الصويعي: تعدد المسارات الحوارية يجسد فشل الأمم المتحدة المزمن
الصويعي: غياب حكومة موحدة يبقي ليبيا رهينة للانقسام والغموض
ليبيا 24
خارطة الطريق المتشظية: لماذا تحولت مهمة التوحيد إلى دوامة من الحوارات العقيمة؟
تغوص تصريحات عضو مجلس النواب فاطمة الصويعي في عمق المأزق السياسي الليبي، كاشفة عن إخفاق دولي هيكلي لا يقتصر على تعثر لحظي، بل أصبح سمة متأصلة لإدارة الملف الليبي. ففي تحليلها، لم تعد كثرة الأجسام الحوارية، من مسار “أربعة زائد أربعة” إلى الحوار المهيكل، دليلاً على ديناميكية الحل، بل تحولت إلى عرض صارخ للمرض السياسي ذاته: عجز الأمم المتحدة عن تحقيق ولايتها الأساسية المتمثلة في صهر السلطة التنفيذية في بوتقة واحدة.
التصريحات ترسم صورة قاتمة لعملية سلام تدور في حلقة مفرغة، تُنتج مسارات بدلاً من نتائج، وتُفاجئ الليبيين بمجموعات تفاوضية جديدة فيما تبقى المعضلة المركزية، وهي تعدد رؤوس السلطة، عصية على الحل.
هذه الشهادة من داخل المؤسسة التشريعية تمثل توجهاً تحليلياً لما يمكن وصفه بـ”صناعة الفشل” حيث تُستخدم الأدوات التفاوضية كمسكنات لإطالة أمد الوضع القائم بدلاً من أن تكون مبضعاً لاستئصال جذور الانقسام.
المسارات المتشعبة: هندسة الفشل بدلاً من بناء الدولة
بحسب الصويعي، فإن النهج الأممي أضاع بوصلته تماماً، مستبدلاً الهدف النهائي المتمثل في حكومة موحدة تشرف على كافة المؤسسات العسكرية والرقابية، بواقع مفتت من الحوارات المتكررة التي لا تسمن ولا تغني.
وتكمن خطورة هذا التشتت في أنه يُفقد العملية السياسية جدواها ومصداقيتها، ويُبقي البلاد أسيرة لنظام تفاوضي عقيم. الحكومة الموحدة التي تتحدث عنها الصويعي ليست مجرد مطلب سياسي، بل هي شرط تقني وتشغيلي مسبق لإجراء انتخابات شفافة ونزيهة.
ففي غيابها، تصبح فكرة التصويت الوطني محفوفة بمخاطر الطعون والصراعات على الصلاحيات، وتغدو مؤسسات الدولة أسيرة لمراكز القوى المتنافسة. وتطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى إشراك أطراف لا تملك التفويض الكامل أو القدرة على إنفاذ أي اتفاق على الأرض.
الجنوب المهمش: الجغرافيا السياسية المغدورة
في تشريحها لتشكيلة لجنة “أربعة زائد أربعة”، تسلط الصويعي الضوء على فجوة تمثيلية قاتلة تتعلق بالجنوب الليبي. إن النظرة إلى الجنوب باعتباره مجرد ملحق جغرافي تابع للشرق أو الغرب ليست مجرد إخفاق سياسي، بل هي استراتيجية إقصاء متعمدة تُقصي شخصيات جنوبية فاعلة وغير جدلية من دائرة الحل. هذه الفجوة لا تنتج فقط تمثيلاً منقوصاً، بل تُرسخ ديناميكية تجعل مناطق شاسعة وثروات هائلة رهينة لصراعات النخب في الشمال.
إن إهمال هذا العمق الاستراتيجي في صياغة التسويات يعني بناء سلام هش قائم على توازنات منقوصة، جاهز للانهيار في أية لحظة. هذه الرؤية تتسق مع تحليلات متقدمة ترى أن استقرار ليبيا مرتبط بفك ارتباط مراكز صنع القرار بهيمنة المدن الساحلية، وإعادة تعريف مفهوم التمثيل العادل بما يتجاوز المحاصصة الحزبية الضيقة.
المفوضية العليا: “القوة القاهرة” كأداة للغموض المؤسسي
ولعل أحد أكثر النقاط إثارة للجدل في تحليل الصويعي هو تسليطها الضوء على دور المفوضية الوطنية العليا للانتخابات. فبعد أن عملت على الاستحقاق الانتخابي، أعلنت عن وجود “قوة قاهرة” حالت دون إتمامه، في خطوة وصفتها بالغموض الذي يجعل المفوضية نفسها موضع تساؤل حول دورها في التعطيل. إن استدعاء مفهوم القوة القاهرة دون تحديد الجهة المسؤولة بدقة هو بمثابة ثغرة قاتلة في هيكل الحوكمة الانتخابية.
هذا الغموض لا يبرئ المفوضية من مسؤولية الإفصاح والشفافية، بل يضعها في موقع من يمتلك حق النقض غير المعلن على العملية السياسية. في أي مسار ديمقراطي جاد، يجب أن يكون الجسد الانتخابي حَكَماً محايداً وليس طرفاً في لعبة الغموض السياسي، وإلا تحول من أداة للتمكين الديمقراطي إلى أحد معوقاته الأساسية.
البلديات تحت الحصار: عندما يقتل الانقسام الإدارة المحلية
وبينما أثنت الصويعي على التجربة الديمقراطية للانتخابات البلدية، إلا أنها كشفت الوجه الآخر للمأساة: فحتى هذه النجاحات الجزئية على المستوى المحلي لا يمكنها الإفلات من سموم الانقسام الكلي.
إن تأثر البلديات المنتخبة ديمقراطياً بالصراع بين الشرق والغرب، وحرمانها من الميزانيات الكافية، يمثل عملية خنق ممنهج لأقرب مستويات الحكم إلى المواطن. إنها استراتيجية إفقار متعمدة للإدارات المحلية، مما يجعل نجاحها الانتخابي شكلياً بلا مضمون خدمي حقيقي.
وهذا يعمق فجوة الثقة بين المواطن والنخبة السياسية، حيث يرى الليبي حكومته المحلية المنتخبة عاجزة أمام غياب التحويلات المالية والصلاحيات الفعلية، في مشهد يمثل صورة مصغرة للمأساة الوطنية الكبرى: شرعية انتخابية تصطدم بواقع انقسامي معطل.
دعوة لإنهاء زمن الأجسام السياسية
في نهاية تحليلها، تقدم الصويعي ليس مجرد نقد، بل مخرجاً من داخل المنظومة ذاتها. إن دعوتها الصريحة لإنهاء مرحلة الأجسام السياسية الحالية، من مجلس نواب ودولة وحكومات متعاقبة، لصالح جيل جديد، هي اعتراف ضمني بالإفلاس السياسي لجيل النخبة الحاكمة.
إنها مقامرة بفكرة أن المشكلة ليست فقط في الآليات الأممية، بل فيمن يدير الحوار الوطني ذاته. هذه الدعوة تمثل تحدياً وجودياً للمنظومة القائمة، وتطرح سؤالاً مصيرياً: هل تكمن الإجابة في إعادة تدوير الوجوه ذاتها ضمن مسارات أممية جديدة، أم أن لحظة الحقيقة تتطلب طي هذه الصفحة بالكامل لفتح الباب أمام عقد اجتماعي جديد؟ في الأثناء، يبقى المواطن الليبي يترقب تحسناً في ظروفه المعيشية، بينما النخب منهمكة في إدارة الصراع على صلاحيات التوزيع الجغرافي للمناصب بين الوزراء والوكلاء والنواب.



