ليبيا

حملة حقوقية تفضح جرائم البيوت المنسية في ليبيا

تصاعد العنف الأسري يهدد النسيج الاجتماعي الليبي المنهك

ليبيا 24

وراء الأبواب الموصدة: تشريح الجريمة الصامتة التي تنخر جسد ليبيا

في بلد أنهكته الصراعات المسلحة والانقسامات السياسية، يطلّ شبح عنف من نوع آخر، لا تدوي أصداؤه في ساحات المعارك، بل تتلاشى خلف جدران المنازل. إنه العنف الأسري، الظاهرة التي تحولت من حوادث متفرقة إلى نزيف مجتمعي صامت، يهدد بتقويض آخر معاقل التماسك في ليبيا: الأسرة.

لم يعد الأمر يقتصر على ضرب أو إهانة، بل تطور إلى جرائم قتل مروعة طالت نساءً وأطفالاً على يد من يفترض بهم توفير الأمان. وفي مواجهة هذا الجحيم المنزلي، انطلقت حملة غير مسبوقة تحت شعار “لن ننسى أسماءهم”، ليس فقط لتذكر الضحايا، بل لإجبار الدولة والمجتمع على مواجهة حقيقة مُرّة طالما غُلفت بجدران الصمت والعار.

ناقوس خطر يدق في العمق الاجتماعي

لم تعد المتابعة الإخبارية اليومية تخلو من قصة تهز الضمير: أب يقتل أطفاله، زوج ينهي حياة شريكته، أم تُعنف حتى الموت.
هذه الوقائع، التي باتت أشبه بنمط متكرر، يرصدها المحللون الاجتماعيون كمؤشر على أزمة أعمق من مجرد انفلات أمني.

تقول الأكاديمية الليبية، جميلة بنت عيسى، في تحليلها لتنامي هذه الجرائم، إنها “ناقوس خطر حقيقي” لا يحتمل التأجيل. وتضيف أن العديد من هذه المآسي تبدأ جذورها من لحظة انهيار الرابطة الزوجية، حيث يغيب العقل وتصبح الرغبة في الانتقام هي المحرك، ليكون الأبناء هم الوقود البشري لهذه الحرب الصغيرة.

وتشير بنت عيسى إلى نقطة جوهرية تتعلق بتوزيع المسؤولية، إذ لا يمكن إلقاء اللوم على الجاني وحده. فهناك شبكة كاملة من التقصير تبدأ من الأهل والأقارب الذين يلاحظون علامات الخطر ويتجاهلونها تحت ذريعة “الخصوصية”، مروراً بالمؤسسة التعليمية التي تعجز عن رصد إشارات العنف المبكرة على الأطفال والتبليغ عنها، وصولاً إلى الأجهزة الأمنية التي تتلقى شكاوى متكررة من أمهات مهددات دون أن تحرك ساكناً وقائياً. إنه فشل منهجي يحول كل مكونات المجتمع إلى شهود صامتين على جريمة تُرتكب ببطء.

حملة “لن ننسى أسماءهم”: كسر تابو الصمت

وسط هذا العجز الرسمي، برزت مبادرات مجتمعية تحاول سد الفجوة، أبرزها حملة “لن ننسى أسماءهم”. لم تكن هذه الحملة مجرد هاشتاغ عابر، بل مثّلت نقلة نوعية في توصيف المشكلة.
فمن خلال توثيق أسماء الضحايا وقصصهم، نقلت الحملة النقاش من لغة الإحصاءات الباردة إلى واقع الأرواح التي أُزهقت، مانحة إياهم وجهاً وهوية في وجه محاولات الطمس.

تقول حنان الشريف، رئيسة المنظمة الليبية لحقوق الإنسان، إن الحملة “نجحت في فتح مساحة مجتمعية للحديث عن هذه الجرائم باعتبارها قضية حقوقية وإنسانية تمس المجتمع بأكمله، وليست شأناً خاصاً”.

التفاعل الواسع مع الحملة، وفق الشريف، كشف عن تحول مهم في المزاج العام. فالمجتمع الليبي، الذي طالما غلّف قضايا العنف الأسري بستار من الخوف والوصم، بدأ يرفض هذه الوصاية الثقيلة.

هذا الضغط المجتمعي والإعلامي، برأيها، يمكن أن يتحول إلى أداة مساءلة حقيقية للسلطات، لإجبارها على الخروج من مربع الصمت إلى مربع الفعل. لكن الطريق لا يزال محفوفاً بالعقبات، حيث تخشى الكثير من الضحايا المبادرة للإبلاغ، ليس فقط خوفاً من الجاني، بل من رد فعل الأسرة والمحيط الذي قد ينبذهن.

انهيار مؤسسات الحماية: دولة غائبة وعدالة معطلة

في قلب الأزمة يقف عجز مؤسسات الدولة، ليس فقط عن المواجهة، بل وأحياناً عن مجرد فهم طبيعة المشكلة. غياب مراكز الإيواء الآمنة، وندرة خطوط الدعم النفسي والاجتماعي، يجعلان من فعل الهروب من العنف مغامرة محفوفة بالمخاطر. وتذهب بنت عيسى إلى أن غياب مراكز الاستشارات الأسرية ليس مجرد نقص في الخدمات، بل هو عامل مساهم بشكل مباشر في تفاقم الجرائم، حيث تتحول الخلافات إلى كوارث إنسانية دون وجود جهة وسيطة يمكنها نزع فتيل الأزمة.

وعلى الصعيد القانوني، يبدو المشهد أكثر قتامة. فرغم أن القوانين الليبية تجرم الاعتداء، إلا أن التطبيق يظل مفقوداً.

الانقسام السياسي، وتعدد مراكز النفوذ، أسهما في خلق حالة من الفوضى التشريعية والتنفيذية.
يوضح المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم أن الأدوار المنوطة بالمؤسسات الأمنية والقضائية، كالتدخل السريع ومنع الجريمة وجمع الأدلة ومحاسبة الجناة، تؤدى “جزئياً فقط”. ويكشف الزقم عن تداخل معقد بين الإفلات من العقاب، وضعف الموارد، والفساد، وبطء الإجراءات، وتأثير النسيج القبلي، ناهيك عن التدخلات التنفيذية في عمل القضاء والشرطة. في هذا الفراغ، يصبح أخذ الحق باليد هو القانون السائد، ويعاد إنتاج العنف في حلقة مفرغة.

كيمياء الأزمة: من انسداد الأفق الاقتصادي إلى السم القبلي

لا يمكن عزل تصاعد العنف الأسري عن المشهد الليبي العام. فالاختناقات الاقتصادية الخانقة تعمل كعامل تفجير للمواقف داخل البيوت. تتحدث الاختصاصية الاجتماعية سناء الشتيوي، المنسق العام بمركز البحوث النفسية والتربوية، عن الكيفية التي تحول بها أزمات السيولة النقدية وشح الوقود والانقطاعات المتكررة للكهرباء، الحالة النفسية للأسر إلى برميل بارود.
فالضغط الاقتصادي اليومي، وفق الشتيوي، يجعل التعامل مع أبسط المشكلات أكثر صعوبة، ويدفع البعض إلى استخدام العنف كوسيلة وحيدة للتعبير عن الغضب والعجز.

وتضيف الشتيوي أن التفكك الأسري وضعف الروابط داخل الأسرة الواحدة، نتيجة غياب التفاهم بين الأزواج والآباء والأبناء، هو نتيجة مباشرة لتغير مكونات الأسرة الليبية. فبعد أن كانت تقوم على ترابط وثيق بين العائلة الممتدة، أدت المدخلات الاجتماعية الجديدة إلى تراجع دور الآباء والأجداد، وفقدان الود، ليتحول العنف إلى وسيلة للتعبير وفرض الرأي. في هذا السياق، يلعب العامل القبلي دوراً معقداً؛ فهو أحياناً يوفر “حماية” للجاني من الملاحقة بحجة التستر على “شرف العائلة”، وفي أحيان أخرى يكون بديلاً عرفياً للعدالة الغائبة، لكنه في كل الأحوال يُبقي الجريمة طي الكتمان ويحرم الضحية من أبسط حقوقها في الإنصاف.

التربية العنيفة: مصنع لإعادة إنتاج المعتدين

من زاوية تحليلية أعمق، يقدم الزقم والشتيوي معاً تشريحاً لنشأة العنف. يعدد الزقم أسباباً اجتماعية كضعف الوازع الديني وسوء التنشئة وعدم المساواة بين الأبناء، ونشأة الأطفال في بيئات يسودها العنف. أما الأسباب النفسية فتتمثل في الآثار التراكمية للعنف اللفظي والجسدي، من ضرب مبرح وتوبيخ وتحطيم للكرامة. هذه الآثار، بحسب الزقم، لا تتوقف عند حدود الضرر النفسي، بل تخلق لدى الضحايا مشاعر نقص وإحباط قد تدفعهم لاحقاً إلى ممارسة العنف بأنفسهم، وكأن الضحية اليوم تصبح جلاد الغد.

تحذر الشتيوي من أن ترسيخ ثقافة العنف كحل للخلافات داخل الأسرة هو وسيلة فعالة لتدمير مستقبل البلاد. وتضيف أن الطفل المعنف، الذي غالباً ما يُسحب من والديه عبر إجراءات الوصاية دون توفير دعم نفسي كافٍ، يكبر وهو يحمل ندوباً نفسية واجتماعية تجعله قابلاً للانخراط في دوامة العنف المجتمعي. إنها عملية إعادة إنتاج للتفكك الاجتماعي تبدأ من حجرة النوم وغرفة الأطفال، لتمتد إلى الشارع والمؤسسة.

نحو استراتيجية للخروج من النفق: من التوعية إلى الصدمة القانونية

في مقابل هذا التشخيص القاتم، تقدم المختصات مجموعة من الحلول التي تتراوح بين الإجراءات الفورية والاستراتيجيات طويلة المدى. على الجبهة العاجلة، تشدد الشتيوي على ضرورة تفعيل آليات الرقابة الأمنية، وتوفير خطوط ساخنة ومراكز دعم نفسي واجتماعي خاصة بالنساء والأطفال. وتطالب الشاعري بتفعيل حملات توعوية تركز على البدائل التربوية للعنف، ونشر الوعي القانوني بأن ما يحدث داخل الجدران ليس “شأناً عائلياً” بل جريمة يعاقب عليها القانون.

أما الحلول الجذرية فترتبط، وفق الجميع، بإصلاح تشريعي عميق. لا يتعلق الأمر فقط بسن قوانين جديدة، بل بتحديث القوانين الحالية لتتماشى مع المعايير الدولية، وتطبيقها بصرامة دون أي اعتبار للضغوط الاجتماعية أو القبلية. إنشاء وحدات متخصصة داخل الأجهزة الأمنية والقضائية للتعامل مع هذه القضايا بسرية وحساسية عالية، كما تدعو الشريف، هو خطوة أساسية لبناء ثقة المواطن المفقودة. ويتطلب ذلك تدريباً مكثفاً للعاملين في مجال إنفاذ القانون على كيفية الاستماع للضحايا وحمايتهم، وليس إعادتهم إلى دائرة الخطر.

استقرار الدولة يبدأ من حماية الأسرة

الخلاصة التي تتقاطع عندها كل التحليلات هي أن العنف الأسري في ليبيا ليس معضلة اجتماعية منعزلة، بل هو نتاج عضوي لانهيار الدولة، واستمرار الصراع، وانسداد الأفق الاقتصادي. إنها مرآة تعكس فشل النخب السياسية في بناء كيان موحد قادر على حماية مواطنيه في أكثر الأماكن حميمية وأقلها حماية.

إن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة سياسية حقيقية ترى في حماية الأسرة استثماراً في الأمن القومي، وليس مجرد ترف حقوقي. فكل امرأة تُضرب، وكل طفل يُقتل، هو إعلان فشل جديد للدولة والمجتمع معاً. حملة “لن ننسى أسماءهم” نجحت في إشعال عود ثقاب في غرفة مظلمة، لكن مهمة إنارة الطريق وتحصين البيوت لا تزال مهمة أجيال، وتبدأ بقرار جريء بأن زمن الصمت قد ولى إلى غير رجعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى