارت قدراً متكرراً يطارد السكان من حي إلى آخر. المشهد القاتم لا يقتصر على الخسائر المادية التي حولت نحو 450 منزلاً إلى ركام، بل يتجسد في ذلك القلق الصامت الذي يخيم على الوجوه.
المواطن هنا لم يعد يسأل “متى” ينام بأمان، بل صار السؤال المؤرق: “لماذا” يحدث هذا؟ ومع كل حريق جديد، يزداد الغموض كثافة، ويصبح صمت السلطات المركزية أثقل من الدخان المتصاعد. إن ما تشهده هذه المدينة الجبلية ليس مجرد نكبة بيئية واجتماعية، بل هو عرض صارخ لمرض عضال ينخر جسد الدولة الليبية: الفراغ والغياب.
أرقام تحكي انهياراً صامتاً
في يوم الإثنين وحده، اشتعلت النيران مرتين. الأولى في الصباح والثانية قبيل المغرب، ملتهمة منزلين بالكامل، في مشهد لم يعد غريباً على فرق السلامة الوطنية المنهكة.
تكشف البيانات الصادرة عن المجلس البلدي عن حقيقة مروعة: خلال عام 2026 وحده، بلغ عدد المنازل المتضررة نحو 60 منزلاً. هذه ليست مجرد إحصاءات جافة، بل هي شهادة ميلاد لأزمة مركبة تقف فيها السلطات عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة، وهي الأمان.
في كل مرة تنجح فيها سيارات الإطفاء في السيطرة على ألسنة اللهب، يكون السؤال الذي يفرض نفسه: متى يندلع الحريق التالي؟ لقد تحولت جهود رجال الدفاع المدني البطولية إلى مجرد رد فعل على كارثة مستمرة، في ظل عجز تام عن فهم أسبابها الجذرية أو منع تكرارها.
هذا الغياب للتفسير لا يعكس مجرد فشل فني في التحقيق، بل يعكس انهياراً أعمق في منظومة الحكم المحلي والوطني، حيث تُركت المدينة لمصيرها الغامض.
من يحرق الأصابعة؟ فرضيات في فراغ الدولة
غياب التفسير الرسمي الواضح لأسباب هذه الحرائق يفتح الباب على مصراعيه أمام الفرضيات المقلقة. في شوارع الأصابعة، يهمس الناس بسيناريوهات متعددة، بعضها يتعلق بخلافات اجتماعية، والبعض الآخر يشير بإصبع الاتهام إلى صراعات خفية على الأرض والممتلكات.
لكن الفرضية الأكثر إدانة للسلطة هي تلك التي تشير إلى تقصير متعمد أو غير مبرر. كيف يمكن تفسير هذا الصمت المطبق من حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي طالما روجت لنفسها كمنقذ للوضع في غرب ليبيا؟ أين هي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية؟
أين هو جهاز مكافحة الحرائق المركزي؟ هذا الفراغ الأمني والتحقيقي الممنهج لا يمكن فصله عن منطق أوسع يحكم إدارة شؤون البلاد، وهو منطق يقوم على إدارة الأزمات وليس حلها، وعلى المحافظة على مناطق النفوذ لا حماية المواطنين فيها. هذا الغياب يحول الفرضيات إلى حقائق غير معلنة، ويجعل من المدينة ساحة مكشوفة للعبث.
المجتمع يدفع الثمن: نزوح صامت وكارثة إنسانية
وراء كل منزل تحول إلى رماد، هناك عائلة فقدت ماضيها ومستقبلها. الأضرار التي لحقت بـ 450 منزلاً لا تعني فقط فقدان الجدران والأسقف، بل تعني تشريد مئات العائلات وتدمير شبكة أمان اجتماعي بأكملها. هؤلاء الضحايا لا يجدون من يلتفت إليهم في خضم صراع النفوذ السياسي في طرابلس.
إنهم يدفعون ثمن فشل نخبة سياسية منقسمة، منشغلة بتقاسم كعكة السلطة والمال العام. لم تصدر عن حكومة الدبيبة أي مبادرة إغاثة حقيقية أو خطة لإعادة الإعمار تتناسب مع حجم الكارثة. في هذا الفراغ، برزت بشكل لافت زيارة مؤسسة خليفة الدولية للأعمال الإنسانية، التي قدمت دعماً لوجستياً لفرق الإطفاء. إنه لمشهد ينطق بالعار: مجتمع محلي ينتظر العون من الخارج بينما تحتجزه حكومته في دائرة من النار والإهمال، مما يكرس صورة الدولة الفاشلة التي لا تستطيع حماية مواطنيها، بل تتركهم فريسة للكوارث والمجهول.
نظام ينتج الكوارث: من الفساد البيئي إلى التآكل الاجتماعي
لا يمكن النظر إلى حرائق الأصابعة بمعزل عن السياق البيئي والاجتماعي الأوسع الذي يغذيه الفساد وغياب التخطيط. إن التوسع العمراني العشوائي، وغياب أدنى معايير السلامة في المباني، وتهالك البنية التحتية، كلها عوامل تجعل من أي شرارة كارثة محتملة.
هذه العوامل ليست قدراً، بل هي نتيجة مباشرة لسياسات دولة ريعية، حيث توظف الموارد لشراء الولاءات وليس لبناء مدن آمنة ومستدامة. حكومة الدبيبة، التي تسيطر على موارد ضخمة، أين مشاريعها لتطوير الدفاع المدني؟ أين خطة تنظيم المدن وتحديث شبكاتها؟ هذا الإهمال المزمن للبيئة الحضرية والريفية ليس مجرد سوء إدارة، بل هو شكل من أشكال العنف البطيء الموجّه ضد المواطنين.
إنها سياسة تحول المواطن إلى مجرد رقم في لعبة المصالح، لا يستحق الاستثمار في أمنه أو مستقبل بيئته.
الغياب عن الأصابعة… والعقاب في طرابلس
قد يكون المشهد في الأصابعة بعيداً جغرافياً عن مركز الحكم في العاصمة، لكنه قريب إلى حد التطابق في جوهره. إن نفس منطق التهميش والإهمال الذي تشعر به هذه المدينة هو ما تشعر به أغلب المناطق الليبية خارج دوائر الضوء الإعلامي.
حكومة الدبيبة، التي تواجه أزمة شرعية خانقة وتتشبث بالسلطة بكل الوسائل، لا تملك رفاهية الاهتمام بالأصابعة، فهي مشغولة بصراع البقاء السياسي. لكن هذه المأساة يجب أن تكون بمثابة جرس إنذار. فالدولة التي تفشل في حماية مدينة صغيرة من الاحتراق، هي دولة فقدت مبرر وجودها.
وعندما يحين وقت الحساب، فإن رماد الأصابعة سيكون شاهداً أثقل من أي خطاب سياسي، وسيتذكر الليبيون من كان يشغل منصب رئاسة الوزراء بينما كانت مدنهم وبيوتهم تلتهمها النيران، دون حتى تفسير.



