ليبيا

خبير: ضخ المركزي للعملة الأميركية إجراء مؤقت يغذي السوق الموازية

تضخم قياسي ينهش ليبيا وإجراءات المركزي تزيد من الانهيار

ليبيا 24

ضخ العملة الأميركية: مناورة ترقيعية تفاقم مأزق الاقتصاد الليبي

في خطوة بدا أنها استجابة مرتبكة لضغوط سوق الصرف، أقدم مصرف ليبيا المركزي على ضخ كميات كبيرة من العملة الأميركية نقداً داخل المصارف، في مشهد أعاد للأذهان سياسات نقدية جرى التخلي عنها منذ سنوات.

وعلى الرغم من محاولات تبرير القرار باعتباره وسيلة لتقليص الفجوة بين السيولة النقدية والصكوك المصرفية، تؤكد المعطيات الميدانية وتصريحات الخبراء أن الإجراء لم يكن أكثر من تدبير مؤقت سرعان ما انقلب إلى أداة لتغذية السوق الموازية وتعميق الاختلالات الهيكلية للاقتصاد الليبي.

وتأتي هذه التطورات في ظل حكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي يتهمها مراقبون بتوسيع الإنفاق العام بشكل غير مسبوق، ما يضاعف الضغط على المصرف المركزي ويدفعه إلى خيارات تحمل في طياتها بذور أزمة أعمق.

إجراء بلا أفق: فشل مستحق منذ الساعات الأولى

بحسب الخبير في الشأن الاقتصادي علي المحمودي، فإن الهدف المعلن من ضخ العملة الأميركية نقداً كان تقليص الفجوة بين الكتلة النقدية المتداولة والسندات المصرفية، بيد أن مصرف ليبيا المركزي فشل في تحقيق ذلك منذ اللحظة الأولى.

ويشير المحمودي إلى أن المؤسسة النقدية أقدمت على هذه الخطوة بعد سنوات من التوقف عن توريد العملة الورقية، من دون أن تقدم تفسيراً مقنعاً لأسباب الإحجام السابق ولا لأسباب العودة المفاجئة، خصوصاً أن ديوان المحاسبة أكد مراراً عدم وجود أي حظر دولي يمنع توريد النقد الأجنبي إلى ليبيا طوال السنوات الماضية.

ويكشف تتبع مسار السيولة التي ضُخت في المصارف أن العملة الأميركية اتجهت، خلال ساعات قليلة، إلى السوق الموازية، حيث حقق المتعاملون فيها مكاسب فورية تجاوزت 25 بالمئة.

هذا التدفق السريع يعني، عملياً، أن المصرف المركزي قام بضخ الدولار مباشرة في السوق التي يفترض أن يكافحها، فغذّاها بدل أن يخنقها، وهو ما يؤشر إلى خلل عميق في فهم آليات السوق وفي صياغة السياسة النقدية.

السوق الموازية تتحكم في القرار النقدي

لعل الأخطر في توصيف المحمودي أن مصرف ليبيا المركزي بات يتعامل مع السوق الموازية باعتبارها السوق المسيطرة والمتحكمة في مؤشرات الاقتصاد، وأصبحت قراراته تُبنى على تحركاتها الآنية من دون الاستناد إلى سياسات نقدية صحيحة.

هذا التحول الخطير يعني أن المؤسسة التي يفترض أن تكون حارسة الاستقرار النقدي أصبحت رهينة للمضاربات والتقلبات التي تغذيها أطراف مستفيدة من الفوضى الاقتصادية. والنتيجة أن أي إجراء يُتخذ في إطار هذه العقلية لن يزيد الأزمة إلا استفحالاً.

تضخم قياسي وتآكل غير مسبوق للقدرة الشرائية

أما على صعيد الأسعار والقوة الشرائية، فيكشف تحليل النشرة الاقتصادية الصادرة عن المصرف المركزي نفسه أن معدل التضخم خلال العام الحالي بلغ نحو 155 بالمئة، وهو رقم وصفه المحمودي بالخطير والكبير للغاية. ويعني هذا الرقم أن مدخرات الليبيين تذوب بوتيرة متسارعة، وأن القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية تتراجع يوماً بعد يوم.

ولا يمكن فصل هذا التضخم المتفلت عن سياسة ضخ النقد الأجنبي لأغراض استهلاكية بحتة، في غياب تام لأي استراتيجية تهدف إلى توجيه الموارد نحو مشاريع تنموية تعيد بناء الاقتصاد وتنوّع مصادره.

استنزاف الاحتياطي الأجنبي: ثمن سياسات تفتقر إلى الرؤية

ثمة مفارقة قاتلة في الاستراتيجية الحالية، إذ يحاول المصرف المركزي تغطية الطلب المتزايد عبر ضخ مزيد من العملة الأجنبية في السوق، معتقداً أن المشكلة تكمن في نقص العرض.

بيد أن التشخيص الحقيقي، كما يؤكد الخبراء، هو أن الأزمة مردها الارتفاع الهائل في الطلب، الذي يغذيه الإنفاق العام المتوسع شرقاً وغرباً، وضخ أرقام مالية تفوق قدرة الاقتصاد الليبي على الاستيعاب، وتفوق أيضاً قدرة المصرف المركزي على تغطيتها من إيرادات النفط.

هذه الدينامية تدفع إلى استنزاف متسارع لاحتياطيات النقد الأجنبي، وهي أموال كان يفترض أن تُستثمر في بناء بنى تحتية وإرساء قواعد اقتصاد متنوع، يقي البلاد صدمات أسواق النفط ويوفر فرص عمل حقيقية. لكنها بدلاً من ذلك تذهب لتغذية الاستهلاك اليومي وتمويل السوق الموازية، في إهدار منهجي لثروة الأجيال القادمة.

حكومة الدبيبة وإنفاق بلا حسيب: شراكة في إدارة الأزمة

لا يمكن قراءة فشل السياسات النقدية بمعزل عن السياق السياسي، حيث تتحمل حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي انتهت ولايتها القانونية وتواصل تصريف الأعمال من دون غطاء تشريعي واضح، قسطاً كبيراً من المسؤولية.

ذلك أن هذه الحكومة توسعت في الإنفاق العام بشكل غير مسبوق، وأطلقت مبادرات مالية ضخمة من دون تنسيق مع المؤسسات السيادية الأخرى، ما ضاعف الضغوط على المصرف المركزي وجعله يبدو كمن يحاول إطفاء حريق بالنفط.

ويشدد المحمودي على أن إعداد الميزانيات الموحدة ومبادرات الإسكان ومعالجة الاختلالات الاقتصادية الكبرى ليست من اختصاص المصرف المركزي أصلاً، بل هي مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى، وتحميل المركزي هذه الأدوار ينذر بانهيار المؤسسة النقدية بالكامل.

تحذيرات صندوق النقد الدولي: إجراءات ترقيعية تنذر بانهيار شامل

لم تكن التحذيرات غائبة عن المشهد، فقد سبق لصندوق النقد الدولي أن نبّه إلى أن الإجراءات التي يتخذها مصرف ليبيا المركزي هي إجراءات مؤقتة بطبعها، ولا تملك القدرة على معالجة الأزمة بصورة حقيقية، بل إن الاستمرار فيها قد يؤدي مع الوقت إلى انهيار اقتصادي شامل.

وتنسجم هذه التحذيرات مع ما رصده المحمودي من أن ليبيا تخسر يومياً فرصاً اقتصادية مهمة، في حين يواصل المصرف المركزي سياسة ضخ الأموال في السوق من دون معالجة الأسباب الجوهرية للأزمة، وعلى رأسها ارتفاع الطلب وتضخم الكتلة النقدية في غياب أي إنتاج حقيقي.

غياب التنسيق المؤسسي: المركزي في مواجهة العاصفة وحده

أحد الجذور العميقة للمأزق الراهن هو غياب العمل المؤسسي المنسق بين مصرف ليبيا المركزي ووزارات التخطيط والمالية والاقتصاد، في ظل غياب شبه كامل للرقابة الحقيقية والشفافة. ويحذر المحمودي من أن الاستمرار في هذا النهج يعني السير بخطى ثابتة نحو مزيد من التعقيد، ما لم تتبلور إرادة سياسية حقيقية لإصلاح مالي واقتصادي شامل، لا يقوم على تحميل المصرف المركزي وحده مسؤولية إخفاقات متراكمة لحكومات متعاقبة.

نحو الانهيار أم لحظة تصحيح؟

في المحصلة، تقدم وقائع السوق وتحليلات الخبراء صورة قاتمة: مصرف مركزي يخوض صراعاً مباشراً مع العملة الأميركية بدلاً من إدارة السياسة النقدية بحكمة، وحكومة تصريف أعمال تواصل الإنفاق من دون ضوابط، وسوق موازية تزداد شراهة كلما ضُخت فيها سيولة جديدة.

ومع بلوغ التضخم مستويات قياسية، واستمرار نزيف الاحتياطيات، يتحول كل يوم يمر من دون إصلاح حقيقي إلى خطوة إضافية على طريق الانهيار الذي حذر منه صندوق النقد الدولي. ويبقى السؤال: هل ستكون الصدمة القادمة قاسية بما يكفي لفرض التصحيح، أم أن النظامين السياسي والنقدي سيواصلان رقصتهما على حافة الهاوية حتى النهاية؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى