ليبيا

ليبيا على أعتاب الهاوية المالية: تشريح جريمة القرن الاقتصادية في ظل دولة الميليشيات

ليبيا تحت مجهر الفساد: إنفاق مخيف وأجهزة رقابية بلا أنياب محاسبة

ليبيا 24

تريليون دينار تبخرت وسط صراع الكليبتوقراطيين على جثة الدولة الليبية

في تحذير هو الأشد قتامة منذ انهيار الدولة المركزية في ليبيا، قال الدكتور جبريل العبيدي، أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة بنغازي، إن إعلان هيئة الرقابة الإدارية عن تجاوز حجم الإنفاق العام حاجز التريليون ومليار دينار ليبي منذ عام 2011 لا يمثل مجرد فضيحة مالية، بل يُجسد تشريحاً دموياً لجريمة العصر الاقتصادية.

وأوضح العبيدي في تحليل موسع للواقع الليبي أن هذه الأرقام “المخيفة”، كما وصفها رئيس الهيئة، ليست وليدة سوء إدارة عفوي، بل هي النتيجة الحتمية لتشكل كيان سياسي هجين يقوم على اقتصاد الحرب وتحالفات الكليبتوقراطيين الذين حولوا خزينة الدولة إلى غنيمة باردة.

ناقوس الخطر: من المليونير اليومي إلى إفلاس الطبقة الوسطى

أشار العبيدي، لافتاً إلى التصريح الشهير للمبعوث الدولي السابق غسان سلامة حول ظهور مليونير جديد كل يوم في ليبيا، إلى أن هذا الواقع المُرة يفسر سر تلاشي التريليونات.

وأضاف: “نحن لا نواجه تضخماً في الإنفاق الحكومي بقدر ما نواجه عملية تفريغ ممنهج لثروات الأمة. عندما تتحول الدولة إلى كيان غير قادر على تحصيل احتكار العنف الشرعي، يصبح المال العام في العراء، تنهشه أيادي الميليشيات المسلحة وتجار الحروب والسياسيين الذين يمارسون الفساد بصفته أداة للحكم لا مجرد عرض جانبي له.”

وأكد العبيدي أن الطبقة الوسطى التي كانت تشكل العمود الفقري للاستقرار في ليبيا قد سُحقت بالكامل. ففي ظل اقتصاد ريعي يُنتج الثروة من باطن الأرض دون أن يمررها عبر شرايين الإنتاج، تحول المواطن إلى رهينة ينتظر هبات الصناديق السيادية المنهوبة.

وأوضح أن الحالة الليبية باتت نموذجاً فريداً في القاموس السياسي العالمي، حيث تعايش المجتمع مع ظاهرة “الدولتين والعملتين”، وهو أمر يتجاوز الانقسام السياسي ليصبح انفصاماً في الهوية النقدية للبلاد، مما يُعطل أي فرصة لخلق بيئة استثمارية حقيقية أو حتى للقيام بعمليات استيراد متوازنة.

اقتصاد الحرب والكليبتوقراطية: غياب المحاسبة كسياسة دولة

تحت عنوان فرعي “عندما يكون النهب منظماً”، أوضح العبيدي أن وصف ليبيا بأنها “تُنهب ولا تُسرق” هو التوصيف الأدق لآلية عمل الاقتصاد الليبي اليوم. وشرح أن “الكليبتوقراطية” في ليبيا ليست مجرد أفراد فاسدين، بل هي “نظام حكم موازٍ” يعتمد على إبقاء الدولة مفككة، حيث يضمن التشظي الحكومي استمرار تدفق الأموال دون رقابة.

وأشار إلى أن الخطورة لا تكمن في الرقم الفلكي للتريليون المنفق، بل في عدم القدرة على تتبعه. وقال: “إذا أنفقت دولة تريليون دولار ولم تُنتج طرقاً أو مدارس أو مستشفيات أو محطات كهرباء، فهذا يعني أننا أمام عملية غسيل أموال على نطاق جيوسياسي، وليس فساداً إدارياً.”

وانتقد العبيدي بشدة حالة الشلل التي تعاني منها الأجهزة الرقابية الثلاثة (هيئة الرقابة الإدارية، ديوان المحاسبة، وهيئة مكافحة الفساد)، مشيراً إلى أنها تتبع السلطة التشريعية التي تعيش في حالة صراع وجودي، مما يجعل هذه المؤسسات “نموراً بلا أنياب”.

وأضاف: “التقارير تصدر بشكل دوري، ويُفضح فيها المسؤولون، ولكن دون محاسبة، مما يحول هذه التقارير إلى مجرد شواهد قبور على ضمير الدولة. عندما يُعلن رئيس أول حكومة بعد 2011 عن صرف 5 مليارات دينار على قرطاسية مكتبية دون أن يرتجف له جفن، فأنت لا تقف أمام إهدار للمال، بل أمام عقلية تعتبر المال العام غنيمة لا تستحق حتى محاولة إخفائها.”

خريطة النفوذ المالي: الاستثمارات الخارجية و”بيت مال الجماعة”

كشف العبيدي عن بعد أكثر خطورة في الأزمة، وهو ما يتعلق بالاستثمارات الليبية المجمدة في الخارج والأصول التابعة لحقبة النظام السابق. وأوضح أن هذه الأصول التي تُقدر بمليارات الدولارات تدور حولها معارك خفية شرسة بين جماعات الإسلام السياسي وشبكات المصالح القديمة.

وأشار، لافتاً إلى أن هذه المحافظ الاستثمارية تحولت إلى لقمة سائغة، حيث تدار من قبل جماعات لا تملك الخبرة ولا النزاهة، مما أوقعها في خسائر متتالية بدلاً من أن تكون عوناً للاقتصاد المنهار.

وقال العبيدي بنبرة تحذيرية: “محاولة تحويل مصرف ليبيا المركزي قديماً، والصناديق السيادية حديثاً، إلى ما يُشبه ‘بيت مال الجماعة’، هي محاولة لشرعنة النهب وتأسيس دولة عميقة موازية تُنفق على أجندتها الخاصة. عندما يتحكم تيار أيديولوجي في تدفقات النفط والاستثمارات، فإنه لا يحتاج حتى إلى الفوز بالانتخابات ليحكم، بل يكتفي بالسيطرة على الشريان المغذي للجميع.”

وهذا يفسر، من وجهة نظر العبيدي، سر الجمود السياسي القاتل الذي يخيم على ليبيا، حيث أن استمرار الفوضى والصراع على الشرعيات يُبقي الحكومات المؤقتة ضعيفة، ويُبقي التدفقات المالية خارج نطاق المساءلة.

فزع المستقبل: عندما ينهار الريع في صحراء الإنتاج

تحت عنوان “سيناريوهات الانهيار الكلي”، رسم العبيدي صورة قاتمة للمستقبل القريب. وأوضح أن ليبيا تعيش حالة فريدة من “الفزع الاقتصادي”، فالمجتمع يدرك أن اقتصاد البلاد ريعي بالكامل، حيث يُشكل النفط أكثر من 95% من الإيرادات و99% من الصادرات.

وفي ظل غياب أي استثمار في البنية التحتية النفطية بسبب انعدام الأمن وتوقف الاكتشافات الجديدة، فإن المخزون الاستراتيجي للثروة يُستنزف بسرعة الضوء.
وقال: “إنفاق التريليون في بضع سنوات دون خلق أي قطاع إنتاجي بديل يعني أننا لا نأكل من محصول الأرض، بل نبيع الأرض نفسها قطعة قطعة.

الفزع الحقيقي الذي يتحدث عنه الشارع ليس من الفساد فقط، بل من مرحلة ما بعد النفط التي ستأتي فجأة، لنجد أنفسنا أمام صحراء قاحلة لا مال فيها ولا مصانع ولا تعليم ولا صحة، بل فقط ذكريات عن تريليونات طارت في مهب الصراع السياسي.”

وأكد العبيدي أن المجتمع الدولي يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، عبر فشله الذريع في حماية الأموال المجمدة، بل إن بعض الأطراف الدولية ولبنوك الكبرى تتغاضى عن حركة الأموال الليبية المنهوبة طالما بقيت في ملاذاتها المالية.

رفض الحل كاستراتيجية للبقاء

وحول الأزمة السياسية، حذّر العبيدي من أن حالة الرفض المستمر من قبل مختلف الأطراف لأي مبادرة حل أو توافق وطني ليست “خوفاً على السيادة” كما يُروج، بل هي جزء من “اقتصاد الأزمة”.

وأوضح أن الطبقة السياسية الحالية وشركاءها في الميليشيات والعصابات الاقتصادية تجني أرباحاً طائلة من استمرار الجمود. وقال: “إنهم يرفضون الحل ليس لأنهم يختلفون عليه، بل لأنهم لا يريدون أي حل. الحل يعني توحيد الميزانية، وتوحيد المؤسسات، وعودة الرقابة والمحاسبة القضائية، وهذا هو الكابوس الحقيقي للكليبتوقراطيين الذين ملأوا جيوبهم من الفوضى.”

وختم د. جبريل العبيدي تحليله بالتأكيد على أن التريليون المنفق ليس مجرد رقم في تقرير رقابي، بل هو تكلفة انهيار الدولة الليبية. وأشار إلى أن استمرار نزيف المال العام دون حساب أو عقاب، بالتزامن مع سحق الطبقة الوسطى وتشظي العملة، سيُحوّل ليبيا حتماً من دولة غنية إلى ساحة صراع قبلية على الموارد المتبقية، ما لم يحدث تدخل داخلي وخارجي جاد لفك “الارتباط العضوي” بين السياسة والمال المنهوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى